الإضافة السودانية والزخم الجزائري وفلاح تونس في الانتخابات ستعطي روحاً جديدة للربيع العربي؛ فيظهر فشل العسكر المصري ومرتزقة نفط ليبيا ومحور التخريب السعودي الإماراتي، وستتجلى أكثر فشل محاولة إنقاذ نظام الأسد بقوى خارجية. فالأنظمة تسقط والشعوب تتقدم.

السؤال في تونس في ربيع 2019: هل سينجح التونسيون في إنجاز انتخابات رئاسية وتشريعية رابعة بعد ثورتهم فاتحة الربيع العربي؟

والسؤال في الجزائر: هل سيفلح الجزائريون في إنقاذ بلدهم من عهدة خامسة لرئيس في حالة عجز سريري عن الحكم؟ وقد بدؤوا يتحركون بسلمية مطابقة لما فعل إخوانهم في تونس ذات شتاء.

الحديث عن ربيع الجزائر العربي بدا والسؤال عن الأفق المحتمل.

السؤال في السودان وقد بدأ البشير يبحث عن مخارج لإنقاذ رأسه من شتاء ساخن انطلق ولم يتراجع؛ بل يزداد غلياناً وتتضح مطالبه السياسية في التغيير الديمقراطي طبقاً لشعارات الربيع العربي.

لقد كانت فكرة الديمقراطية مطلباً للشعوب العربية منذ الاستقلال عن الاستعمار المباشر وكانت الأنظمة الحاكمة تؤجّلها باسم البناء الوطني وباسم التوازن الإستراتيجي مع العدو الصهيوني.

نور الدين العلوي

السؤال في مصر: إلى متى يستطيع العسكري الحكم على جبل من الجماجم وأنهار من الدم؟

تتراكم الأسئلة في هذه البلدان مع أسئلة مشابهة في ليبيا واليمن وسوريا، بل قد تصل الأسئلة إلى العراق الذي يتمزق طائفياً، ولا يفلح في الخروج من أزماته. 

المنطقة تتحرك برمتها، وهناك لحظات تشاؤم وخوف أن تتراجع إلى مربع الظلم والقهر، ولكن هناك مؤشرات كثيرة على أن ما انطلق من تونس ذات شتاء لم يبرد بعد، وأنه يثير ناراً من تحت رماد السنين وسيتقدّم في اتجاه الديمقراطية فيكون وطن عربي محكوماً بإرادته الداخلية ولا تملىَ عليه سياساته ولا يفرض عليه حكامه.

الديمقراطية عقيدة مشتركة لدى الشعوب 

رغم تعثّر التجربة التونسية وحيرتها في القضاء على منابع الفساد المالي والسياسي، التي خلّفها نظام بن علي فإن هناك صورة تُبنى عند الناس عن نظام ديمقراطي يصلح من حاله، ويتقدّم في اتجاه دولة القانون والمؤسسات.

الصعوبات لا تخفى، ولكن التقدم غير خافٍ وهو يرى بحجم أكبر من خارج تونس بما يجعله هدفاً لبقية البلدان العربية التي تتحرك شعوبها نحو النموذج التونسي؛ إذ تراه الحد الأدنى الذي يمكن البدء منه والتقدّم على أساسه.

لقد كانت فكرة الديمقراطية مطلباً للشعوب العربية منذ الاستقلال عن الاستعمار المباشر في الخمسينات وكانت الأنظمة الحاكمة، العسكري منها والمدني، تؤجّلها باسم البناء الوطني وباسم التوازن الإستراتيجي مع العدو، كأن المنطقة في حالة حرب حقيقية مع الكيان الصهيوني، ولكن هذه الذرائع سقطت في تونس أولاً، وتسقط تباعاً في بقية البلدان التي شهدت ثورات.

بالإمكان، حسب الدرس التونسي، إنجاز الديمقراطية بدون تفكيك الأوطان، وبالإمكان إنجازها بدون الغفلة عن القضية العربية المركزية (تحرير فلسطين). بل إن مناخ الديمقراطية الذي تزدهر فيه حرية التعبير يفتح أفق الجدال الحقيقي حول سبل التقدّم بوسائل الديمقراطية، والتي ليس منها خوض حروب مزيفة ضد الشعب باسم تحرير فلسطين.

طبعاً ننسب النتائج في تونس، ولا نوهم العرب بانتصارات حاسمة بعدُ، ولكن التراجع عن الديمقراطية في تونس صار مستحيلاً، ونعتقد أن الشعوب العربية تراقب الوضع وتزيده بعض الزينة لزوم الحماس والمشاركة، وهذا يجعل الديمقراطية أفق فعل سياسي عربي شامل لن يستطيع عسكري مثل عبد الفتاح السيسي أن يصمد أمامها طويلاً خصوصاً بنتائج اقتصادية هزيلة ومنذرة بمجاعة ماحقة.

بالإمكان حسب الدرس التونسي إنجاز الديمقراطية بدون تفكيك الأوطان وبالإمكان إنجازها بدون الغفلة عن القضية العربية المركزية تحرير فلسطين.

نور الدين العلوي

الإضافة الجزائرية الممكنة

سبقت الجزائر العرب إلى الديمقراطية ولكن نكسة بل نكبة كبيرة أصابت التجربة عندما تم إلغاء نتائج انتخابات سليمة قانونيا تقدم فيها التيار الإسلامي فأرعب جيران الجزائر فتآمروا على التجربة وخربوها. بعد 20 سنة لا تزال الجزائر تعاني نتائج انكسار مسارها الديمقراطي الشرعي ولا تزال القوى الخارجية تتربص بها. لكن مظاهرات فبراير/شباط 2019 تنذر بتجدد الأمل في الديمقراطية في الجزائر.

الشباب الذي ولد بعد النكبة الديمقراطية عرف الحالة التونسية بجواره، وعرف أن بلاده غنية، وأنه فقير، وأن الفساد يحرمه من أن يكون في بلد قوياً ومؤثراً، وهو الوضع الطبيعي للجزائر في منطقتها وفي أمتها العربية وفي قارتها الأفريقية.

نكبة التسعينات خلّقت وعياً بالديمقراطية، فلم يعد متاحاً الآن إعادة انقلاب عسكري على نتائج الصندوق مهما كان الفائز، كما خلفت وعياً بقوة الجزائر وتأثيرها، فإذا انتقل هذا الشعور بالقوة إلى ضرورة إسناد الديمقراطية بالمنطقة فإن الربيع العربي يكون قد جنّح عالياً ونجا من كل الضربات التحتية الموجهة له من كل أعداء الديمقراطية في العرب وفي الغرب.

يوجد حلم كبير بالديمقراطية العربية تكون الجزائر في قلبه، سيتعرض الآن إلى مؤامرات خسيسة، ولكنه إذا انطلق متجاوزاً المطلب البسيط المسموع الآن بإلغاء ترشيح الرئيس بوتفليقة، ومرّ إلى فرض مطالب مقاومة الفساد فإنه لن يمكن لأحدٍ احتواؤه إلا بالديمقراطية نفسها، وسيكون على جدول أعماله تحرير منطقة المغرب العربي من الاستعمار الفرنسي المباشر وغير المباشر.

يعرف الجزائريون أن فرنسا خربت تجربتهم في التسعينات بما لها في الجزائر من قوىً مواليه لها ضمن منظومة الفساد؛ لذلك ستكون مصالح فرنسا هدفاً والقطيعة معها وسيلة لبناء الديمقراطية في الجزائر.

هناك وعي يتشكّل في تونس والجزائر والمغرب ضد حضور فرنسا وتأثيرها السلبي على إدارة هذه البلدان، بل وتخريبها ثقافياً واقتصادياً والإبقاء عليها في حالة تبعية للاقتصاد الفرنسي بالذات.

يعرف الجزائريون أن فرنسا خربت تجربتهم في التسعينات بما لها في الجزائر من قوىً مواليه لها ضمن منظومة الفساد لذلك ستكون مصالح فرنسا هدفاً والقطيعة معها وسيلة لبناء الديمقراطية في الجزائر.

نور الدين العلوي

لقد كان الحديث في هذا الأمر جريمة زمن نظام بن علي، وهو الآن موضوع مشترك ويتبادل الناس فيه الخبرات والمواقف والمعلومات، وتعرف فرنسا ذلك جيداً، وتعرف أن الديمقراطية ستقلعها من المغرب العربي؛ ولذلك نتوقّع كل أشكال المؤامرات على ربيع الجزائر، الأمر ليس هيناً ولكنه بدأ في تونس والمغرب وسيكتمل في الجزائر.

السودان الديمقراطي

في السودان أيضاً نضجت التجربة لبدء المسار الديمقراطي الشامل؛ لقد عرف السودانيون الحرب الأهلية والانفصال والتنازع العرقي، وعرفوا أيضاً أن نظام البشير لم يفلح في شيء قدر فلاحه في إبقاء السودان متخلفاً، وهو أكبر بلد زراعي في أفريقيا فضلاً عن ثروته الهائلة من الطاقة التي تذهب هدراً.

ثلاثة شهور من شارع متحرك بسلمية راقية تشارك فيها نساء السودان بقوة مؤشر على أن البشير انتهى سياسياً وأخلاقياً مثل ما انتهى بن علي والقذافي ومبارك قبله، وإن ناور بألف خطاب، وأن السودان سيفلح في بدء تجربته ضمن ربيع عربي شامل يعطيه السودان عمقاً أفريقياً، ويحاصر به عسكر مصر، فلا يجد مناصاً ولا مهرباً.

الأمر ليس بسهولة الكتابة عنه سيكون هناك ثمن، ولكن الحكمة سودانية والتجربة ناضجة بما يجنب السودان هزات ما بعد سقوط البشير، نعم سنتحدث قريبا عن سقوط البشير كخبر صحيح، وليس أمنية افتراضية.

الإضافة السودانية والزخم الجزائري وفلاح تونس في الانتخابات ستعطي روحاً جديدة للربيع العربي؛ بحيث يظهر فشل العسكر المصري ومرتزقة النفط في ليبيا ومحور التخريب السعودي الإماراتي، كما ستتجلى أكثر فشل محاولة إنقاذ نظام الأسد بقوى خارجية، ستسقط ذريعة مقاومة الإرهاب في سوريا وستبقي القوى الاستعمارية هناك عارية بلا غطاء سياسي؛ بحيث تنهي آخر ذريعة أخلاقية لبقاء نظام فاشل.

هل تفاءلنا أكثر مما ينبغي؟

نعم لقد دفعتنا الجمل المتفائلة إلى سطح المقال؛ فالواقعية تقتضي التنسيب؛ لأن الأثمان التي ستدفع ستكون مكلفة، وقليلٌ من يتحمل دفعها، ولكن وجب النظر إلى الوضع العربي على أنه الحضيض المطلق الذي لم يعد بعده نزول إلى حضيض آخر.

ثلاثة شهور من شارع متحرك بسلمية راقية تشارك فيها نساء السودان بقوة مؤشر على أن البشير انتهى سياسياً وأخلاقياً مثل ما انتهى بن علي والقذافي ومبارك قبله.

نور الدين العلوي

لم تعدْ هناك مكاسب تخسر في بلد مثل السودان أو الجزائر، والتحرك الديمقراطي يعِد بأن المكاسب ستكون أكثر وأشمل، وسينال الفقراء المعدمون خير الديمقراطية، فهم يذوقون شر الدكتاتورية والفساد وليس لديهم ما يخسرونه، نعم لقد أوصلت الأنظمة العربية شعوبها إلى حالة العدم.

لقد انطلقت الألسن بالحرية وفي عالم مفتوح لتنقل المعلومة، فإن مقارنات بين دول مثل تركيا ومثل ماليزيا أو الهند أو كوريا يتم تداولها كل يوم وتنتهي عند سؤال موجع: لماذا هذا الاستثناء العربي المتخلف؟

ستكون الإجابات قريبة وشجاعة، وسيقول مغامرون كثرٌ مثل الذين أطلقوا ثورة تونس في قلة من الناس لماذا لا نقلب النظام؛ فالأنظمة تسقط والشعوب تتقدم؟ يمكن كتابة جمل متفائلة في الشوط الثاني من الربيع العربي الذي دخله اللاعب الجزائري والسوداني، وتفشل فيه الثورة المضادة في مصر وسوريا ويسقط أخلاقياً ممول الرّدة ناشر الصحافيين بالمناشير.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي