وسط أجواء لم تخلُ من التوتُّرات باشر البرلمان التونسي الجديد عمله الذي يبدو أنه لن يكون يسيرا في المدة النيابية الجديدة، بخاصَّة بالنظر إلى حالة التنافر التي تسم العلاقات بين الفرقاء السياسيين.

ولعل أبرز ملمح لهذا البرلمان التونسي وهو يدشّن أولى جلساته هو تحالف حزب حركة النهضة مع حزب قلب تونس، وهو تحالف أملته إكراهات المشهد السياسي التونسي الجديد مؤكّدة مقولة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر: "السياسة فن الممكن".

ومما لاشك فيه أن هذا التحالف قد خيّب آمال كثير من التونسيين، سواء من أنصار الحزب الأول أو الثاني، ولكنه بات أمراً واقعاً بعد أن صوّت نواب قلب تونس إلى جانب نواب النهضة وائتلاف الكرامة لصالح السيد راشد الغنوشي حتى يتبوأ رئاسة البرلمان الجديد.

وقد جاء سير الأحداث مغايراً لما توقعه بعض المتفائلين الذين رأوا إمكانية تقارب الأحزاب الممثّلة للخطّ الثوري، ونعني: النهضة والتيَّار الديمقراطي، وحركة الشعب.

الرئيس التونسي قيس سعيد ورئيس الوزراء الملكف الحبيب الجملي 
الرئيس التونسي قيس سعيد ورئيس الوزراء الملكف الحبيب الجملي  (الرئاسة التونسية)

ولكن هذا الرهان فشل عند اختبار البرلمان أمام إصرار كل من التيَّار وحركة الشعب على الترابط بين المسارين الحكومي والبرلماني، وأحرجوا قيادات النهضة التي رأت في شروطهم إجحافاً في حقّ الحزب الأول الذي يحقّ له أن يختار رئيس الحكومة بدرجة أولى ويكون له رأي حاسم في الفريق الحكومي.

فالمفاوضات التي قادها حزب حركة النهضة، والتي تضمنت لقاءات مع جميع الفرقاء السياسيين باستثناء الحزب الدستوري الحر الذي يصعب تجسير الفجوة معه نظراً إلى اللاءات التي تضعها زعيمته عبير موسي أمام الحركة والتي تعتبرها "خصماً" لا يمكن العمل أو حتى التعامل معه، لم تسفر عن شيء يذكر أمام تمسُّك التيَّار وحركة الشعب بمواقفهما.

والحقيقة أن هذه الوقائع التي أدَّت إلى تحالف الأضداد بين قلب تونس والنهضة أكَّدت مرة أخرى أن للساسة حسابات أخرى وأن إكراهات الفعل السياسي غالباً ما تقود السياسيين إلى ما لا يتفهمه عموم المواطنين وحتى النخب المثقفة والإعلاميين الذين يراهنون على أن تمضي الرياح كما تشتهي سفنهم. ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه.

وهو يعيد إلى الأذهان مرحلة الحملة الانتخابية التي تأسست في جزء منها على رفض كل حزب من الحزبين التعامل مع الآخر، ومن خلال هذا الطرح تَعمَّق الاصطفاف الشعبي والإعلامي مع هذا الطرف وذلك.

وكانت الصورة متقاربة إلى حدّ كبير مع مناخات انتخابات 2014 التي كان عنوانها الأبرز التناقض بين حزب نداء تونس الذي أسسه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وحركة النهضة، وقد أظهرا تبايناً على مستوى البرامج والرؤى والأفكار، وحمي الوطيس بينهما في التصريحات، ولكنها سرعان ما اختارا التوافق بعد اللقاء الشهير بين الشيخين.

ومضت تونس في هذا النهج القائم على تحالف بين النهضة والنداء. وهنا نرى أن التاريخ يعيد نفسه اليوم.

والآن اختارت حركة النهضة فصل المسارات؛ ففي المسار البرلماني انقادت إلى التحالف مع غريم الأمس حزب قلب تونس ومع إئتلاف الكرامة من أجل رئاسة البرلمان. ثم اختارت السيد حبيب الجملي رئيسا للحكومة المرتقبة وهو الذي حصل على تكليف رسميّ من قبل رئيس الجمهورية السيد قيس سعيد وباشر مشاوراته لتكوين فريقه الحكومي وهو يتوجه برسالة إلى وسائل الإعلام مفادها أنه مستقل ولن يخضع لإملاءات أحد.

في الأثناء يعتقد بعض الملاحظين أن حركة الشعب والتيَّار الديمقراطي قد فوتا على البلاد فرصة تحالفات مثمرة بين القوى المحسوبة على الخط الثوري واختارا صف المعارضة وحشرا الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات في الزاوية فذهب مضطرا أو مكرها إلى غيرهما للتحالف معه.

والجدير بالذكر أن حركة الشعب كانت قد اقترحت ما أسمته بحكومة الرئيس في إشارة إلى أن تتنازل حركة النهضة عن حقها في اختيار رئيس الحكومة، وأن يقترح الرئيس عوضا عنها، وهو ما لم تتقبله الحركة، واعتبرته شرطا تعجيزيا ولا يرقى إلى المنطق.

وفي سياق متصل اقترح التيَّار الديمقراطي أن يكون رئيس الحكومة من خارج النهضة أيضًا وأن يتم تمكينه من وزارتي العدل والداخلية وهما وزارتان سياديتان كما هو معلوم إلى جانب وزارة الإصلاح الإداري وهو ما لم تستسغه الحركة واعتبرته إجحافا في حقها.

ونظرا لتمسك كل طرف بموقفه ضاعت إمكانية التحالف تحت قبة البرلمان وبدا التشتت واضحا بين الأحزاب المشكلة للمشهد السياسي الجديد.

والآن التحدي الكبير هو تشكيل هذه الحكومة التي ينتظرها التونسيون وهم الذين طال إنتظارهم أمام تراكم الكثير من مشكلات المعيشة اليومية التي عجزت حكومة تصريف الأعمال الحالية عن مجابهتها، إلى جانب إستحقاقات أخرى على غرار إشباع الرغبات المتراكمة منذ عقود والتي لم تنجح حكومات ما بعد 14 جانفي يناير 2011 على تلبيتها.

كما أن الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه تونس منذ سنوات سيكون هو العنوان الأبرز للمرحلة القادمة. فهو سبب كل التوتُّرات والاحتقان الاجتماعي، وهو المحدد لنجاح الفاعلين السياسيين الذين منحهم الشعب التونسي ثقته في الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة وبوأهم لقيادة البلاد في المرحلة القادمة لمدة خمس سنوات.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي