الجواب المنطقي والمطلوب عن كل مولدات التيئيس، يكمن في المصالحة السوسيو-اقتصادية، والقطع مع التنمية المعطوبة والاختيارات اللا شعبية، بما يعنيه ذلك من اعتراف بالشباب كطاقة خلاقة وإمكان بشري فوق العادة.

قاسٍ جدا هذا الـ"فبراير"، لم يعد شهر "حب" كما أوضحنا قبلاً، إنه شهر "السحل" و"القتل" و"اليأس المعتق"، فلا أخبار تعلو على الموت بالجملة أو التقسيط، ولا حديث في الهنا والهناك إلا عن شباب مهدور يُساق إلى المشانق وشظف العيش وامتهان الكرامة. فأن تكون شابّاً في الزمن العربي، معناه أن تصير "فأر تجربة" لا غير. تصلح لتأثيث المشهد السياسي خلال الكرنفالات الانتخابية، وبعدها توضع في الهامش المنسي، وفي الآن ذاته تختبر كل ممكنات الإحباط والتبخيس والإقصاء.

فادحٌ جدا هذا اليوم العشرون من شهر "اللا حب"، ينكأ جرحاً عميقاً ويولّد إحساساً بالمهانة واللا جدوى، ما بين ضياع شباب الصباح وتعنيف شباب المساء، ما بين إعدام تسعة منهم، فجراً، في أرض الكنانة، وسحل عشرات من الأساتذة، عصراً، في المغرب "الأقسى"، فما "الشباب إلا كلمة" كما صدح بيير بورديو خلال انتفاضات 68 من القرن الفائت، مشيراً "بخلاصته" هاته إلى وضع سوسيوسياسي يرهن الفعل الشبابي في علاقته بالدولة والمجتمع في هذا الـ"هنا والآن".

ليس غريباً أن تنتشر بين صفوف الشباب حالة إحباط عام ويأس معتق بسبب عدم انصلاح الأحوال وبؤس المقامات فالإعدام والسحل يأتيان على آخر ذرات الثقة.

عبد الرحيم العطري

إنه مجرد خزان انتخابي أو جيش احتياطي يتم استقدامه إلى القاعات الكبرى لتأثيثها أثناء اعتلاء الشيوخ لمنصات الخطابة، وإنه في النهاية مجرد كلمة أو كلمات يتم تدبيجها بإتقان في الخطابات التي تتبجح باهتمامها بالشباب وقضاياه. كذلك فإنه مجرد منظمات صورية يتجاذبها جدل الإدماج والتهميش، تحظى بالرعاية أحياناً ويحيق بها القمع والإقصاء أحياناً أخرى.

فالشباب لا يُخطب وده إلا في ظل الحروب الانتخابية، حيث يرتفع الطلب السياسي عليه، وتصير كل البرامج والسياسات ممهورة بـ"ثيماته"، الشيء الذي يقوّي من آلية الاستقطاب، التي تكون مناسباتيةً ومحدودةَ الأثر والفعل، وبذلك تغدو الخطب العصماء لقادة الأحزاب و"تنويمات" الإعلام الرسمي شبابية بامتياز. لكن بمجرد انتهاء الفعل الانتخابي، وهدوء السعار السياسوي حول الأصوات والمقاعد البرلمانية والوزارية، يعود كل شيء إلى درجة الصفر، ويستعيد الشباب معناه الأصلي، المفتوح على التهميش والتبخيس والإهدار.

وبين هذا وذاك يخرج الشباب العربي محتجاً، مطالباً بالتغيير، وموجِّهاً، على وجه التحديد، رسائل قوية لأحزاب وحكومات تدّعي الانتصار إليه، وتتهمه بالنزق وضعف الخبرة، وتتعامل معه كـ"مشكلة"، وتقول عنه بأنه عازف عن السياسة، لكنه بسبب "ثوراته" متعددة الأحوال والمآلات، فإنه يقول لكل للجميع، وبصوت عالٍ، "إنني ممارس للسياسة، ومنخرط فيها، لكن بصيغة أخرى".

هذا هو الشباب في أنساق تحبو على عتبات التحديث السياسي والانتقال الديمقراطي، وهذه هي صرخته السياسية التي تدور في زمن مغلق، وفي ظل سقف محدود، لا يخرج عن رهانات التلميع السياسي، وتأكيد الانتماء "المعيب" إلى دولة الحق والقانون، ما يجعل "الاعتراف" به، وإصاخة السمع لهمومه وآماله، فعلاً مؤجلاً في الحالة العربية.

عندما لا يجد الشاب ما يحفظ كرامته وعندما يصادف التهميش والإقصاء ولا يجد من يأخذ بيده ولا يشعر بأنه مواطن، حينئذ تهتز لديه فكرة الانتماء ويصاب بالإحباط.

عبد الرحيم العطري

ليس غريباً أن تنتشر بين صفوف الشباب حالة إحباط عام ويأس معتق، بسبب عدم انصلاح الأحوال وبؤس المقامات، فلا شيء يدفع إلى اعتناق الأمل أو الارتياح، فالإعدام والسحل يأتيان على آخر ذرات الثقة، ويدفعان إلى تبني ثقافة "الاستبياع"، حيث لاشيء يصير مهماً أو محفزاً، ما يقوّي من الاتساع الكمي لحزب "غير المعنيين"، لِيَعْتَلَّ الشباب العربي بعدوى اللا رهان واللا انتماء.

فلم يعد هناك من شيء يمكن المراهنة عليه، من أجل إعادة كتابة تاريخ النسق، لم يعد الشباب يراهنون على أية لحظة سياسية، من أجل تنسُّم أوضاع جديدة من الحرية والعدالة الاجتماعية. لهذا نلاحظ نوعاً من الاستقالة الجماعية التي يقدمها الشباب، وغيرهم، من الحياة العامة، هذه الاستقالة أشبه ما تكون بحالة شرود جماعي، تتمثل في البحث عن انتماءات جديدة كالموسيقى والشغب الرياضي وحب "البارصا" و"الريال" والتطرف الديني والانهراق مع مسارات الإجرام والمخدرات والأقراص المهلوسة وحتى التفاهة والاستبياع.

إن الأعطاب السياسية والاجتماعية تنشأ بسبب انبناء أوضاع غير عادلة تتعارض فيها المصالح، أو بالأحرى تُنتهك فيها مصالح البعض، وهو ما يقود إلى بروز مضطَهِدين ومضطهَدين، أي مالكين لوسائل الإنتاج والإكراه، وغير مالكين أصلاً لهذه الوسائل. والنتيجة تعارُضٌ في الرؤى والمواقف واختلال بنيوي مأزوم ومحبط، يجعل كل طرف يشحذ إمكانياته وقواه لتدبير الصراع وتحصين المواقع. وهنا بالضبط يبدأ الاحتجاج من أجل إعادة توزيع منافع النسق وتجاوز حالات الاضطهاد واللاتوازن، لكن في اللحظة التي يتجدد فيها الاختلال ويستمر تدوير العطب في شكل انحرافات وانشدادات إلى منطق الدولة التحكمية، آنئذٍ ينسرق منا الشباب ويغوص في بيداء الإحباط ويلحتق بالحزب الأكبر في العالم العربي، وهو حزب "غير المعنيين".

في "قوارب الموت" التي يختارها الشباب بديلاً عن المكوث في "غرفة انتظار بحجم وطن"، نكتشف جانباً من جواب عن ثقافة "الاستبياع" التي تتجذر في أكثر من سجل عربي، فـ"مقبرة المتوسط" تنتصر على انتظار "غودو" الذي لا يأتي. فما عاد مؤثراً، ذلك المثل الشعبي الذي يقول "قطران بلادي ولا عسل البلدان". لقد حسموا الاختيار وقرروا الهجرة، بأقل حظوظ النجاة الممكنة، نحو عسل الضفة الأخرى، بدل الاستمرار في تجرُّع قطران الوطن.

كيف نطلب من شاب معطل غارق في اليأس ألا يبيع صوته الانتخابي وألا ينحرق في اتجاه قوارب الموت؟ وألا يموت بالتقسيط عبر المخدرات؟ وألا يتطرف سياسياً ودينياً؟

عبد الرحيم العطري

عندما لا يجد الشاب ما يحفظ كرامته، وعندما يصادف التهميش والإقصاء، ولا يجد من يأخذ بيده، ولا يشعر بأنه مواطن، إلا خلال الكرنفال الانتخابي ومواسم الاستجداء السياسية الرامية إلى الشرعنة وإعادة إنتاج القائم من الأوضاع، حينئذ تهتز لديه فكرة الانتماء ويصاب بالإحباط واللا ثقة في ما يسمى خطأً بـ"الوطن".

يوماً ما ناب عنا جميعاً "باكونين" في بناء معنى الوطن، لقد قال بعميق العبارة "وطني إن لم يعشقني، وأنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان". إنه يقترح علينا في قوله هذا، مفهوماً شفيفاً للوطن، يتأسس على العطاء لا الأخذ، وعلى الاعتراف لا المحو والإقصاء، إنه وطن عاشق لمواطنيه، لا رعاياه، يستحيل مجرد سجن بلا قضبان في حال انتفاء العطاء، وحضور منطق الدولة التحكمية التي لا ترسم القطائع مع التدبير الشخصاني، وتُعلي من شأن لغة الواجب بدل الحق.

إن قراءة الكف السياسي لا تنفع في الحالة العربية، وإن التبشير بأوطان الخير والنماء لم يعد يقنع الذين هم "تحت" من الشباب، ولا يمكنه بالمرة أن يخرس آهاتهم وزفراتهم. فما دامت أحزمة الفقر تسيج مدننا وقرانا، وما دامت العطالة تنهش أحلام "فرصتنا الديمغرافية" التي هي الشباب، فإن حالة الإحباط العام آخذة في الشيوع والتمكن من نفسية "ثروتنا البشرية"، وبمسوح جديدة ربما لا قِبل لنا بها. فكيف نطلب من شاب معطل غارق في اليأس ألا يبيع صوته الانتخابي وألا "ينحرق" في اتجاه قوارب الموت؟ وألا يموت بالتقسيط عبر المخدرات؟ وألا يتطرف سياسياً ودينياً؟.

إن الجواب المنطقي والمطلوب عن كل مولدات التيئيس، يكمن في المصالحة السوسيواقتصادية، والقطع مع التنمية المعطوبة والاختيارات اللا شعبية، بما يعنيه ذلك من اعتراف بالشباب كطاقة خلاقة وإمكان بشري فوق العادة، مع ما يستلزم هذا الاعتراف من تكريس للعدالة الاجتماعية وترسيخ للنبل السياسي، بدل الإمعان في صناعة التفاوتات الطبقية وتحطيم القدرة الشرائية للفئات المحرومة. متى تحقق ذلك، تأتَّى الانتقال من الإعدام والسحل إلى وطن بمقياس باكونين، وإن غداً لناظره قريب/بعيد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي