في الذكرى الأربعين لعودة الإمام الخميني من منفاه في فرنسا إلى إيران، مازالت الثورة الإيرانية تعتبر من أبرز الأحداث التي أثرت في شكل الشرق الأوسط الذي نراه الآن.

أربعون سنة خلت مذ حل الإمام الخميني بمطار طهران في فبراير/شباط 1979قادماً من باريس، بعد منفاه الطويل الذي قاده لفترة إلى قرية بضاحيتها نوفل لوشاطو، كانت محجاً -حينما كان مقيماً بها- للمناضلين من كل الأطياف والمناهضين للإمبريالية ودعاة التحرر... أقلّت الطائرة التي حملت الإمام الخميني صورة لهذا العالم الثالثي، حيث وجوه إسلامية تلازم يسارية مع صحافيين فرنسيين وكتاب، منهم الصحافي المصري المرموق حسنين هيكل. كان من أبرز ما واكب الثورة الإيرانية ما خصصه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو من سلسلة مقالات إطرائية على صفحات الجريدة الإيطالية كوريري ديلا سيرا بعد مجزرة سبتمبر/أيلول 1978المعروفة بالجمعة السوداء، ثم بعدها فيما أسماه بالروحانية السياسية، أو ما رأى فيه روح عالم بدون روح في توظيف العمق الثقافي ضد منظومة استبدادية، نائياً عن أي تفسيرات مادية، وهو الآتي من المدرسة الماركسية. لم يكن فوكو يعدو في حقيقة الأمر أن وظّف مفهوم "الاستلاب الغربي" الذي صاغة الفيلسوف الإيراني جمال أحمد في ستينيات القرن الماضي (غربزادكي، أو التسمم الغربي) المثبط للهمم، الموهن للقرائح.

مع الثورة تغير الحمض النووي السياسي والثقافي والاجتماعي في إيران. وبلغت تداعيات الثورة أرجاء العالم الإسلامي.

حسن أوريد

كان الشاه محمد رضا قد غادر قبيل حلول الخميني طهران نحو مراكش (المغرب) واستُقبل بها استقبالاً رسمياً. وكان قد عُيّن قبلها وزيراً أولاً هو شهبور باختيار، بعد سلسلة من الأحداث الدامية بلغت ذروتها في شهر ديسمبر/كانون الأول الذي صادف عاشوراء. كانت الأنظار الثاقبة تدرك أنها النهاية. نهاية الشاه والنظام الملكي، وشرطي الخليج، وحليف الغرب، ونهاية منظومة. ذهب شيء ما إلى غير رجعة مع الشاه، وقام نظام جديد في المنطقة. تغير الحمض النووي السياسي والثقافي والاجتماعي في إيران، وبلغت تداعيات الثورة، بنسب متفاوتة، أرجاء العالم الإسلامي.

في أقصى غرب العالم الإسلامي، بالمغرب الأقصى، بلغت تداعيات الثورة، أولاً بالتنديد بوجود الشاه في المغرب (قبل أن ينتقل إلى مصر) والذي اقترنت صورته بالتنكيل بالمعارضين وضربه لحقوق الإنسان عرض الحائط، وسجل جهازه الأمني الرهيب سافاك، فضلاً عن الاحتفالات الباذخة التي أقامها في مدينة بيرسيبوليس سنة 1971 ليرسّخ الارتباط بالتراث الفارسي ويقطع مع البعد الإسلامي، وكذا بالنظر إلى علاقاته مع إسرائيل. والجديد، في المنطقة بأسرها، هو أن الاعتراض على الأوضاع القائمة لم يعد مقتصراً على اليسار ولا القوميين العرب، بل انطلاقاً من مرجعية إسلامية. بدأت الثقافة السياسية تتغير في الشرق الأوسط، مفضية إلى تغييرات عميقة وأحداث لها ما بعدها.

هل كان يمكن تصور اجتياح القوات السوفيتية لأفغانستان في ديسمبر/كانون الأول 1979 لولا الثورة الإيرانية؟ أضحت أفغانستان من أشد بؤر الحرب الباردة توتراً بعد فيتنام، بلْه أصبح أفغانستان بالنسبة للولايات المتحدة ذريعة لتجاوز الأثر النفسي لحرب فيتنام حينما اضطرت تحت ضغط المقاومة وضغط الرأي العام إلى أن تنسحب منه. فصْل أفغانستان من الفصول ذات التداعيات العميقة، إذ احتضنت القاعدةُ الخلفية في بشاور بباكستان المجاهدين أو من سيعرفون بالعرب الأفغان ممن هب من كل حدب وصوب للجهاد؛ مما شكل خميرة لما سمي بالجهاد العالمي، أو السلفية الجهادية، وكان من منظريه الفلسطيني عبد الله عزام. كانت عين عبد الله عزام على تجربة إيران الثورية واستعمالها لسلاح الاستشهاد. ومن أفغانستان تم تقليم الدب الروسي وبداية تقويض المعسكر الشيوعي.

بعد أن وضعت الحرب في أفغانستان أوزارها، تناسلت عن أشكال جديدة من الاحتجاج على ما كان يسمى في الأدبيات الإيرانية بالاستكبار العالمي، في أرجاء أخرى من العالم.

أصبح الجديد في المنطقة بأسرها هو أن الاعتراض على الأوضاع القائمة لم يعد مقتصراً على اليسار ولا القوميين العرب بل انطلاقاً من مرجعية إسلامية.

حسن أوريد

والفصل الثاني من تداعيات الثورة الذي ما يزال يلقي بظلاله هو احتلال طلبة إيرانيين للسفارة الأمريكية في طهران، ما استشعرت فيه الولايات المتحدة الأمريكية التحدي والإهانة. ولم تبرأ الولايات المتحدة في تعاملها مع إيران من مخلفات احتلال السفارة الأمريكية واحتجاز الدبلوماسيين كرهائن.

والفصل الثالث الذي تناسل عن الثورة هو الحرب الإيرانية العراقية. لم يُخف الخميني رغبته في تصدير الثورة، وقامت الحرب حين مزق صدام حسين معاهدة الجزائر التي ترسم الحدود بين البلدين وبعث جنوده شرق منطقة شط العرب وخورمشار. أحيت الحربُ الشعوبيةَ القديمة، أو النزاع القديم بين الفرس والعرب، وتوزَّع العرب أنفسهم حيال هذه الحرب. واستمرت لثمان سنوات مريرة أُنهك فيها المتحاربان. نقع الخميني سم قرار وضع حد للحرب، حسب تعبيره، من دون أن يقضي على نظام صدام حسين. واستفاق العراق على وضع مأزوم، ولجأ إلى الهروب إلى الأمام واحتل الكويت في أغسطس/أيلول 1990. وبدأ فصل آخر جديد له تداعيات عميقة، ناتج عما عُرف بعاصفة الصحراء.

يمكن أن نستعير نظرية أحد الباحثين الغربيين، إذ يقول بأن قيام دولة إسرائيل كان عبارة عن بيغ بانغ Big bang غيّر معالم منطقة الشرق الأوسط غداة الحرب العالمية الثانية، لنقول ذات الشيء عن الثورة الإيرانية. لقد كانت البيغ بانغ الثاني، الذي ما تزال تموجاته تُحدث ذبذبات في المنطقة.

كانت عين عبد الله عزام على تجربة إيران الثورية واستعمالها لسلاح الاستشهاد. ومن أفغانستان تم تقليم الدب الروسي وبداية تقويض المعسكر الشيوعي.

حسن أوريد

من العسير في مقال أن نلخص حدثاً غيّر معالم المنطقة. بيد أننا مطالبون اليوم أن نفهم هذه الظاهرة، جذورها، وتداعياتها، وآفاقها. هل هي ثورة إسلامية، أو فارسية بلبوس إسلامي؟ أين يبتدئ الإسلام، وأين ينتهي البعد الفارسي؟ أين تنتهي الثقافة وتبدأ السياسة؟ هل الثورة الإيرانية سجل ثالث من الثورات بعد الثورة الفرنسية، والثورة البولشيفية؟ أو أننا أمام ثورة بولشيفية مقنّعة؟.

ابتدأ صحافي بريطاني اسمه روبرت فيسك، ممن سيصبح من كبار المختصين في الشرق الأوسط، سجله في إيران، مع الثورة، وغطى فصولها، فيما ضمّنه في كتاب بعنوان "الحرب الكبرى من أجل الحضارة". رصد جذور الثورة الإيرانية في بنية الثقافة الشيعية، ونزوعها إلى التضحية واستبطانها للذنب، وكذا في الروح الفارسية العميقة، وتعاملها مع الزمن في غير استعجال، أو ما أسماه بنساجي الزرابي ممن ليسوا في عجلة من أمرهم. وقد يضاف إلى الذهنية الفارسية ما يسميه البعض بذهنية البازار، أي حسن التفاوض، وهي أشياء تختلف والذهنية العربية.

ومما يقوله مفكر مغربي أن العرب بقدر اقترابهم من نص الإسلام - أي القرآن الذي نزل بالعربية، بقدر ابتعادهم عن روحه، والعجم بقدر بُعدهم عن النص، أو عن اللغة العربية، بقدر اقترابهم من روح الإسلام. لا تخلو المقولة من وجاهة، يزكيها واقع الحال.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عنTRTعربي. 

المصدر: TRT عربي