بجانب الأطماع العسكرية والاقتصادية لإسرائيل من علاقاتها التطبيعية الأخيرة مع الدول العربية والخليجية، فقد زاد الحديث الإسرائيلي مؤخراً حول مكاسبها من قطاعات الطاقة والنفط وحقول الغاز، سواء بوضع يدها عليها، أو بالشراكات القائمة مع دول المنطقة.

السطور التالية تسلط الضوء على هذه القضية، وأين تكمن أطماع إسرائيل في المسألة النفطية والغازية، ومدى فوائد شراكتها الإقليمية مع دول المنطقة، وكيف يؤثر ذلك في تراجع الاعتماد العالمي على دول الخليج في هذه السلعة الأساسية.

بعد مرور عدة أسابيع على توقيع اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل من جهة، والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان من جهة أخرى، يتضح أن العلاقة الاستراتيجية لهذه الدول تثبت نفسها على الأرض، مما يجعل إسرائيل قوة للطاقة، عقب توقيعها مذكرة تفاهم لتشغيل جسر بري لنقل النفط بين البحرين المتوسط والأحمر، عبر خط أنابيب النفط في إيلات-عسقلان، وطوله 254 كلم، وينضم إلى خليج حيفا. 

هذا الاحتمال تضاعف نحو التحول إلى واقع إقليمي جديد، فلأول مرة تخرج إسرائيل من عزلتها كجزيرة للطاقة، وترتبط من ناحية بنظام النقل العربي، ومن ناحية أخرى بمنتجي النفط الرئيسيين مثل أذربيجان وكازاخستان، تنقل النفط ومنتجاته للأسواق العملاقة في الشرق الأقصى وإفريقيا، وهذا ليس كل شيء، ففي الوقت نفسه أصبحت إسرائيل مركزاً لوجستياً دولياً لتكرير النفط وتخزينه.

وضعت الاتفاقات التطبيعية إسرائيل مع اللاعبين الإقليميين والدوليين بمجال الطاقة، حيث سينقل خطها البحري الجديد المنتجات النفطية من الإمارات إلى إيلات على الحدود الجنوبية الإسرائيلية مع مصر، ويتدفق الوقود للمحطات في عسقلان على الحدود الجنوبية الإسرائيلية مع قطاع غزة، ومن هناك إلى باقي العملاء في أنحاء البحر المتوسط، حيث تقدر قيمة الترانزيت بـ800 مليون دولار في السنة، إضافة إلى النشاط الذي سينمو حول خط أنابيب النفط وفروعه لمواني أسدود وحيفا والمصافي، ويُتوقع أن يولّد صناعة جديدة في إسرائيل.

بعيداً عن الأثر الاقتصادي، تعبّر هذه الاتفاقات التطبيعية عن واقع إقليمي جديد لمثلث استراتيجي يضم دولة الاحتلال الإسرائيلي والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، دون نسيان مصر التي وقّعت اتفاقاً مع إسرائيل عن بدء ضخ الغاز الإسرائيلي إلى أسواقها، مما شكّل خاتمة لما يزيد على عقد من السنوات منذ 2009، بعد أن وضعت نصب عينيها تطوير حقلَي الغاز "تامار وليفتان".

تُعتبر الصفقة المصرية-الإسرائيلية حول الغاز بمثابة التعاون الأكبر بينهما منذ توقيع اتفاق السلام في 1979، مع أن الصفقة لا تمنح إسرائيل مكاسب اقتصادية ومالية فقط، على أهميتها، بل تمنحها قوة جيو-سياسية إقليمية في المنطقة، وتقوّي مصالحها المشتركة مع مصر والأردن. 

تشمل العلاقات النفطية الغازية بين إسرائيل والخليج، وبجانبهما مصر، تصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، مما يوسع آفاق التعاون بين تلك الأطراف، ويحول إسرائيل إلى دولة مصدرة للغاز، ويمنحها أرباحاً ستبلغ في الأعوام الثلاثين القادمة 100-150 مليار دولار، مما سيعني دعم اقتصاد دولة الاحتلال الإسرائيلي بإمكانيات غير مسبوقة، بفضل التطبيع الجاري حالياً، لا سيما عقب عضويتها في منتدى الغاز لشرق البحر المتوسط مع مصر وقبرص وإيطاليا واليونان والأردن والسلطة الفلسطينية، وطلب فرنسا الانضمام إليها.

تُظهِر الأطماع الإسرائيلية في مسائل الغاز والطاقة والنفط حقيقة الصراعات السياسية والمصالح الاقتصادية للقوى المختلفة، فقد كان للصراع على الغاز آثار جيو-سياسية كبيرة، واكتسب وزناً مع الاتجاهات الأخيرة لتغيرات الشرق الأوسط، ومن بين أمور أخرى، هناك التحالف الثلاثي بين إسرائيل وقبرص واليونان، وهذا التحالف نشأ بعد أن أصبحت إسرائيل تصدّر الغاز، ومدّ خط أنابيب غاز إلى أوروبا، ووضع الأساس لتحالف سياسي وأمني وطاقي.

مع العلم أن منتدى غاز المتوسط، الذي شاركت إسرائيل بتأسيسه في يناير/كانون الثاني 2019، بات مظلة لصادرات الغاز الإسرائيلية باتجاه الأردن ومصر، يمنحها عقوداً تقترب قيمتها من ثلاثين مليار دولار، ويظهر وجود إسرائيل كلاعب اقتصادي واستراتيجي في بيئتها الجيو-سياسية، والتعامل مع الضغط القادم من تركيا، من خلال التنسيق الوثيق بين أصدقاء إسرائيل في اليونان وقبرص، بجانب الإمارات، كعامل دعم إضافي.

كما أن مخطَّط خط أنابيب البحر المتوسط الشرقي الذي صدّقَت عليه الحكومة الإسرائيلية مؤخراً، يدفع مشروع الشرق الأوسط الجديد خطوة أخرى إلى الأمام، بعد الاتفاق عليه مع حكومتَي قبرص واليونان، إذ اتفقت الدول الثلاث على دفع مشروع خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من شرق البحر المتوسط إلى أوروبا. 

وفقاً للمشروع، سيتمكن خط الأنابيب تحت البحر البالغ طوله 1900 كلم، ما يقارب 1180 ميلاً، من نقل 12 مليار متر مكعب سنوياً من احتياطيات الغاز البحرية بين إسرائيل وقبرص إلى اليونان، ثم إلى دول أخرى في جنوب شرق أوروبا، ومن المتوقع أن تكون إيطاليا أول نقطة دخول للقارة، ويهدف المشروع إلى توفير 10% من احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي، وبالتالي تقليص اعتماد القارة النشط على روسيا. 

في عام 2009 عثرت عمليات الحفر البحرية الإسرائيلية على اكتشاف كبير للغاز يُدعى حقل "تامار"، وبعد مرور عام اكتُشف مزيد من الغاز في موقع آخر تحت البحر اسمه "ليفتان"، ومن المتوقع بيع بعض الغاز لمصر والأردن، ويتيح لإسرائيل إمكانية نقل كميات كبيرة من الغاز إلى أوروبا، وتطلع إلى إطلاق خط الأنابيب خلال ست سنوات، على أمل أن ترتفع أسعار الطاقة مرة أخرى آنذاك، بعد الانهيار الناجم عن فيروس كورونا. 

تتحدث التقديرات الإسرائيلية عن أنه بمجرد انتهاء وباء كورونا، ستستقر أسعار الطاقة من جديد، وبالنسبة إلى إسرائيل يوفر بناء خط الأنابيب ميزة اقتصادية كبيرة، إضافة إلى الفوائد الأمنية، والتحالف القوي مع الدول الشريكة، الذي حظي بانتقاد من الدولة التركية، لأنه مثال جديد على استبعادها، وزاد التوترات بشأنه بشكل أكبر.

هنا تجدر الإشارة إلى أن التوترات الإقليمية ذات الصلة بإسرائيل شملت زيادة نفوذ تركيا في المنطقة، وتوقيعها اتفاقية مع ليبيا، وتنامي مطالباتها البحرية في البحر المتوسط، واتفاق أنقرة وطرابلس على تعزيز تعاونهما للتنقيب عن الموارد الطبيعية في شرق البحر الأبيض المتوسط، وتأكيد الاتحاد الأوروبي دعمه هذا المشروع.

صحيح أن إسرائيل حرصت على عدم الرد علناً على تصريحات تركيا بشأن تطورات ملفات الغاز والنفط والطاقة، أو استفزاز الرئيس رجب طيب أردوغان بأي شكل على خلفية نزاعه مع اليونان وقبرص، لكنها مطالَبة بالتركيز على انضمام إيطاليا إلى هذا التحالف حتى يكون قابلاً للتطبيق بالفعل، رغم أن إسرائيل حتى قبل بدء بناء خط الأنابيب، قامت ببعض التحركات الأمنية والاستراتيجية. 

فقد التقى رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس الذي زار إسرائيل، رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وهو أول زعيم يزورها منذ ظهور وباء كورونا، ثم صدّق البرلمان اليوناني في يوليو/تموز على اتفاقية مع إسرائيل لشراء معدات الدفاع، في ما يُعتبر تعزيزاً إضافياً للعلاقات بين حليفَي الطاقة، ورحّب السفير اليوناني لدى إسرائيل باناجيوتيس ساريس بالتصديق على الاتفاقية، ووجّه تحذيراً إلى تركيا من اعتراضها على المشروع. 

عند الحديث عن ذات الأطماع الإسرائيلية من مسائل النفط والغاز والطاقة، انطلقت فجأة المفاوضات الإسرائيلية واللبنانية لترسيم حدودهما البحرية، وتحمل أرباحاً ومكاسب اقتصادية هائلة، بسبب ما تخفيه هذه المياه على جانبي الحدود من خزان كبير للغاز الطبيعي، لأن هناك بنية جيولوجية تحمل كميات كبيرة من الغاز. 

من الواضح لمفاوضي الجانبين اللبناني والإسرائيلي، بمقر اليونيفيل في رأس الناقورة، أنه سيكون من الضروري تقاسم ملكية هذا المجال مستقبَلاً، لا سيما بالنظر إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وقبرص، على صيغة تقسيم هذه المقدَّرات الاقتصادية، بما قد يعبّد الطريق لتقاسم وشراكة أخرى بين إسرائيل ولبنان. 

في رأس الناقورة يزعم الإسرائيليون أن اللبنانيين قدّموا فجأة طلباً جديداً للحصول على حقول سيتدفق منها الغاز في العام المقبل، وأضافوا 1500 كيلومتر مربع أخرى إلى المنطقة المثيرة للجدل البالغة 850 كيلومتراً مربعاً، مع أنها المرة الثالثة التي يغير فيها لبنان مطالبه الأصلية، التي أودعت في الأمم المتحدة في وقت مبكر من 2007، وباتت لديهم شهية تنمو مع ارتفاع روائح الغاز من إسرائيل، التي قدّم وفدها مطالبته الجديدة الخاصة بخط الحدود البحرية الذي يضيف 350 كلم2 أخرى إلى المياه الاقتصادية الإسرائيلية، بما فيها البنية الجيولوجية الواعدة التي افتتحتها. 

الخلاصة الواضحة من هذا التسلسل أنه في قلب الاتفاقية الإسرائيلية مع الإمارات والبحرين، وربما السودان، ومن سيأتي بعدها من الدول في مسيرة التطبيع، أن لربط نظام نقل النفط العربي بأوروبا عبر إسرائيل خطوة دراماتيكية، لأن هذه الاتفاقات تفتح فرصاً غير مسبوقة في مجال الطاقة، وقد تغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط عبر خط أنابيب النفط إيلات-عسقلان. 

الواقع الجديد بعد التطبيع الخليجي-الإسرائيلي يفتح أمامهما شراكة استراتيجية، وسلسلة فرص غير مسبوقة، منها أن تقترح إسرائيل على الإمارات تعزيز بناء ممر بري لتدفق زيت الغاز ونواتج التقطير إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، ويحمل اتفاقهما إشارة ضمنية إلى تعزيز وتطوير التعاون بمشاريع الطاقة، بما فيها أنظمة النقل الإقليمية لزيادة أمن الطاقة، بما يشمل تقصير مدة نقل النفط من السعودية ودول الخليج في طريقه إلى أوروبا والغرب، والانفتاح على إسرائيل ودول الخليج كمصدر لاستيراد النفط وتخزينه. 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.    

المصدر: TRT عربي