الاهتمام العالمي بالهيدروجين الأخضر آخذ في التزايد باعتباره أحد مصادر الطاقة النظيفة (AA)

وتبرز طاقة الهيدروجين (الأخضر، الأزرق، الأمونيا الزرقاء) في طليعة الخيارات المتاحة، لتوفير الوقود بعد النجاح النسبي لطاقة الشمس والرياح في توفير الكهرباء.

فما طبيعة طاقة الهيدروجين وما السر وراء الزخم الكبير لإعادة إطلاقها بعد إهمالها طوال العقد الماضي؟ وهل اندفاعة دول المنطقة مثل السعودية والإمارات وتركيا ومصر، ستكون استثماراً في المستقبل أم إهداراً للموارد.

لنلاحظ أولاً أن هناك توجهاً جدياً الآن لدى الدول الكبرى للتصدي لمعضلة التغير المناخي والالتزام بهدف اتفاق باريس بالمحافظة على ارتفاع متوسط حرارة الأرض دون 1.5 درجة مئوية. وترجع تلك الجدية إلى استشعار خطورة التغير المناخي، كما ترجع ـ وربما هو الأهم ـ إلى التوترات الجيوسياسية بخاصة بين الصين ـ روسيا وأمريكا، حيث يسعى كل طرف إلى تحميل الطرف الآخر مسؤولية معضلة المناخ وتحميله بالتالي الجزء الأكبر من التكاليف والأعباء الاقتصادية لمواجهتها وتطوير مصادر نظيفة للطاقة. وذلك ما يفسر الاندفاعة نحو إعادة إحياء طاقة الهيدروجين لتشكل مكوناً رئيسياً في مزيج الطاقة مستقبلاً.

لماذا الهيدروجين؟

يتشكل مزيج الطاقة المطلوب والذي يحقق "صافي انبعاثات صفري" بحلول عام 2050 من الطاقة المتجددة (الشمس والرياح)، الطاقة النووية، والطاقة الأحفورية النظيفة الخالية من الكربون. ولما كانت الطاقة المتجددة لا يمكن أن توفر أكثر من 30% وفق أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، والطاقة النووية تواجه معارضة قوية، يبرز الهيدروجين كخيار مناسب لتوفير الوقود بخاصة للقطاعات ذات الاستخدام الكثيف للطاقة مثل الصناعات الثقيلة، وسائل النقل الكبيرة (سفن، طائرات، قطارات آليات ثقيلة مدنية وعسكرية إلخ..) والتي يصعب تشغيلها بالكهرباء. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يستأثر الهيدروجين الأخضر والأزرق بحوالي 20% من الطلب العالمي على الطاقة في العام 2050.

ولتوضيح الصورة تجدر الإشارة إلى وجود أنواع مختلفة من وقود الهيدروجين لكل منها ميزاته وعيوبه وهي:

الهيدروجين الرمادي: وهو النوع الأكثر انتشاراً حتى الآن ويجري استخلاصه من الغاز الطبيعي، ولكن يرافق العملية إنتاج كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، ولذلك يميل إنتاجه للتراجع رغم ضآلة التكلفة.

الهيدروجين الأزرق: يتم إنتاجه كما الرمادي من الغاز الطبيعي مع فارق أساسي هو التقاط الكربون المصاحب وتخزينه في الأرض غالباً في آبار النفط غير المنتجة، ليتم استخدامه لاحقاً في ما بات يعرف بـ"اقتصاد الكربون الدائري".

الهيدروجين الأخضر: يُنتَج من الماء بعملية التحليل الكهربائي مع استخدام مصادر الطاقة المتجددة ويمتاز بانعدام انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تقريباً. وهو بالتالي وقود صديق للبيئة بالكامل، وعيبه الأساسي ارتفاع في التكلفة والحاجة إلى كميات ضخمة من الطاقة الكهربائية.

الأمونيا الزرقاء: تعتبر الحصان الرابح في مزيج الوقود الهيدروجيني، وتتكون من ثلاث ذرات من الهيدروجين وذرة واحدة من النيتروجين. وتمتاز بأنها غاز أكثر استقراراً من الهيدروجين، ويمكن نقلها بسهولة بحراً أو بواسطة خطوط الأنابيب، ما يشكل حلاً لأحد أكبر مشاكل الهيدروجين النقي وهي تسببه بتآكل المعادن وتسربه من الشقوق بالغة الصغر. وقد أدى اكتشاف هذا العيب إلى إلغاء مشروع ضخم في أوستراليا لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره عبر الأنابيب إلى سنغافورة، وجرت الاستعاضة عنه بتصدير غاز الأمونيا.

مستقبل اقتصاد الهيدروجين

من الصعوبة بمكان الجزم بمستقبل طاقة الهيدروجين بخاصة الأخضر. ويرجع ذلك إلى تشابك العوامل والمتغيرات المؤثرة. وهو الأمر الذي جعل دولاً كبرى مثل أمريكا أو دول منتجة للغاز مثل قطر تتريث في ضخ استثمارات كبيرة في هذا المجال. في حين اندفعت الدول الأوروبية بقوة لتبني خيار اقتصاد الهيدروجين. حيث قامت ألمانيا مثلاً بتخصيص الجزء من الميزانية الاتحادية الخاصة بالطاقة النظيفة لمكون الهيدروجين الأخضر.

ولكن يمكن القول إن المتغيرات الرئيسية تلعب لصالح الهيدروجين، ومن أبرز المتغيرات التي يجدر مراقبتها نذكر: السياسات الحكومية ومبادرات قطاعات الصناعة والنقل التي تلعب دوراً حاسماً في تشكيل الأسواق وخلق الطلب. وهو الأمر الذي يحكم جهود تطوير التكنولوجيا. ولتوضيح ذلك نشير مثلاً إلى إعلان شركة أيرباص عن تفاؤلها بنجاح برنامجها لتسيير طائرة تعمل بالهيدروجين بحلول العام 2035، إذا تضافرت جهود الأطراف المعنية لحل مشكلات التخزين والتزويد في الطائرات والمطارات. كما أعلنت روسيا عن تكثيف الجهود لتطوير محركات الطائرات العاملة بالهيدروجين. ويتوقع أن يشهد المستقبل القريب طفرة في محركات الهيدروجين للسيارات بخاصة العسكرية استناداً إلى توالي إعلان الشركات عن خططها في هذا المجال مثل كيا وشفروليه.

مبادرة "منجنيق الهيدروجين"

يختصر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول الوضع بقوله "تتمتع طاقة الهيدروجين بدعم سياسي وتجاري غير مسبوق، فالدوافع السياسية باتت أقوى وأوضح، والتكنولوجيا باتت أكثر نضجاً وتطوراً، والأسواق باتت أكثر استعداداً لتقبلها والتكيف معها".

ويعني كلام بيرول أن العوامل المؤثرة خصوصاً توفر الأسواق والطلب، باتت تؤشر إلى انطلاقة قوية إلى طاقة الهيدروجين، ونشير في هذا السياق إلى مبادرة ذات دلالة مهمة على تشكيل مستقبل الطاقة الهيدروجينية، وهي مبادرة "منجنيق الهيدروجين الأخضر"، التي أعلن من خلالها قادة هذه الصناعة السعي إلى زيادة إنتاجهم بمقدار 50 ضعفاً على مدى السنوات الست المقبلة.

الهيدروجين في المنطقة

بغض النظر عن التوقعات والسيناريوهات بشأن تراجع حصة الطاقة الأحفورية حيث تتوقع وكالة الطاقة الدولية تراجعها من 80 إلى 20% في حين تتوقع أوبك أن تبقى بحدود 70%، فالمؤكد أن هناك مسارين واضحين الأول الانتقال المتسارع نحو مزيج الطاقة النظيفة والثاني بلورة وتطوير مكونات هذا المزيج. وهنا تبرز أهمية الطاقة الأحفورية النظيفة ومسؤولية الدول المنتجة للنفط وكذلك الدول التي تحظى بموارد كبيرة لإنتاج الطاقة المتجددة مثل تركيا ومصر، لتأخذ زمام المبادرة بالاستثمار المكثف والاستراتيجي في تطوير طاقة الهيدروجين بأشكاله كافة وكذلك تطوير تقنيات احتجاز وتخزين واستخدام ثاني أوكسيد الكربون التي يعوّل عليها كثيراً في معظم سيناريوهات التحول إلى الطاقة النظيفة.

وتبرز كل من تركيا والسعودية والإمارات ومصر في مقدمة دول المنطقة التي تولي اهتماماً كبيراً بطاقة الهيدروجين. إذ أطلق كل من السعودية والإمارات عدة مشاريع لإنتاج الهيدروجين الأزرق ومشاريع تجريبية للهيدروجين الأخضر، ونجحتا في تصدير شحنات من الأمونيا الزرقاء إلى اليابان. وفي تركيا تم خلال العام الحالي البدء باختبارات مكثفة لإدراج الهيدروجين في منظومة الطاقة المتجدّدة من خلال دمجه في شبكات توزيع الغاز بنسب متدرجة لتصل إلى 20%. وتتمتع تركيا بميزة فريدة هي وفرة موارد الطاقة المتجددة ما يؤهلها لتكون منتجاً مهماً للهيدروجين الأخضر، إضافة إلى وجود بنية تحتية متكاملة للغاز الطبيعي تؤهلها أيضاً لإنتاج الهيدروجين الأزرق. أما مصر فقد وقّعت خلال العام الحالي عدة اتفاقيات مع شركات "إيني" الإيطالية و"ديمي" البلجيكية وسيمنز الألماني لإجراء دراسات جدوى لإقامة مشاريع لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً