أجاز اجتماع بين مجلس السيادة الانتقالي والحكومة التنفيذية مساء الخميس 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، مشروعاً يقضي بحل حزب المؤتمر الحاكم سابقاً ومصادرة ممتلكاته، وأي أموال مسجلة باسم أي شخص إذا قضت اللجان الخاصة بأنها من استثمارات الحزب سابقاً.

في رسالة مفتوحة مصورة حذر زعيم حركة الإصلاح الآن غازي صلاح الدين العتباني من دخول السودان حقبة جديدة من "المكارثية". مستبقاً بذلك صدور قرار من الحكومة الانتقالية بحل حزب المؤتمر الوطني، وربما عزل منتسبيه وأولئك الذين تولوا مناصب قيادية في حكوماته المتعاقبة منذ انقلاب عمر البشير على الحكم الديمقراطي في السودان في 1989.

يشير العتباني في رسالته إلى التشريعات التي نجح چوزيف مكارثي في خمسينيات القرن الماضي في تمريرها عبر لجنة خاصة في الكونجرس الأمريكي، كانت مهمتها التحقيق في انتشار الشيوعية داخل الأراضي الأمريكية، وقد اشتطّت الحملة في اتهام الموظفين العمومين في وزارة الخارجية والمؤسسات الأخرى، وطالت حتى الأكاديميين ومشاهير الممثلين مثل شارلي شابلن. وقد تسبب ذلك في فقدان المئات من ضحايا مكارثي وظائفهم بلا ذنب واضح.

إلا أن الحذر لا يمنع القدر، فقد أجاز اجتماع مشترك بين مجلس السيادة الانتقالي والحكومة التنفيذية مساء الخميس 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 مشروعاً يقضي بحل حزب المؤتمر الحاكم سابقاً، ومصادرة ممتلكاته وأي أموال مسجلة باسم أي شخص إذا قضت اللجان الخاصة بأنها من استثمارات الحزب الحاكم سابقاً.

وتشير مسودة للقانون -اطّلع عليها الكاتب قبل إجازتها- إلى منع أي عضو في الحزب الحاكم شغل منصباً قيادياً به أو في الحكومة من عام 1989 حتى سقوط النظام في 11 أبريل/نيسان 2019.

وقد غرد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قائلاً إن "قانون تفكيك النظام البائد وإزالة التمكين ليس قانوناً للانتقام، بل هو من أجل حفظ كرامة هذا الشعب بعد أن أنهكته ضربات المستبدين وعبثت بثرواته ومقدراته أيادي بعض عديمي الذمة، قصيري الخطو في مضمار القيم والشرف والأمانة والحقوق". ويمضي قائلاً: "أجزنا هذا القانون في اجتماع مشترك مع شركائنا في مجلس السيادة حتى يأخذ مشروعيته الكاملة، إقامة للعدل واحتراماً لكرامة الناس وصوناً لمكتسباتهم، وحتى يتسنى استرداد الثروات المنهوبة من خيرات الشعب".

هل له ضرورة؟

هدفت الحكومة الانتقالية ومجلس السيادة الانتقالي من هذه الخطوة إلى تسكين الشباب الثوريين الذين يرون أن الحكومة الانتقالية تلكأت في تحقيق شعارات الثورة، وفي مقدمتها حل المؤتمر الوطني والقصاص لشهداء الثورة.

كما هدفت إلى تقديم رسائل إلى الخارج، فالحكومة الانتقالية لا تزال مواجهة بالأزمات الموروثة منذ عهد الرئيس البشير. فالدولار لا يزال يسجل ارتفاعاً متواصلاً أمام الجنيهه السوداني، كما أن صفوف البنزين بدأت تعود من جديد وشح السيولة النقدية.

يأتي هذا القرار ليمتص موجة الغضب الشعبي ويضع الشارع في مواجهة ثورية محتملة حال حدوث ردة فعل من قواعد الحزب المحلول. كما يعطي السلطات الحكومية مبررات قانونية لملاحقة الشركات والمؤسسات التي يملكها رجال من الحزب الحاكم. وأصبحت تملك القدرة على التأثير في حياة المواطنين اليومية بحجة أنها من استثمارات الحزب الحاكم.

بهذا الإجراء تستطيع الدولة وضع يدها عليها وإدارتها بصورة استثنائية للمساهمة في تقديم حلول آنية للمشكلات المعيشية اليومية. بجانب تجفيف المصادر المالية المحتملة لتمويل أي محاولة جديدة لتأسيس حزب سياسي بديل للحزب المخلوع.

يشير التأريخ السياسي إلى أن الحركة الإسلامية السودانية تمكنت مرة بعد مرة من خلع جلدها وتغير اسمها ليتناسب مع التطورات السياسية في البلاد، فقد دشن الإسلاميون في 1954 الجبهة الإسلامية للدستور ثم اختاروا لافتة سياسية جديدة باسم جبهة الميثاق الإسلامي عقب ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964، وما أن سقط نظام الرئيس النميري الذي شاركوا في حكومته حتى غيروا اسم تنظيمهم إلى الجبهة الإسلامية القومية. واستطاعوا احتلال المرتبة الثالثة بعد الحزبين الكبيرين متفوقين على أحزاب البعث والشيوعي السوداني.

وعام 1989 قررت الجبهة الإسلامية الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري بقيادة العميد عمر البشير. وبعد ست سنوات سعت قيادة الجبهة الإسلامية للانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية. فأسسوا حزب المؤتمر الوطني وأجازوا قانون التوالي السياسي. توقع المراقبون أن يقْدم الإسلاميون على تدشين حزب جديد بديل لحزب المؤتمر الوطني. وبهذا المعنى لا يضيرهم حله أو بقاؤه عملياً.

ماذا بعد الحل؟

أتفق مع الصحفي البارز علاء الدين محمود عندما قال إن "ما حدث اليوم كان يمكن أن يحدث منذ أول يوم من سقوط نظام البشير. لم يكن الأمر يحتاج أكثر من العمل بالشرعية الثورية. واليوم لم يكن يوجد قلق كبير من أن القانون لن يجاز لسبب بسيط وهو أن المكون العسكري لن يهمه كثيراً الدفاع عن المؤتمر الوطني ولا البشير لعدم وجود مصلحة في ذلك، بل إن المصلحة الحقيقية للعسكر لكي يحافظوا على هذه الشراكة هي أن يضحوا بالمؤتمر الوطني تماماً. ولكن البديل سيكون هو هؤلاء العسكر أنفسهم مع جنجويدهم".

ويقصد محمود بالجنجويد قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، وهي مليشيات أسسها الرئيس البشير لقمع الحركات المسلحة المعارضة في دارفور ثم ألحقها بالمؤسسات العسكرية، ولعب قائدها حميدتي دوراً بارزاً في الانقلاب على الرئيس البشير في 11 أبريل/نيسان الماضي، وأصبح عضواً بمجلس السيادة بموجب اتفاق سياسي بين المجلس العسكري وأحزاب قوى الحرية والتغيير. ويعتبر أقوى الشخصيات في المشهد السوداني الراهنة. ولا تقوى المؤسسات العسكرية أو السياسية على مواجهته. مما اقتضى استيعابه في سياق العملية السياسية على الرغم من مشاركة قوات تتبع له في جريمة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو/حزيران 2019.

ويحظى حميدتي بدعم خليجي كبير لمشاركة قواته في حرب اليمن كما يحظى بقبول أوروبي لدوره في منع الهجرة غير الشرعية عبر ما يسمى بـ"اتفاق الخرطوم" المبرم بينه والدول الأوربية. ترشح هذه التحولات إلى بروز احتمال انقلاب حميدتي على السلطة الانتقالية حال عملت على تأسيس بناء دستوري يقضي بحل قواته، أو استيعابها في القوات المسلحة وإبعاد سيطرتها الكاملة عليها.

الخطر الآخر أن تقود هذه التطورات إلى اتجاه الإسلاميين المنتسبين إلى تكوين تنظيمات سرية مناوئة للحكومة الانتقالية، وهذا السيناريو يفتح المشهد السوداني على سيناريوهات مخيفة إذا استصحبنا الشائعات حول امتلاكه "كتائب ظل" أسلحة وخبرة قتالية ممتازة اكتسبوها من خلال مشاركة آلاف منهم في الحرب الأهلية في جنوب السودان، وعند حل الحزب ينعدم وجود قيادة يمكن مسألتها ومحاسبتها.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي