بين حين وآخر ترسل الولايات المتحدة بعض قطعها البحرية إلى بحر الصين الجنوبي ولكي تمر بالقرب من الأراضي الصينية بطريقة عدوانية، وتحرك طائراتها الاستطلاعية تجسساً على المنشآت الصينية والقدرات العسكرية، ما تقابله بكين بتحريك بعض قطعها أيضا.

بين حين وآخر يتصاعد التوتر في بحر الصين الجنوبي، وتتصاعد التحذيرات من تحوله إلى صدام يؤثر بصورة كبيرة على شرق آسيا، وقد تمتد آثاره إلى العالم.

مؤخراً تحمل الأخبار ما يفيد بنشوب التوتر من جديد بخاصة بين الصين والولايات المتحدة، ويبدو من متابعة حالات التوتر التي طرأت في المنطقة أن المستفز الأول هو الولايات المتحدة الأمريكية التي تحاول تأكيد هيمنتها على العالم باستمرار ولا تترك فرصة لاستعراض عضلاتها إلا اغتنمتها، وبهذا تشكل أكبر مصدر للتوتر وربما للحروب في العالم.

بحر الصين الجنوبي

بحر الصين الجنوبي جزء من غرب المحيط الهادي أكبر محيط على وجه الأرض، يقع شرق الصين وفيتنام وكمبوديا وغرب الفلبين وجنوب تايوان، رغم أن تايوان نفسها يمكن اعتبارها جزءاً من البحر أو جزيرة فيه.

تبلغ مساحة البحر حوالي 3,500,000 كم، ومنه تمر حوالي ثلث تجارة العالم، أو ما قيمته 5,3 تريليون دولار سنوياً. حصة الولايات المتحدة من هذه التجارة حوالي 1,2 تريليون دولار.

تشترك دول في سواحل البحر منها فيتنام والصين وتايوان أو جمهورية الصين الوطنية، وكمبوديا وبروناي وماليزيا وإندونيسيا وميانمار، وكلها لها مصالح فيه تتعلق بأمرين هما التسميك (صيد السمك) وحقول النفط والغاز المقدرة تحت قعر البحر.

أعلنت الصين أن حدودها الاقتصادية القطعية في البحر تمتد إلى مئتي ميل، أو ما يعادل ثلاثمائة كيلومتر. ومثل هذا التحديد لا يتناسب مع مقتضيات القانون الدولي الذي أقرته الأمم المتحدة والقاضي بأن المياه الاقتصادية للدولة تمتد إلى 200 كيلومتر عن الشواطئ البرية.

كي تغلف الصين حدودها الاقتصادية القطعية عملت على استغلال بعض الصخور البارزة في البحر والشعاب المرجانية لإقامة جزر صناعية وتملكها واعتبارها بعد ذلك أراضي صينية تتمتع بحدود بحرية كبقية الجغرافيا العالمية

عبد الستار قاسم

ولكي تغلف الصين حدودها الاقتصادية القطعية عملت على استغلال بعض الصخور البارزة في البحر والشعاب المرجانية لإقامة جزر صناعية وتملكها واعتبارها بعد ذلك أراضي صينية تتمتع بحدود بحرية كبقية الجغرافيا العالمية.

وأقامت الصين على الجزر الاصطناعية منشآت عسكرية بحرية منها وجوية، وتحتفظ بعدد قليل من الجنود عليها. أهم هذه الجزر سبراتلي وبراسيل. ويعتبر جرف سكاربره أهم تجمع شعب مرجانية، وهو أقرب إلى الفلبين من الصين. إنه يبعد عن الفلبين حوالي 160 كيلومترا بينما يبتعد عن الصين حوالي 800 كيلومتر.

الفلبين

ربما تكون الفلبين أكثر الدول تضرراً من سياسة الصين البحرية بسبب الآثار المترتبة على صناعتها السمكية، والمخاطر التي تتعرض لها مصادر النفط والغاز. حاولت الفلبين والصين التفاهم حول المصالح الخاصة بالدولتين، وأقصى ما توصلتا إليه هو حل المشاكل فيما بينهما سلمياً وبدون استفزازات.

ربما تكون الفلبين أكثر الدول تضرراً من سياسة الصين البحرية بسبب الآثار المترتبة على صناعتها السمكية، والمخاطر التي تتعرض لها مصادر النفط والغاز

عبدالستار قاسم

وهناك دول أخرى تنازع الصين على المنطقة وهي ماليزيا وفيتنام وبروناي، بينما تنازع اليابان الصين في بحر الصين الشرقي. لكن الفلبين ترتبط باتفاقات عسكرية مع الولايات المتحدة والتي تنص على أن تدعم كل دولة الأخرى في حال حصول صدام عسكري يلحق أضراراً بالمصالح.

ويبدو أن الولايات المتحدة تستخدم استفزازاتها ضد الصين لكي تبقى الفلبين على أعصابها، ويستمر شعورها بأنها لن تستطيع حل مشاكلها مع الصين بدون الولايات المتحدة.

بين الحين والآخر ترسل الولايات المتحدة بعض قطعها البحرية إلى بحر الصين الجنوبي ولكي تمر بالقرب من الأراضي الصينية بطريقة عدوانية، وتحرك طائراتها الاستطلاعية أيضاً لتحلق في أجواء البحر تجسساً على المنشآت الصينية والقدرات العسكرية.

تضطر الصين أن تحرك بعض قطعها البحرية أيضاً، وربما تضطر إلى التصدي لطائرات التجسس الأمريكية كما حصل في السابق. الفعل ورد الفعل يدفعان إلى ارتفاع منسوب التوتر، وتبدأ منطقة شرق آسيا في اتخاذ إجراءات عسكرية احتياطية حتى لا تفاجأ بأي حرب أو اشتباك عسكري.

وبهذا النمط أيضا تتأكد الولايات المتحدة بأن دول شرق آسيا ستبقى بحاجة إلى المظلتين الأمنية والعسكرية الأمريكيتين. وهنا تبرز مهمة كبيرة أمام الدبلوماسية الصينية تنحصر بالسؤال التالي: لماذا تنجح أمريكا في تصوير الصين بأنها الوحش الكاسر الذي يريد السيطرة على مقدرات دول حوض بحر الصين الجنوبي؟ وقد تقدمت الفلبين إلى التحكيم الدولي، وصدر حكم لصالحها دون أن تلتفت الصين إلى القرار.

ميزان القوى

تطمح الصين إلى إنهاء مرحلة القطب الواحد على مستويين وهما الاقتصادي والعسكري. على المستوى الاقتصادي تحقق الصين نجاحاً أسرع وأوسع من العسكري. الآن هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وقريباً ستكون الاقتصاد رقم واحد، وستحل الولايات المتحدة في المرتبة الثانية. لكن على المستوى العسكري، لا تزال الصين بعيدة عن مستوى الولايات المتحدة، وحتى أنها تصنف على أنها أقل دولة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن في الرؤوس النووية.

تحاول الصين تطوير قدراتها العسكرية والأمنية وإنما بسرية تامة. المعنى أن دوائر الاستخبارات العالمية لا تعرف بالضبط ماذا لدى الصين من قوة ردع، ولا تعلم جيداً عن التطورات العلمية والتقنية التي أحرزتها، ولهذا تخشى هذه الدوائر المفاجآت.

ومن المعروف أن الصين تملك جيشاً ضخماً يقدر بأكثر من مليوني جندي يقبضون على آلاف الدبابات والطائرات المقاتلة، وقوة بحرية تقدر بحوالي 700 قطعة.

يجمع الخبراء كما تجمع أوساط الاستخبارات الغربية أن الصين أنجزت خطوات كبيرة وواسعة نحو تطوير قدراتها النووية وكذلك في مجال الأسلحة التقليدية، لكنها لم تطور من الأسلحة ما يضاهي الدبابات والطائرات الأمريكية.

وفي المجال الصاروخي طورت الصين صاروخاً عابراً للقارات يبلغ مداه حوالي 10,000 كيلومتر وقادر على إصابة أي هدف في الولايات المتحدة. هذا الصاروخ متعدد الرؤوس النووية، ويضرب عدة أهداف في آن واحد. مشكلة الصين فيما يتعلق بالمجال النووي أن عدد الرؤوس النووية لديها قليل جداً، وفق التقديرات، بالمقارنة مع ما تملكه روسيا والولايات المتحدة.

فرضت الولايات المتحدة على الصين تحديات تسليحية كثيرة كما فرضت على روسيا. أمريكا تسلح الفضاء، وتقيم دروعاً صاروخية في عدد من دول العالم بهدف محاصرة مناطق المنافسة على الساحة الدولية. الصين تشكل المنافس الأقوى والأكثر صمتاً، بينما تشكل روسيا المنافس الثاني على الرغم من قدراتها النووية الهائلة.

مخاوف الصدام

من المعروف أن الدول النووية لا تدخل في حروب بينية، وتكتفي عادة بحروب بالوكالة. الدول النووية تمتلك الردع المتبادل وكل دولة نووية مصابة بالرعب من الدول النووية الأخرى. ولهذا ليس من المتوقع أن تحشد الصين أو أمريكا قدرتها النووية استعداداً للمواجهة، إنما تبقى المخاوف قائمة، والانتباه مهم جداً حتى لا تؤدي استفزازات الولايات المتحدة فوق بحر الصين وعلى مياهه إلى صدام غير مخطط له فتنزلق الدولتان في مواجهة خاسرة لهما. تنبع المخاوف من الاعتبارات التالية:

أولا: من الوارد جداً ودائماً أن تقوم الصين بالرد على استفزازات أمريكا فتحرك بعض قطعها البحرية وبعض طائراتها للتصدي قد يتطور إلى ما لا يحمد عقباه.

ثانيا: من المحتمل أن تستخف الصين بالفلبين فتعمل على محاصرة مختلف نشاطاتها في بحر الصين أو منعها تماماً. هذا سيقود الفلبين إلى الاستنجاد بالولايات المتحدة على أرضية الاتفاقيات الموقعة بينهما.

عندها ستكون أمريكا أمام خيارين: إما أن تقف إلى جانب الفلبين وتتخذ إجراءات ضد الصين، أو تتجاهل الأمر فتفقد صدقيتها أمام أصدقائها في شرق آسيا ومختلف بقاع الأرض. وفي الغالب ستقف أمريكا مع حليفها بطريقة لا ترفع من منسوب التوتر إلى درجة حرب شاملة.

ثالثا: ما ينطبق على الفلبين ينطبق إلى درجة أقل على فيتنام المهددة أيضاً من قبل الاستحواذ الصيني على البحر.

الحجج والقانون الدولي

حجة الصين في الاستحواذ على بحر الصين الجنوبي أنه طالما تركزت نشاطاتها التقليدية في البحر بدون منازع تجوب أرجاءه بما تراه مناسباً، أي أنه جزء من الحياة الثقافية والاجتماعية والتاريخية لها.

من الصعب القبول بحجة كهذه بخاصة أنه لا توجد للصين جزر منتشرة في البحر ومأهولة بالسكان حتى على النتوءات الصخرية التي تحاول استغلالها للتبرير.

دول شرق آسيا ترفض حجة الصين وتقول إن بحر الصين الجنوبي مياه دولية وتنطبق القوانين الدولية عليها كما غيرها من المياه، وبناء على ذلك لجأت الفلبين إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، وقررت المحكمة أن ادعاءات الصين باطلة، وأن للفلبين حقاً قانونياً مؤكداً للنشاط في البحر سواء في صيد السمك أو تحريك قطع عسكرية.

الصين رفضت قرار المحكمة فور صدوره، وأكدت أنها لن تحترمه. قرار المحكمة يشكل انتكاسة للصين، وهو سيضعف موقفها الدبلوماسي على المستوى العالمي، لكن لا يوجد قوة تنفذ القرار. القوانين الدولية لا تنفذ إلا إذا كانت لصالح الأقوياء أو يؤيدها الأقوياء. ليس من المتوقع أن تتحرك الفلبين لتنفيذ القرار لأنها هي الطرف الأضعف.

الصين وتايوان

الصين وتايوان لا تجتمعان، الأولى تؤكد دائماً ضرورة عودة الثانية إلى الأرض الأم ولا تعترف بها، ودائما تضغط على الدول من أجل وقف التعاون معها. هذه المرة الأمر مختلف حيث إن الصين وتايوان تتخذان الموقف ذاته لكن دون تعاون. تايوان أكدت أن بحر الصين الجنوبي بحر صيني بحت، وهي ستتحدى أي قوة تعمل على انتهاك حرمة المياه الصينية. ولهذا حركت تايوان بعض قطعها البحرية لتستعرض قوتها أمام الفلبين وفيتنام وكمبوديا، بالضبط كما فعلت الصين.

الحوار

الصين ليست معنية بخوض حروب واستنزاف طاقاتها وقدراتها العلمية والتقنية بخاصة أن خسائرها المادية والمعنوية في حرب تشارك فيها الولايات المتحدة ستكون هائلة. كما أن الولايات المتحدة ليست معنية بحرب حتى لو كانت بالوكالة. الشعب الأمريكي ملّ الحروب، وهو يريد أن يشعر بالاستقرار والهدوء والتفرغ لإصلاح البيت الداخلي. وإذا كانت الدولتان الكبيرتان غير معنيتين بالحروب فإن الدول الأقل حجماً وقوة ليست معنية أيضاً. نحن سنسمع تهديدات وزمجرات كلامية في وسائل الإعلام صادرة عن كل الأطراف، لكن طاولة الحوار ستكون مستقر الجميع في النهاية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي