لا تفتأ البروجوازيات العربية من استثمار المحن والحروب والأزمات في تعظيم رأس مالها. فهي إذن بروجوازية الكوارث التي تغنى على حساب الجموع الفقيرة. والنتيجة تزاوج المال والسلطة الشرط الذي من خلال يتأبد الاستبداد.

يوما ما تحدثت ناعومي كلاين عن "صعود رأسمالية الكوارث" مؤكدة أن السياسات النيوليبرالية، ليس لها من هدف أثير سوى إنتاج الكوارث والاستثمار فيها، لأجل الهيمنة والإخضاع. فمشاريع الخصخصة وتحرير التجارة وتقليص النفقات الاجتماعية، قادت الكثير من البلدان إلى سياسات ومآلات كارثية، واستوجبت أيضا الانخراط في سيناريوهات أكثر كارثية، ستفيد منها، حصراً، الشركات المتعددة الجنسيات وباقي المؤسسات الدولية المُقْرِضة، ودونما تَنَاسٍ بالطبع لحجم الاستفادة القصوى، علناً وإضماراً، الذي تُراكمه البنيات الاستبدادية، والتي تضمن لنفسها، وبفضل "رأسمالية أو بورجوازية الكوارث"، المزيد من عناصر التجذر والاستدامة. 

في الحالة العربية تغيب كلياً أو جزئياً البورجوازية المُواطِنَةُ التي تنتصر للقاع الاجتماعي وتتحمل "مسؤوليتها المدنية" تجاه احتياجات الوطن، تحضر فقط خلال الأزمات للركوب على القضايا والاستثمار فيها، فما يَهُمُّهَا هو مراكمة الأرباح بأقل استثمار ممكن، عبر استغلال الفرص المفتوحة على "الصدمة والترويع".

وفي هذا الصدد تقول ناعومي كلاين بأن التسونامي الذي ضرب سيريلانكا، قبل سنوات، استغله تحديداً "المستثمرون الأجانب والمقرضون الدوليون، لإثارة جو الهلع، لتسليم الساحل الجميل، لرجال أعمال سارعوا إلى بناء منتجعات كبيرة"، منعوا على إثرها الصيادين والسكان الأصليين من العودة إلى قُراهم المطلة على البحر.

يتواصل نفس الأمر، باختلاف في التفاصيل، في عز النسخة الثانية من ربيع الشعوب، المستمرة آنا من الجرح إلى الجرح، فذات البورجوازية "المتعفنة" فساداً وإفساداً، لا تتردد في تقديم نفسها كجزء من الحل، وإن كانت في الأصل جزءاً من الأزمة، بسبب تواطئها القديم مع بنيات الاستبداد، وانخراطها الدائم في "زواج المال والسلطة". 

إنها راغبةٌ أبدا في الإفادة من "الكعكة" عند كل تقسيم جديد لعوائد الأزمات والصدمات، فكما تجار الحروب الذين لا يترددون في احتكار السلع وإلهاب الأسعار واقتناص الفرص، تستمر "بورجوازية الكوارث" في تقديم "النموذج الرث" والبئيس للنخبة الاقتصادية في الوطن العربي.

لا بأس من الاعتراف بأن الداعي إلى التفكير في الفعل السياسي/الاقتصادي للأثرياء العرب، يتصل بواقعة الضريبة التطوعية في الدول الاسكندنافية، والتي مفادها أن كبار أرباب الشركات لا يترددون في تسليم الدولة مستحقات ضريبية تفوق المطلوب قانوناً، في إطار نوع من "التبرع الضريبي"، بحيث نجد الواحد منهم يؤدي نحو 75 بالمائة من الأرباح لفائدة الدولة، مساهمة منه في تجويد خدماتها، أملاً في إشاعة ثقافة الرفاه الاجتماعي.

كما أن الكثيرين منهم لا يترددون في تخصيص مبالغ خيالية لفائدة مختبرات علمية وجوائز ثقافية ومؤسسات اجتماعية، تشجيعاً للبحث العلمي والإبداع الفني والتماسك الاجتماعي. فهل نجد ما يشبه "التبرع الضريبي" في الحالة العربية؟ وهل نجد بورجوازية مواطنة تعطي من غير بحث عن المقابل؟ أم أنها لا تشتغل إلا ضمن نسق "زواج المال والسلطة"؟

يستوجب التفكير في هذه "النخبة الاقتصادية" الانتباه إلى مقتربين دالين على الأقل، يتحددان في الرهان والاستثمار، فهذه النخب تراهن على استقطابها نخبٌ ومؤسساتٌ أخرى، كما أنها كأفراد وجماعات تستثمر رساميلها في إثراء تدخلاتها وتحسين مواقعها الاجتماعية والسياسية. فهي تشكل رقماً أساساً في معادلات النسق، كرهان موضوعي واستثمار ذاتي، إذ لا يمكن توقع حقل مجتمعي ما، إلا باستحضار واستضمار البعد الاقتصادي، مع ما يعنيه هذا البعد من امتلاك لوسائل الإنتاج والإكراه.

ذلكم ما يعضد فرضية زواج "المال والسياسة" في بناء كثير من الوقائع السوسيوسياسية العربية، فـ"بورجوازية الكوارث" لا تشتغل في سجل المال والأعمال فقط، بل تمارس فعلها أيضا، وبشكل جلي، في سجل السياسة، إلى الدرجة التي يبدو فيها هذا السجل، محدود الفعالية والفاعلية بدون رساميل مادية يثريها الفاعل الاقتصادي وليس السياسي.

لهذا لم يكن غريباً أن تصير هذه البورجوازية مخطوبة الود، بل ومراهن عليها بقوة، حتى في لحظات بناء أي مشروع، وكيفما كان نوعه ومرماه. فالفئات المحظوظة المهيمنة تتمتع برأسمال رمزي تستثمره للبقاء في مواقعها الاجتماعية، وهو ما يمكنها بعد ذلك من تحقيق التفوق الرمزي والمادي والسلطوي على كثير من الفئات غير المحظوظة و"المهيمن عليها". 

لا تكتفي بنيات الهيمنة الاقتصادية بالاغتناء خلال الأزمنة العادية، بل إنها تحرص على الرفع من "مداخيلها" في عز الأزمات والتحولات التي تعصف بالمجتمع، ففي الكوارث الطبيعية والانقلابات والحروب ومخاضات الانتقال العسير، تتقدم هذه البنيات بصفات متعددة مفتوحة على المحاور والمحتكر والمستثمر والبائع والمشتري، فكل شيء قابل للتفاوض بشأنه، وفق ما تقتضيه "رأسمالية الكوارث"، وكل وضع من الممكن استغلاله لتحصيل الأرباح وتقوية احتمالات الهيمنة.

تشير إحصائيات مجلة فوربيس برسم السنة المنصرمة إلى أن عشرة من أثرياء الشرق الأوسط يناهز مجموع ثرواتهم 201 مليار دولار، وأن ثلاثة منهم يحتكمون على نصف هذا المبلغ، وهو رقم فلكي كاف لمحو آثار الفقر والتهميش من على بلدانهم الأصلية. والمثير في الأمر، هو أن أغلب أثرياء العالم تراجعت معاملاتهم المالية بسبب الأزمات الاقتصادية المتواترة، فيما الأشقاء الأثرياء العرب، استمروا في احتلال مراتب متقدمة ضمن سلم الفوربيس، بالرغم من كل الرجات السوسيوسياسية التي عرفها الزمن العربي.

لهذا لم يكن غريباً أن يتم استدعاء عنوان "رأسمالية الكوارث" مرة أخرى من قبل أنتوني لوينشتاين، في إطار كتابه الجديد الذي وسمه بعنوان فرعي مفتوح على سؤال حارق، وهو: "كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحاً طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية؟". 

ليس غريبا إذن أن يغتني الأثرياء العرب، فهم لا يعرفون معنى التبرع الضريبي، ولا يرون في الحروب الأهلية والانقلابات العسكرية والثورات المجهضة إلا "فرصة" للاغتناء والاستثمار في المحنة.

وفي هذا الصدد يقول أنتوني لوينشتاين بأن الرأسمالية المفترسة تتجاوز نطاق استغلال الكارثة، إلى العمل على تأبيدها والإفادة منها لأكبر وقت ممكن، ذلك أن العديد من الأزمات المستمرة في العالم، هي من توقيع الصناديق المُقْرِضة والشركات المتعددة الجنسيات، ولهذا يشبهها بـ"الطيور الجارحة التي تتغذى على جثة حكومة ضعيفة". فلا مجال، والحالة هذه، للحديث عن مفاهيم الدولة والأمة والسيادة الوطنية، فالكلمة الفصل، وفي مختلف السياقات، لأثرياء الحروب والمحن. 

إن البورجوازية العربية لا تشذ عن فداحات رأسمالية الكوارث، وإنما تدين بخياراتها المضادة لمصلحة الشعوب، إذ تواصل التربح من سوء الأحوال الاجتماعية والسياسية، وتستمر في نهب الخيرات واستنزاف الثروات، عن طريق أنظمة الريع والقرب من أولياء النعم والمنن، كما أنها لا تتردد في تأزيم الأوضاع والدفع بها إلى اللامخرج، لتقدم نفسها بديلا أوحد لحلحلة نفس الأوضاع، وهو ما نراه في لبنان والعراق والجزائر ومصر وباقي بلدان الحراك الشعبي. 

يورد المفكر والمؤرخ عبد الله العروي في كتابه: "في ديوان السياسة" نصا قوياً يعكس بؤس وعُسر الإصلاح في الشرط العربي، إذ يقول:"يروي جون درمند هاي، مبعوث ملكة إنجلترا لدى سلطان المغرب في أواسط القرن التاسع عشر أنه قابل مراراً السلطان محمد الرابع وكَلَّمَهُ في إصلاح أوضاع المملكة. كلمه عن الأمن والحرية والمساواة، عن تحديث الجيش والشرطة والجباية، عن العدل وعن التعليم، إلخ. استمع السلطان إلى مخاطبه باهتمام واضح، استحسن كل ما سمع، تمنى لو يستطيع أن يطبق البرنامج المقترح إذ أكد في الختام: كنت أبادر بفعل ما تقول لو كنت أسوس رجالا عقلاء، لكني أتعامل مع أُسْدٍ مفترسة". فمتى ينكتب الإصلاح؟ و متى ينتهي زمن الأُسُود المفترسة؟. 

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي