ركَّزت السياسة الأميركية في سوريا على مهمة واحدة، ألا وهي تدمير داعش. هذا الأمر خلق حالة من عدم التوازن في القوة بين القوى المتصارعة هناك، وفتح المجال لإحداث تهديد مباشر لأمن تركيا القومي.

حاولت الولايات المتحدة متابعة مهمة مكافحة الإرهاب هذه بمعزل عن سياسات الحرب السورية الأوسع مدى. لكنَّ هذه السياسة فشلت، كما كان مُحتماً، ومَهَّدَت الأرضية لسلسلة من الصراعات الفرعية، التي من المُحتمل أن يكون أحدها على وشك النشوب.

عندما بدأت الانتفاضة السورية عام 2011، كانت المظاهرات سلمية لستة أشهر فحسب. سحقت ديكتاتورية الأسد هذه المظاهرات، وتلقَّى الأسد، في جميع المراحل، دعماً من روسيا وإيران، بل إنَّ الإيرانيين شاركوا بأنفسهم على الأرض.

فشلت السياسة الأمريكية التي كانت تحاول مكافحة الإرهاب في سوريا بمعزل عن سياسات الحرب السورية الأوسع.

كايل أورتن

وفي شهر أغسطس/آب 2011، بعد أن كان مئات الناس قد لقوا حتفهم بالفعل، قال الرئيس باراك أوباما: "لقد آن الأوان لتنحي الرئيس الأسد". لكن بدلاً من محاولة تطبيق هذه السياسة، أمضى أوباما السنوات الخمس والنصف التالية في التراجع عن تصريحه.

وقد أشار ديفيد صمويلز، في مقاله عن بن رودس، مستشار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، إلى أنَّ "العراق بالنسبة إليه كانت إجابةً من كلمة واحدة لجميع الانتقادات" حول السياسة الخارجية للإدارة، التي كان يجري حلها بطريقة غير حازمة على جميع الأصعدة تقريباً.

لاحقاً، أصبحت إدارة أوباما مفتونة بإعادة الاصطفاف مع إيران. كلا هذين العاملين أدَّيا إلى ترك السوريين والدول المجاورة يواجهون وحدهم تبعات هجمات الإبادة الجماعية للنظام والقوة المتنامية للمحور الإيراني الروسي.

وعندما وقع التدخُّل الأميركي في سوريا أخيراً، في صيف عام 2014، كان مُوجَّهاً ضد داعش وحدها ما سمح للقوات الموالية للأسد بالتركيز على سحق الانتفاضة. وبدلاً من تقديم الدعم الجاد للمعارضة المحاصرة –التي كانت تقاتل على جبهتين ضد الأسد وداعش– حاولت الولايات المتحدة تجنُّب ذلك الصراع الأساسي والعمل من خلال قوة ثالثة، حزب الاتحاد الديمقراطي، وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب، لهزيمة داعش.

كان ثمة الكثير من المشكلات في السياسة الأميركية، لكنَّ اثنتين منها كانتا الأبرز.

أولاً:إنَّ دعم حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب كان بمثابة المشاركة في الحرب الأهلية؛ ذلك أنَّ داعش كانت قد استولت على أراضٍ للمعارضة، أصبحت الولايات المتحدة الآن تساعد وحدات حماية الشعب على الاستيلاء عليها، ما أدَّى إلى تغيير توازن القوى بشكل دراماتيكي ضد المعارضة السورية، وتمكين قوة ذات تاريخٍ طويل من العلاقات الجيدة مع النظام.

ثانياً: إنَّ حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب يشكلان عنصراً مندمجاً من حزب العمال الكردستاني، المعترف به دولياً بوصفه مجموعة إرهابية بسبب حربه الانفصالية الوحشية التي يشنَّها ضد تركيا منذ عام 1984. وكان معني ذلك أنَّ الولايات المتحدة كانت تخلق حالة من عدم الاستقرار المحتمل تتجاوز سوريا؛ إذ كان من المحال لتركيا ألا تشعر بالقلق مع تشكيل وحدات حماية الشعب دويلة شمال شرقي سوريا.

انخفض معدل الإرهاب كثيراً منذ طرْد حزب العمال الكردستاني من الحدود، ومما لا شك فيه أنَّ هذا كان مقصد الرئيس أردوغان.

كايل أورتن

قُتِلَ حوالي 50 ألفاً أثناء الحرب بين تركيا وحزب العمال الكردستاني وحاول الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عام 2013، إيجاد حل لهذه الأزمة. لكنَّ انهيار عملية التفاوض عام 2015، عرَّضَ تركيا لموجة إرهاب داخلي من كلٍّ من حزب العمال وداعش.

وعادةً ما كان حزب العمال الكردستاني يستخدم واجهة، صقور حرية كردستان، في أكثر أعمال قصفه وحشية للمناطق الحضرية. وقد انتقلت معظم قوة حزب العمال الكردستاني من قاعدتها في جبال قنديل شمالي العراق إلى منطقة روج آفا التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، وأصبحت هذه الأراضي السورية قاعدة للأمور اللوجستية والدعم للهجوم على تركيا.

وفي شهر أغسطس/آب 2016، شنَّت تركيا عملية درع الفرات شمالي حلب؛ لتطهير آخر جيب رئيس لداعش في المنطقة، وليس من قبيل المصادفة أنها منعت قدرة وحدات حماية الشعب، حزب الاتحاد الديمقراطي، على إنشاء ممر لها على كامل الحدود السورية التركية. وفي شهر يناير/كانون الثاني 2018، شنَّت أنقرة عملية ثانية، غصن الزيتون، لاجتثاث وحدات حماية الشعب من عفرين، إحدى مقاطعات روج آفا التي كانت منعزلة جغرافياً عن بقية شمال غربي سوريا.

انخفض معدل الإرهاب كثيراً منذ طرْد حزب العمال الكردستاني من الحدود، ومما لا شك فيه أنَّ هذا كان مقصد الرئيس رجب طيب أردوغان عندما أعلن يوم الأربعاء 21 ديسمبر/كانون الأول أنَّ تركيا قد "أكملت الاستعدادات" لعملية عسكرية ثالثة ضد وحدات حماية الشعب، هذه المرة شرقي نهر الفرات في سوريا، حيث تسيطر بقايا وحدات حماية الشعب على الحدود. وقال أردوغان، إنَّ هذه العملية سوف تنطلق "في غضون أيام قليلة".

رفضت الولايات المتحدة، باستمرار، تبني سياسة أكثر توازناً بين تركيا ووحدات حماية الشعب في سوريا، وبدلاً من ذلك اصطفت مع وحدات حماية الشعب إلى أقصى حد.

كايل أورتن

وقد أعرب الكثيرون عن شكوكهم في أنَّ أردوغان سوف يهاجم هذه المنطقة حقاً؛ إذ إن هذه العملية ليست مثل عملية عفرين، فثمة قوات أميركية مدمجة مع وحدات حماية الشعب شرقي الفرات. وعلى الرغم من بعض الأسلوب الخطابي، فقد كان أردوغان حذراً إلى حدّ ما؛ إذ قال في خطابه، الأسبوع الجاري: "ليست لدينا عداوة تجاه الإدارة الأميركية أو القوات الأميركية في سوريا". وأضاف: "إننا ننظر إلى الولايات المتحدة بوصفها حليفاً إستراتيجياً"، وقال إنه ينبغي ألا تمنع "الاختلافات العميقة" بين البلدين حول سوريا التعاونَ في المستقبل.

وسوف يكون السبب المباشر لهذا التدخُّل، إن وقع، هو إعلان الولايات المتحدة أواخر الشهر الماضي، نوفمبر/تشرين الثاني، عن تنصيب مراكز مراقبة في روج آفا، في الأيام الأخيرة الماضية، على طول الحدود التركية. علاوة على أنَّ عرض الولايات المتحدة ذلك الأمر بوصفه وسيلة لحماية تركيا من داعش لا على أنه وسيلة لحماية وحدات حماية الشعب من تركيا (كما هي حقيقة الأمر) قد أشعر أنقرة بالإهانة.

وقد كان استباق هذا الواقع الجديد، الذي سوف تكون فيه وحدات حماية الشعب شرق الفرات بعيدة عن سطوة تركيا وقادرة على تعزيز موقعها قبل الجولة القادمة من القتال، حافزاً قوياً للحكومة التركية للتحرُّك في هذا الوقت. ومع ذلك، إن كان ثمة توغل تركي، فمن المحتمل أن يكون، على الأقل في بدايته، أكثر محدودية من العمليات السابقة، هادفاً إلى دفع وحدات حماية الشعب بعيداً عن الأجزاء الحدودية وترسيخ موطئ قدم يمكن استخدامه لتعديل شروط النقاش مع الأميركيين.

ومع هذا العمل أو بدونه، يبدو أن أردوغان يتطلَّع إلى زيادة نفوذ تركيا في المفاوضات مع الولايات المتحدة، لا سيما حول منبج، وقد ألمح تصريحٌ مبهم من الولايات المتحدة إلى أنَّ نموذج منبج، حيث يتناقص نفوذ وحدات حماية الشعب نظرياً، وتحل محله الإدارة الأميركية التركية المشتركة، يجري التخطيط لتطبيقه في مناطق أخرى.

ولو كانت تركيا قد استولت بالفعل على بعض هذه المناطق، أو أظهرت رغبة في ذلك، فإنها بذلك تسهل من تنفيذ ذلك الأمر.

وقد أشار مسؤول تركي بارز إلى أن شيئاً من هذا القبيل قد يكون على وشك الحدوث. وقال المسؤول: "نحن قادرون على العمل ضد هذا الممر الإرهابي، لكنَّ الحوار قائم. ينبغي عليك التفاوض وأن تظهر قوتك في الوقت ذاته".

ومع ذلك، فلا يمكن لأحد أن يتنبأ يقيناً بما سوف يحدث. ويبدو أن التقارير التي تفيد بأن أجزاءً من السور الحدودي قد أزيلت قبالة رأس العين (المسماة أيضاً سري كانيه)، على بُعد سبعين ميلاً إلى الشرق من تل أبيض، كاذبة، رغم أنَّ أردوغان يستعد للتحرُّك. وسوف يكون هذا النوع من التلميحات مُتوقعاً على أية حال.

وقد رفضت الولايات المتحدة، باستمرار، تبني سياسة أكثر توازناً بين تركيا ووحدات حماية الشعب في سوريا، وبدلاً من ذلك اصطفت مع وحدات حماية الشعب إلى أقصى حد. وقد أعاق هذا الأمر التحول الظاهر من العمليات المُوجَّهة ضد داعش إلى إستراتيجيةٍ معادية لإيران، ما يؤدي إلى عزل الولايات المتحدة في سوريا، وتآكل تحكمها في الأحداث هناك.وسوف تكون العملية التركية في مناطق واقعة اسمياً تحت سيادة الولايات المتحدة دليلاً آخر على ذلك.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي