إن عدم وجود حلول حقيقية لمطالب المتظاهرين فإن العراق سيكون على موعد مع مظاهرات أكثر اتساعاً وأشد وقعاً وأعنف ارتداداً، قد تصيب كامل النظام السياسي الهش بالتصدع.

على نحو فاجأ الجميع انفجر الشارع العراقي في احتجاجات طالت أحياء كبرى في بغداد. وامتدت لتشمل بعض المحافظات الجنوبية في العراق. صحيح أن هذه التظاهرات لم تكن الأولى من نوعها التي يمر بها النظام السياسي في العراق، إلا أنها كانت مختلفة عن غيرها من المظاهرات التي شهدها العراق، حيث أعطت انطباعاً عن الخطورة التي بدت تحدق ليس بالحكومة العراقية فحسب وإنما بالنظام السياسي العراقي برمته.

وإذا كان تراجع حدة المظاهرات وخفوت قوتها يعد أمراً وارداً، إلا أنها بعثت برسالة إلى الجميع أن العراق يقف على برميل بارود مهيأ للانفجار في أيّة لحظة تكون مواتية لذلك.

بات السؤال المُلح في الأيام التي تلت الأول من أكتوبر والصمود المذهل للمتظاهرين أمام الرصاص الحي "المجهول" الذي يطاردهم في شوارع بغداد: من يقف وراء تلك المظاهرات؟ وبالرغم من مضي أيام على اندلاعها إلا أن عدم ظهور قيادة لهذه المظاهرات، وعجز أي من القوى السياسية التقليدية عن ركوب موجتها جعلها تؤكد للجميع أنها ليست إلا انفجاراً شعبياً في وجه الأوضاع المختنقة التي تعاني منها شريحة واسعة من الشعب العراقي. وأنها تحتاج إلى نخبة سياسية مستنيرة وبرامج إصلاحية جذرية أكثر من حلول ترقيعية كتلك التي ترافق أيّة أزمة يمر بها النظام في العراق.

وبمرور سريع على واقع الشباب العراقي الذي كان أيقونة انفجار الشارع يظهر لأقل العيون تدقيقاً نوعية واختلاف هذه المظاهرات عن غيرها؛ فالعراق البالغ عدد سكانه 38 مليون نسمة يمثل الشباب نسبة أكثر من 65% للفئات العمرية بين 18-25 يعاني قسم كبير منهم ظروفاً قاسية للغاية، دون أن يكون هنالك برامج حقيقية تخفف عن كواهلهم.

فقد أشار تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة أن ما نسبته 40% من الشباب يتقاضون أجراً أقل من 3.1 دولار في اليوم الواحد.

هذه النسبة المخيفة يقابلها عجز في البرامج الحكومية بل غياب تام في الرؤية عن طبيعة معالجات مشاكل فئة الشباب، والحد من البطالة وسط تدفق هائل عن أخبار صفقات الفساد المالي والسياسي الذي يعانيه النظام. 

وما زاد هشاشة الواقع الشبابي عطباً في العراق هو تدفق كبير من المتعلمين وخريجي الجامعات والمعاهد العراقية إلى سوق عمل معطلة وخاوية وغير قادرة على استقبالهم. لتجد نسبة كبيرة ممن أنهوا دراستهم الجامعية خارج أسواق العمل وبين صفوف العاطلين.

بجانب ذلك فإن الفساد كان المعول الذي نخر في جسد الدولة العراقية وهدّ كل البرامج التي يمكن أن تخفف من الواقع السيئ الذي يعانيه العراقيون. فقد احتل العراق المرتبة الـ12 بين أكثر الدول فساداً في مؤشر مدركات الفساد. كما ظل العراق يراوح بين الدول العشر الأكثر فشلاً في العالم وفقاً لمؤشر الدول الفاشلة أو الهشة الصادر عن صندوق السلام الأمريكي.

كما أن قاعدة بيانات منظمة النزاهة المالية العالمية وفي تقاريرها السنوية أشارت إلى أن العراق ومنذ الأعوام 2007-2014 خرج منه 44 مليار دولار بصفة تدفق أموال غير مشروعة لغرض غسيل الأموال خارج الحدود.

إن هذه التقارير التي عبرت عن واقع هش وخطير يعانيه المجتمع العراقي الذي يمتلك موارد بشرية ومالية هائلة بينت عجز السلطات الحاكمة عن خلق حوكمة رشيدة تؤمّن حياة كريمة وآمنة لشعبها.

إن فشل النظام في خلق حياة كريمة للمواطن العراقي ترافق أيضاً مع تصاعد الروح القومية والوطنية على نحو لافت بعد النصر الكبير الذي حققه العراقيون على تنظيم داعش وتحرير مدينة الموصل، تلك الروح التي تصاعدت لأول مرة على هذا النحو في النظام الجديد وأعادت إلى أذهانه ذكريات الملاحم الكبرى التي خاضها مثل معركة الفاو وغيرها من المعارك، وترافق ذلك مع تدخل خارجي واسع ومفضوح من قوى خارجية في القرار العراقي، لا سيما التدخل المتمثل في الدور الإيراني وبعض دول الجوار، هذا الدور الذي قابله هشاشة لدى النخبة السياسية واستعدادها للرضوخ بشكل كبير لمثل تلك الإملاءات جرح الشعور الوطني والمشاعر القومية لدى فئة واسعة من الشعب العراقي التي رجعت تتوق إلى العراقي القوي الرائد في المنطقة، وهو ما رفع من عوامل السخط على النظام بشكل كبير، وجعل الأمور مهيأة للانفجار على النحو الذي شهدناه.

وبالرغم من التسليم بعفوية انفجار التظاهرات التي شهدها العراق إلا أنه ومن جانب آخر لا يمكن إغفال الجانب السياسي في التعامل معها، وحتى في إدامة زخمها على نحو كبير، بل وحتى التنبؤ بمساراتها.

إذ إن المظاهرات الأخيرة أخذت، وعلى نحو مختلف، شكل التنافس والصراع بين تيارين سياسيين صاعدين في العملية السياسية على نحو غير مسبوق متمثلين في تحالف "سائرون" والمتمثل في التيار الصدري وتحالف "الفتح" المتمثل في الفصائل الولائية في الحشد الشعبي وحلفائها.

فقدت انطلقت إشارات إلى تولّي الأخيرة ملف التعامل مع المظاهرات، وانطلقت من تصور أن المظاهرات ليست عفوية بقدر ما هي تعبر عن جولة من جولات التيار الصدري في الصراع السياسي المحتدم بينهما. وانطلاقاً من هذه النقطة كانت مواجهة المظاهرات بشكل عنيف جداً أدى إلى وقوع خسائر جسيمة بين صفوف المتظاهرين.

وقد راجت على صفحات التواصل الاجتماعي عمليات قنص وقتل وحشية مثلت صدمة للجميع. وقد تحرك البعض بروحية وضع حد للتيار الصدري وتوجيه ضربة له عبر (صولة فرسان ثانية) تُحد من التيار وتعطي تفوقاً حاسماً للتيار الثاني المتمثل في "الفتح".

إن محاولات إخماد المظاهرات والاحتجاجات على النحو الذي شهدناه في العراق يعني تفوقاً أمنياً حاسماً لفصائل الحشد التابعة لمحور الفتح وإيران بدرجة أساسية في المناطق الرخوة لديهم والمتمثلة في مناطق بغداد والمحافظات الجنوبية، وهو ما يعني أن الصدر لن يرضخ لهذه المعادلة التي تعكس تراجعه على نحو كبير.

ووسط عدم وجود حلول حقيقية لمطالب المتظاهرين ولا حتى أسباب انفجارهم فإن العراق سيكون على موعد مع مظاهرات أكثر اتساعاً وأشد وقْعاً وأعنف ارتداداً، قد تصيب كامل النظام السياسي الهش بالتصدع.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي