لا يُشكل الاحتباس الحراريّ وما يُصاحبه من ارتفاع في درجات الحرارة مشكلة سيواجها الجنس البشريّ في المستقبل. إنها مشكلة تحدث الآن ومستقبل البشرية يتوقف على نجاعة الحلول التي يجب أن يتم اتخذها في الحال.

لقد اعتدنا في الأفلام المتحركة وأفلام هوليوود والخيال العلمي أن نرى تلك الحبكة التي تتعلق بخطر قادم من الفضاء للقضاء على كوكب الأرض وساكنيه.ربما من أحدث مسلسلات الدراما التي تناقش هذا الموضوع بالذات تلك السلسلة المسماة "الخلاص" Salvation التي تتحدث في موسمها الأول عن ذلك النيزك الضخم"سامسون" الذي يحتاج إلى مدة قصيرة تقدر بـ186يوماً من أجل الارتطام بكوكب الأرض مسبّباً خطراً من النوع الانقراضي. وهنا تتبارى حكومة الولايات المتحدة مع مجموعة من علماء وشركات التكنولوجيا لتطوير تقنية تتمثل بمكوك فضائي قادر على حرف النيزك عن مساره وتجنيب الأرض كارثة محققة كان يمكن أن تودي بالجنس البشري كله إلى الهلاك المحتوم.

ماذا لو كانت هذه المسلسلات والأفلام، هذا الإنتاج السينمائي الضخم، يعمل على تشتيتنا عن المشكلات الحقيقية التي يتعرض لها الكوكب والتي من شأنها أن تؤدي إلى تهديد حقيقي على سلامة الجنس البشري وحياته ككل؟ ماذا لو كان هذا الخطر الانقراضي يقبع بيننا ومنا، ولا يأتي مِن ثَم من مكان آخر، قل، الفضاء على سبيل المثال؟ ماذا لو كان هذا الخطر من صنعنا نحن؟ وبأننا نحن المسؤولون عن انقراضنا كبشر؟

علينا أن لا نُتعِب أنفسنا كثيراً في البحث عن هذا الخطر. لقد كانت حرائق أستراليا ومن قبلها حرائق غابات الأمازون كفيلة بأن توقظ فينا الإحساس بالهلع. إن مئات الآلاف من الهكتارات التي احترقت، ومئات الآلاف من الحيوانات التي نفقت جراء هذه الحرائق، تؤشر على عمق الخطر الذي بات يحدق بكوكب الأرض، وبنا جميعاً.

إن حرائق أستراليا لم تكُن وليدة الصدفة أو وليدة لخطأ بشري عرضي، بل كانت نتيجة للجفاف الذي بات يتأثر به الغلاف الجوي لكوكب الأرض. إن رطوبة الجوّ تتدهور، والسبب بكل بساطة هو ارتفاع درجة حرارة الأرض بمعدلات فاقت توقعات العلماء والخبراء الذين توهموا أن الحكومات قد يفعلون شيئاً للحَدّ من هذه الظاهرة الخطيرة.

لم يعُد الأمر مجرد تكهنات، بل حقيقة تدعمها الأرقام والمشاهدات اليومية، فقد أظهر تقريران نشرنا مؤخراً في 15 يناير/كانون الأول أحدهما الصادر عن ناسا والآخر عن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA بأن عام 2019 كان أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق، إذ تشارك مع عام 2016 بهذه الميزة التي لا يرغب أحد في الحصول عليها.

الناشطة السويدية في مجال المناخ غريتا ثونبرغ  تتحدث أثناء مشاركتها في لعبة سترايك المناخية ، يوم الجمعة ، 20 سبتمبر ، 2019 في نيويورك.
الناشطة السويدية في مجال المناخ غريتا ثونبرغ  تتحدث أثناء مشاركتها في لعبة سترايك المناخية ، يوم الجمعة ، 20 سبتمبر ، 2019 في نيويورك. (AP)

ووفق التقريرين فقد سجّلَت درجة الحرارة ارتفاعا يقدر بـ1.2 درجة مئوية على ما كانت عليه درجة الحرارة قبل الثورة الصناعية. وقد جاء في التقرير أن الخمس السنوات الأخيرة، تحديداً منذ عام 2015، كانت الأكثر دفئاً على كوكب الأرض منذ بداية الرصد الرسمي حسب سجلات العلماء التي بدأت قبل 140 عاماً، تحديداً عام 1880.

بذلك يمكن القول حسب تأكيد الخبراء إن العقد الأخير كان الأسوأ من حيث سجلات درجة حرارة الأرض. وربما بإضافة نوع من السخرية يمكن القول إن هذه السنوات هي التي شهدت صعود نجم الرئيس دونالد ترمب، وبذلك تكون مدة ولايته الأولى هي الأسخن من حيث درجة حرارة الأرض، فضلاً عن السخونة التي أحدثها الرجل في عالَم السياسة، سواء داخل الولايات المتحدة أو على مستوى العالَم.

وقد كانت معدَّلات ارتفاع الحرارة ملاحظة تحديداً في 36 دولة، منها على سبيل المثال أستراليا والمجر وكينيا وتايلاند وفيتنام. وقد خلص التقريران أيضاً إلى أن عام 2019 كان الأكثر سخونة على الإطلاق في ما يتعلق بمحيطات العالَم، وهو ما يهدِّد الثروة السمكية التي ربما تهدد ملايين البشر بالمجاعة.

إن انتشار الحرائق والجفاف، والتصحر الذي بات يضرب الشطآن البحرية، والسقوط غير المنتظم للأمطار، وذوبان الجليد الذي يهدِّد برفع مستوى سطح البحر الأمر الذي يهدد الكثير من الدول والمدن الجزيرية، يتطلب رفع مستوى حالة الطوارئ القصوى في كل عواصم العالَم، والتحرك وفق خطة مشتركة لمواجهة خطر يتهدد الجميع.

ربما ما زال هذا يُعَدّ أضغاث أحلام، فالعالَم اليوم مشغول بالصراعات الجيو-سياسية، أما تلك الجيو-مناخية فلا يأبه لها إلا القليل. حتى تلك الجهود الجماعية التي تكللت بتوقيع اتفاقية المناخ عام 2015 باءت بالفشل مع انسحاب الولايات المتحدة منها مع مجيء إدارة الرئيس دونالد ترمب. وفي الوقت الذي نحتاج فيه إلى خطط وبرامج ابتكارية بنَّاءه لمعالجة هذه العضلة المزمنة، يذهب العديد من الدول خصوصاً الكبرى منها إلى تطوير منظوماتهم العسكرية. ولا يأتي أسبوع من غير أن نسمع عن تطوُّر جديد بعالَم الأسلحة، كأن الذي ينقصنا مزيد من القتل والموت وافتعال الحرائق.

في مسلسل "خلاص" كان داريس، وهو رائد في الصناعات التكنولوجيا كان يقوم على تطوير نموذج مكوك الفضاء الذي من شأنه أن يحرف النيزك عن مساره، يعمل في ذات الوقت على تصميم مركبة فضائية تسير بالطاقة النووية للوصول إلى المريخ. بالنسبة إليه لم تعُد الأرض مكاناً آمناً للبشر، وكان لا بد من البحث عن خيارات راديكالية من قبيل استعمار كوكب المريخ. كان يبحث عن 160 شخص لكي يرافقوه في هذه الرحلة التي ستكون بداية غرس الجنس البشري في كوكب المريخ ليبدؤوا بذلك بحياة جديدة كليّاً هناك، ويكون بذلك قد حقق النسخة الحديثة من "نوح" عليه السلام.

هذا الخلاص يتلاءم بلا شك مع الخيال العلمي، مع تأكيد أن رحلة الإنسان إلى المريخ لم تعُد حلماً، بل قد نسمع عن أول رحلة قريباً. ما نحتاج إليه هنا هو الخلاص الواقعي الذي من شأنه أن ينقذ حياة سبعة مليارات إنسان على كوكب الأرض، بالإضافة إلى المليارات من الأجناس الأخرى. وهذا لا يتمّ إلا من خلال تكاتف الكلّ، أي من خلال تعزيز المواطنة الأممية التي تتخطى حواجز القومية الضيقة كما نظر إلى ذلك مِن قبلُ الفيلسوف الألماني كانْت.

اليوم بات الخطر عابراً للحدود وللقارات ولجميع التمييزات الآيديولوجية والقومية والدينية والعرقية. إن الاحتباس الحراري لا يميِّز بين سكان الشمال وسكان الجنوب. الكل في الخطر سواء. ومن هنا لا بد أن يكون الحل عابراً لكل هذه التحيُّزات. إن خلاصنا بأيدينا نحن فقط، وهو ما يجب على الكل إدراكه.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي