إن الشعوب العربية، تكشف اليوم عن ذكاء جمعي في تدبير مطالباتها بالتغيير، وعلى الرغم من كل التحرشات التي تمارسها الأجهزة القمعية، فإنها لم تَنْجَرّ نحو العنف، بل أوضحت للعالم أجمع أنها أكثر انتصاراً للاحتجاج باللا عنف، وأنها أكثر اتصالاً بمصلحة الوطن.

هناك أكثر من درس نتعلمه اليوم من هذا الحراك العربي الذي يتواصل في المغرب والجزائر والسودان، نتعلم الذكاء الجمعي في تدبير الفعل الاحتجاجي، ونستوعب إستراتيجية الشارع. كما نعي جيداً، وهذا هو الأهم، أن هناك مساحات ضوء قادمة، على الرغم من كل هذا الظلام، ونتفق أو لا نتفق على أن الشعوب تتفوق على "شرود" الأنظمة، وتعيد كتابة تاريخ الأنساق، وفق ما تستوجبه الشروط التاريخية، ولو في حدود دنيا، تسمح باعتناق الأمل والإصرار على التغيير.

في مسيرات الأساتذة "المتعاقدين" الرافضين لـ"تسليع" قطاع التربية والتكوين في المغرب "الأقسى" نكتشف إبداعية احتجاجية على مستوى الشعارات، ونعاين قدرة فائقة على الاحتجاج باللا عنف.

ذلكم ما نجده أيضاً في "جزائر اللا عهدة"، حيث الشعب يرفض "الالتفاف" على مطالباته بالتغيير الحقيقي، يخرج محتجاً بذكاء جمعي، محصن ضد الانزلاقات المدبرة، والتي تريد أن تسرق من بلد المليون شهيد، ثورته النوعية وتعيده إلى حكم عسكري قاسٍ تحت اسم "الجمهورية". نفس التخريج يَصْدق على السودان، حيث لم تنفع عصا "البشير" ولا رقصته الفولكلورية، في إقناع المحتجين بالانتهاء من النزول إلى الشارع، حراكاً واحتقاناً في الطريق إلى صناعة التغيير.

لم يعد الغضب الشعبي في السجل العربي، مقترناً بتخريب المنشآت العامة وإضرام النار والنهب والسرقة مثلما حدث في العديد من الهزات الاجتماعية السابقة، بل صار يتوسل في اشتغاله بالخيارات السلمية، بعيداً عن المواجهات التي تُحسم فيها النهاية دوماً لصالح الأجهزة الأمنية، فالوقفات تكتفي بالاحتجاج وترديد الشعارات المطلبية دون الانتقال إلى ممارسة العنف، بل إن الكثير منها يصر على حمل الأعلام الوطنية والملصقات الإبداعية والصور المركبة التي تمارس نقداً عميقاً للجاري من أحوال، وفق أسلوب مغاير يشير إلى تطور الثقافة الاحتجاجية ونضجها. فالمتغير هنا مرتبط بالمحتجين، لا بالمحتج عليهم الذين لا يترددون في اللجوء إلى العنف، متى توارت ضرورات التلميع والضغط الخارجي.

الدولة تتهيَّب من كل تجمع بشري ولو كان مؤيداً لها وبإيعاز منها إنها تنظر بعين الريبة إلى كل خروج جماهيري ولو كان من أجل الاحتفاء بفوز رياضي.

عبد الرحيم العطري

في الشعارات واللافتات والصور والمجسمات الكاريكاتورية تنكشف إبداعية الاحتجاج وتطوره في التعبير عن قضاياه وانشغالاته، بالتهكم والهجاء والتفكُّه والمحاسبة والنقد اللاذع، وكل ذلك في إطار "تملُّك" جديد للفضاء العمومي. فحتى عهد قريب لم يكن الاحتجاج مسموحاً به في الشارع إلا في مناسبات محدودة، لا تتعارض مع"منطق النظام".

فالدولة تتهيَّب من كل تجمع بشري، ولو كان مؤيداً لها وبإيعاز منها، إنها تنظر بعين الريبة إلى كل خروج جماهيري، ولو كان من أجل الاحتفاء بفوز رياضي. لهذا لم تسمح للشعوب باستعمال "إستراتيجية الشارع" طيلة سنوات من القهر، كانت عناوينها الرئيسة تتوزع على "زوار الفجر" و"الجمر والرصاص" و"قص الأجنحة" و"تقليم الأظافر" و"المعتقلات السرية" و"فنون القتل الغرائبية".

ولهذا، فإنْ تمكنت الشعوب من استعمال هذه الآلية، وإرباك حسابات التلميع السياسي، بالنزول إلى الشارع، فإن الأنظمة لا تتردد في إرسال "البلطجية" لتبخيس الحركة الاحتجاجية والدفع بها إلى خيارات العنف، حتى تتمكن من مواجهتها بأشد الوسائل قمعاً، وتتخلص منها سريعاً. هذا ما فطن إليه المحتجون في أكثر من سياق عربي، حيث بتنا نرى التلميذ يسائل الشرطي "لماذا تعنف معلمي؟، والفتاة تقدم وروداً إلى أجهزة الأمن، والشباب يقيمون سلسلة حمائية لمنع أي انزلاق أو مواجهة، إنه خيار اللا عنف الشعبي كجواب على العنف الدولتي، بما يقتضيه هذا الخيار من لجوء إلى "الإبداع الاحتجاجي" ترافعاً ودفاعاً عن حقوق مشروعة.

يمكن القول بأن الشعوب العربية في هذه "الطبعة" الجديدة من الربيع الديموقراطي، باتت متفوقة على "شرود" أنظمة لم تَعِ بعد، ألا سبيل أمامها للمصالحة والاستدامة، سوى احترام الإرادة الشعبية وإصاخة السمع لآهات المسحوقين وزفرات الساخطين، لا سبيل أمامها، ولا خيار، سوى تقدير هذا الذكاء الجمعي والاستجابة لهذا الأفق الجميل الممهور بتوقيع شِيب وشباب وأطفال، يرفضون الانجرار نحو العنف والتخريب.

لقد تحولت المسيرات والمظاهرات الشعبية إلى متون قرائية، يستخرج منها آل العلوم الإنسانية، نصوصاً للقراءة والتفكيك، حيث الصورة والأيقونة والعلامة والرمز والمعنى ينوب عن الجميع في إيصال الرسالة الدالّة إلى من يهمه أو لا يهمه أمر هذه الأوطان التي بيعت في مزادات السلطة والتحكم واللا تغيير.

الأنظمة لا تتردد في إرسال "البلطجية" لتبخيس الحركة الاحتجاجية والدفع بها إلى خيارات العنف حتى تتمكن من مواجهتها بأشد الوسائل قمعاً وتتخلص منها سريعاً.

عبد الرحيم العطري

ففي الجزائر نجد شاباً يكتب، جامعاً مانعاً، عن واقع الحال "الشعب متصل والنظام منفصل" peuple connecte - système déconnecte، ذلكم فعلاً ما يصدق على الحالة العربية، وفي مختلف احتمالاتها التدبيرية، دوماً هناك شعوب متصلة بشرطها التاريخي وآمالها العريضة في التغيير ومقاومة الظلم والخذلان، مهما أمعن الجلاد في التنكيل بها، ومهما واصلت الأجهزة الإيديولوجية سياسات الإلهاء والتعليب وتزييف الوعي.

إن الشعوب تتفوق وتنتج كفاءتها في المواجهة والتفاوض مع الواقع. وفي المقابل، نجد أنظمة بالية منفصلة عما يحدث في الضفاف الأخرى، من انتقال متواصل، من نسق الدولة/الحارسة إلى نسق الدولة/الراعية، بما يؤكد أنها أوجدت لخدمة الشعوب وتمكينها اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وليس لاستعبادها وتمريغ كرامتها أرضاً.

خلال النسخة الأولى من الربيع العربي، انطرح بقوة، داخل الجماعات العلمية وحتى السياسية، سؤال الأفق الاحتجاجي تفكيراً واستشرافاً لما بعد هذه الهزات والرجات السوسياسية، وهو ما أفضى إلى استعارة مجموعة من الحالات والتوصيفات من سجل الطبيعة واللعب أيضاً، في محاولة لاكتشاف "دينامية الما بعد".

وفي هذا السياق لاحت أطروحات من قبيل "رفة الفراشة" و"كرة الثلج" و"جبل الجليد العائم" و"قطع الدومينو" و"أعواد الثقاب" و"القصور الرملية"، وذلك على درب تخمين مآلات الربيع، ما أنتج لدينا ثلاث خطابات على الأقل، الأول منها ينتصر لخطاب النهايات، في تأكيد على أن الحراك سينتهي وستستعيد الأنظمة التقليدية سلطتها وسطوتها، ولن يحدث إلا التغير داخل نسق الاستمرارية.

إننا نرى التلميذ يسائل الشرطي "لماذا تعنف معلمي؟ والفتاة تقدم وروداً إلى أجهزة الأمن والشباب يقيمون سلسلة حمائية لمنع أي انزلاق أو مواجهة إنه خيار اللا عنف الشعبي كجواب على العنف الدولتي.

عبد الرحيم العطري

في مستوى ثانٍ نجد خطاب البين بين، حيث لا موت ولا حياة، وإنما هناك الربيع واللاربيع في الآن ذاته، بحيث ستتحقق مكاسب ممكنة من الحرية والكرامة وتملُّك الفضاء العام، وفي الآن ذاته ستعمل الأنظمة السلطوية على تجديد ممارساتها وتجذير حضوريتها في المشهد العام. أما الخطاب الثالث، فينتصر لمنطق البداية ويستعيد أفق الفراشة في تلقيحها للزهور، وكرة الثلج في كبرها عن طريق الاستدارة والتحرك السريع، وأن ما يظهر من الاحتجاج العربي ما هو إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد العام، فيما مخزون السخط المتراكم أكبر من المعلن. وعليه فما يحدث الآن في أكثر من نسق عربي، لا يشير إلا إلى البدايات، وأن القادم أكثر حدة وتوتراً، ما لم تخرج الأنظمة العربية من حالة الشرود والانتهاء بالتالي من وضع الملح فوق الجرح.

إن الشعوب العربية، تكشف اليوم عن ذكاء جمعي في تدبير مطالباتها بالتغيير، وعلى الرغم من كل التحرشات التي تمارسها الأجهزة القمعية والإيديولوجية التي تديرها الأنظمة، فإنها لم تَنْجَرّ نحو العنف، بل أوضحت للعالم أجمع أنها أكثر انتصاراً للاحتجاج باللا عنف، وأنها أكثر اتصالاً بمصلحة الوطن، فيما الأنظمة تبدو اليوم أكثر انفصالاً عن الواقع، وأنها ما زالت قادرة على الترهيب وصناعة القطيع، فالجزائري الذي لم يخرج في الربيع الفائت، خرج اليوم دون أن ترهبه أسطوانة عشرية الدم ولا سلطة المؤسسة العسكرية، خرج محتجاً يرفض التوريث، وفي ذلك دليل أكبر على أن مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر، وأن الشعب متصل والنظام منفصل، فمتى نتصل جميعاً بسجل الكرامة والحرية والرفاه؟.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي