مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، يواجه الجزائر معضلة اختيار الرئيس، فالرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة يعاني من عجز ظاهر، بينما لم يتفق الفرقاء على مرشح توافقي يحل مكانه.

لا أحد يعلم بدقة ما الذي يدور داخل النظام الجزائري؟ ولا أحد يمكنه أن يجزم بتفسير معين لحالة الغموض السائدة في بلد لا تفصله عن الانتخابات الرئاسية سوى أربعة شهور (أبريل/نيسان 2019) ومع ذلك لاشيء واضح.

الخلافات بين مكوّنات النظام معروفة وليست جديدة أو طارئة، فهي من أخص خصوصياته، لكن المشكلة هذه المرة هي في ارتباط المرحلة بوجود شخصية مثل عبد العزيز بوتفليقة تحكم الجزائر منذ عشرين عاماً، وهناك صعوبة في إيجاد السيناريو المناسب لإنهاء فترته، هل بترشيحه لولاية خامسة رغم كل المخاطر والمحاذير؟ أم بعدم تقدمه للمنصب وترك فراغ "سيتقاتل" عليه الطامعون من أبناء النظام وهذا لا يقل خطورة على البلاد من السيناريو الأول؟

بمعنى أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو المشكلة في كلتا السيناريوهين، سواء ترشح لولاية خامسة أم لم يترشح.

شرعية الاستمرار والترشّح لولاية خامسة هي تحصيل حاصل عند الرئيس ومحيطه لكن العائق الوحيد والأكبر هي الحالة الصحية المتدهور التي يوجد فيها بوتفليقة.

مروان لوناس

لنبدأ من السيناريو الأول؛ وهو أن الرئيس بوتفليقة سيتقدم لولاية خامسة مثلما يطالب به مؤيدوه ومحيطه الواسع، وهم يدركون أن الرجل الذي جاء به ثلة من العسكر عام 1999لم يكن ليقبل بمغادرة الحكم وهو على قيد الحياة لاسيما أنه يعتقد أن فتراته الرئاسية الأربع نجحت في إعادة ترتيب النظام من الداخل وأعادت تعديل موازين القوة بإضعاف دور المؤسستين العسكرية و الأمنية وتقوية المؤسسة الرئاسية التي أضحت تمسك بكل خيوط اللعبة، وهذا العمل قام به بوتفليقة بعد صراع مرير مع الجنرالات طيلة سنوات حكمه، وكانت ذروة هذا الصراع في خريف 2015 عندما تمكن من الإطاحة باللواء محمد مدين مدير جهاز الاستخبارات الذي سمي بـ"صانع الرؤساء" والذي قضى ربع قرن في منصبه.

شرعية الاستمرار والترشّح لولاية خامسة -سيفوز بها لا محالة- هي تحصيل حاصل عند الرئيس ومحيطه، لكن العائق الوحيد والأكبر هي الحالة الصحية المتدهور التي يوجد فيها بوتفليقة (80 عاماً) والصور لا تكذب وغيابه الفيزيائي عن الميدان لا يُنكر، وعدم قدرته على مخاطبة الشعب أو السفر دليل ذلك، فهو في حالة من العجز والمرض دفعت المعارضة الضعيفة والهشة لأكثر من مرة للمطالبة بتطبيق الدستور وإعلان حالة الشغور.

لذلك فإن تطبيق هذا السيناريو: أي ترشيح عبد العزيز بوتفليقة وهو على هذه الحالة من المرض والعجز والغياب معناه الزجّ بالدولة ومؤسساتها في مرحلة أخرى من الجمود والشلل، مثلما عاشته طيلة السنوات الخمس الأخيرة، ومعناه أيضاً تغذية الصراعات بين أطراف النظام، وتعميق السؤال الذي بات يطرح في الفترة الأخيرة "من يحكم في الجزائر؟" طالما أن الرئيس بوتفليقة لا يمكنه ممارسة جميع سلطاته الواسعة التي افتكها وضمنها في تعديلات دستورية متتالية.

ترشيح بوتفليقة وهو على هذه الحالة من المرض والعجز والغياب معناه الزجّ بالدولة ومؤسساتها في مرحلة أخرى من الجمود والشلل مثلما عاشته طيلة السنوات الخمس الأخيرة.

مروان لوناس

هذا السيناريو سيضع الجزائر أمام أخطار حقيقية في منطقة تموج بالاضطرابات، وموغلة في التهديدات، بالإضافة إلى الأوضاع الداخلية الهشّة اقتصادياً واجتماعياً ومؤشرات ذلك لا تخفى على عين مراقب بسيط.

السيناريو الثاني هو ألا يترشح عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، واللجوء إلى هذا الخيار معناه أن هناك إجماعاً بشكّل ما على ضرورة تجاوز فترة الرئيس الحالي، لكن هذا لا يعني تنظيم انتخابات حرّة ومفتوحة بالمعنى المتعارف عليه أو كما تطالب به المعارضة، وإنما قد يعني بشكل كبير البحث عن شخصية بديلة توافقية داخل النظام، وهذه مهمة صعبة في ظل التنافس وحتى الصراع الموجود داخل الكتلة الرئاسية الحالية، فهي وإن بدت ظاهرياً كتلة منسجمة ومتناغمة في التفافها حول الرئيس بوتفليقة إلا أنها في الواقع منقسمة، إذا ما تعلّق الأمر بطرح اسم شخصية تكون بديلاً للرئيس المريض والعاجز.

وهنا لابد من تقريب الفهم بأن الأمر يتعلّق بكتلتين رئيستين؛ واحدة يتزعمها شقيق الرئيس ومستشاره سعيد بوتفليقة أقوى رجال النظام حالياً، ويلتف حوله عدد من القوى الحزبية في مقدمتهم حزب جبهة التحرير الحاكم صاحب الشرعية التاريخية، وعدد من الوزراء والمستشارين ورجال الأعمال في دوائر تضيق وتتسع، أما الكتلة الثانية فهي بزعامة أحمد أويحي رئيس الوزراء أمين عام حزب التجمع الوطني الديمقراطي ومعه رجل الأعمال القوي علي حداد وعبد المجيد سيدي سعيد أمين عام نقابة العمال -المقربة من الحكومة- وقوىً أخرى غير معلومة.

الكتلة الأولى تبحث بشتى الطرق عن استمرار بوتفليقة بالحكم؛ بدليل أنها طرحت قبل أيام عبر قنوات سياسية وإعلامية مختلفة وغير رسمية فكرة عقد مؤتمر عام يقرّ إصلاحات دستورية ويسمح بالتمديد للرئيس بوتفليقة وتأجيل الانتخابات عن موعدها، غير أن المبادرة لم تلقَ تأييدا و قبولاً ليس من المعارضة فقط بل حتى من داخل النظام نفسه.

أما التكتل الثاني فيُجدد ولاءه للرئيس بوتفليقة كل مرة ويمثل هذا التيار أحمد أويحي الذي لم يُخفِ يوماً رغبته في تولي منصب رئيس الجمهورية يوماً ما إذا سمح بذلك القدر، لكن ظل يؤكد في المقابل أنه سيدعم الرئيس بوتفليقة إذا ترشح لولاية خامسة.

الشرخ داخل النظام الجزائري والفشل في التوافق على حل أو سيناريو أو شخصية بديلة هو سبب الغموض والضبابية الشديدة على مرمى حجر من الانتخابات الرئاسية.

مروان لوناس

هذا الشرخ داخل النظام الجزائري والفشل في التوافق على حل أو سيناريو أو شخصية بديلة هو سبب الغموض والضبابية الشديدة على مرمى حجر من الانتخابات الرئاسية وهي حالة تركت المعارضة والمراقبين ومن هم بعيدون عن الدوائر الضيقة للحكم يضيعون في القراءات لشحِّ المعلومات وقلة التسريبات وحالة الانسجام التي تبدو ظاهرياً على الكتلة الرئاسية.

لكنّ السؤال الذي يطرحه الكثير هو حول متغير الجيش، وهل هناك من دور يمكن أن يلعبه القادة العسكريون في تحديد هُوية الرئيس المقبل مثلما اعتادت على ذلك المؤسسة العسكرية طيلة تاريخ البلاد؟

والجواب يأتي سريعاً على لسان نائب وزير الدفاع أحمد قايد صالح رئيس أركان الجيش الذي أصدر في آخر أيام 2018 بياناً يرد فيه بشدة وبالتهديد ضد كل الذين يطالبونه بالتدخل لاختيار الرئيس المقبل، بل إن هذا اللواء الذي عيّنه بوتفليقة وأعاده إلى الواجهة وجد في تلك الأصوات فرصة متجددة لإعلان ولائه للرئيس، حيث سبق وفعل ذلك ثلاث مرات في 2018 من خلال بيانات ترد على الأطراف التي دعت الجيش إلى التدخل.

الخلاصة أن النظام الجزائري لا توجد لديه النية في تنظيم انتخابات حرّة ووفق المعايير الديمقراطية المعروفة، وهو دائماً يعيش أزمات داخلية تدفعه إلى البحث عن التوافق بين مكوناته حول شخصية محددة قبل أن يقذف بها إلى العلن وفق سيناريو يتم إعداده سلفا وينظم لها انتخابات مثيرة للجدل من بدايتها إلى نهايتها، لتبقى الجزائر كلّها تدور في حلقة مفرغة لامخرج منها حتى الآن.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي