يسمح "فيتو ترمب" للسعودية والإمارات بمواصلة حرب انتقائية مريحة ومرنة لجهة اختيار الأهداف، بحيث لا يمكن أن يبقى الحوثيون هدفاً وحيداً لهذه الحرب في ظل التطرف الذي تظهره الدولتان تجاه أطراف وقوى يمنية يفترض أنها جزء من التحالف.

أنهى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المواجهة التي نشبت بين إدارته والكونجرس بمجلسيه الشيوخ والنواب، اللذين كانا قد اتّحدا خلف هدف إنهاء الدعم الأمريكي لحرب التحالف الذي تقوده السعودية وتدور رحاها في اليمن منذ أكثر من أربعة أعوام.

فقد استخدم الرئيس حق الفيتو للمرة الثانية خلال رئاسته لأمريكا، وهذه المرة ضد مشروع القرار المرفوع إليه من الكونجرس والذي تمت صياغته ليكون أول قرار يستند إلى قانون صلاحيات الحرب الذي أُقر في سبعينيات القرن الماضي ويهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس بشأن المشاركة الأمريكية في حروب خارجية.

لمواجهة بين البيت الأبيض والكونجرس حُسمت بشكل نهائي لصالح الرئيس بعد أن فشل الكونجرس في تأمين الأغلبية المطلوبة لإبطال فيتو الرئيس. لكن الانقسام سيبقى قائماً حول الحرب الدائرة في اليمن، وهو انقسام تحركه مواقف النخبة الأمريكية من القيادة السعودية نفسها والتي يتصدّرها الملك سلمان وولي عهده المثير للجدل الأمير محمد بن سلمان، وزادت من وطأته تداعيات حرب اليمن وقضية اغتيال خاشقجي في إطار جريمة سياسية مكتملة الأركان.

إن أهم ما أسفرت عنه المعركة السياسية بين الرئيس والكونجرس على خلفية الحرب في اليمن هي أنها كشفت الغطاء عن طبيعة الدور الأمريكي في هذه الحرب.

ياسين التميمي

إن أهم ما أسفرت عنه المعركة السياسية بين الرئيس والكونجرس على خلفية الحرب في اليمن هي أنها كشفت الغطاء عن طبيعة الدور الأمريكي في هذه الحرب، إذ تبدو معه واشنطن في موقع الداعم الرئيس والمتحكم الأهم في قرار استمرار الحرب أو إنهائها والتحكم في مآلاتها الكارثية كما تبدو حتى الآن.

لم تكن الإدارة الأمريكية السابقة كما هي اللاحقة تتمتع بالمصداقية أو النزاهة أو الدوافع الأخلاقية في تعاملها مع ملف الأزمة والحرب في اليمن. فقد عمل الأمريكيون على إذكاء الصراع في هذا البلد بدوافع كانت في بادئ الأمر محكومةً بأولويات المعركة المزعومة ضد الإرهاب.

وهي اليوم تمضي على النهج نفسه من عدم الاكتراث بمعاناة الشعب اليمني، الذي تبقيه أمريكا مجرد حديقة خلفية للسعودية، بكل ما تنتج عن نهج انتهازي كهذا من مآسٍ ترسم ملامح بلد تفتك به الحرب وتضع شعبه على حافة المجاعة، وتضيِّقُ الخناق على حقه في الحياة والحركة والوجود الكريم في بلدان الشتات واللجوء.

على مدى أربع سنوات من الحرب طرأ تحول جوهري في موقف الإدارة الأمريكية من الحرب السعودية في اليمن، من تقليص للمشاركة والدعم في أواخر عهد أوباما الذي حققت إدارته تقارباً جوهرياً مع إيران وأبرمت معها الاتفاق النووي، بما احتواها من بنود تقضي بتمكين طهران من صياغة مستقبل المنطقة والانخراط في صراعاتها وحروبها كمحرك أساسي وطرف مهيمن في المزايا الجيوسياسية للمنطقة.

يعاد توجيه السياسات وفائض المال الموجود لدى دول المنطقة في صياغة واقع جديد تتماهى فيه سياسات هذه الدول مع الأهداف الإسرائيلية.

ياسين التميمي

وقد نظر إلى موقف الإدارة الأمريكية آنذاك بأنه جزء من مسعى حرّكته رغبة غربية متطرفة في التخفيف من الثقل السني والإصرار على صياغة قالب جاهز للدول السنية الكبيرة منها والصغيرة يتضمن تغييرات هائلة في مظاهر الحياة والسياسيات والتصادم مع المضمون الثقافي والفكري والعقائدي السائد في هذه البلدان لتبدو أكثر اتساقاً مع القيم الغربية، وبيئة غير قابلة لإنتاج التطرف.

إن هذا التوجه الغربي لا يزال سائداً لكنه في عهد ترمب، يأخذ مساراً مختلفاً إذ يفسح المجال للدول السنية لكي تحتفظ بدورها ولو موقتاً في إطار تحالف تمت صياغته ضمن صفقة القرن، إذ يعاد توجيه السياسات وفائض المال الموجود لدى دول المنطقة في صياغة واقع جديد ومختلف تتماهى فيه سياسات هذه الدول مع الأهداف الإسرائيلية في الاستحواذ على الأرض والهيمنة على جغرافيا المنطقة الملغومة بالأزمات.

لكن من المهم هنا أن نتساءل عن التأثير المحتمل لفيتو الرئيس ترمب على مسار الحرب في اليمن. والإجابة الموضوعية هي أنه لا يوجد تأثير جوهري، سوى أنه يسمح للسعودية والإمارات بمواصلة حرب انتقائية مريحة ومرنة لجهة اختيار الأهداف، بحيث لا يمكن أن يبقى الحوثيون هدفاً وحيداً لهذه الحرب في ظل التطرف الذي تظهره الدولتان تجاه أطراف وقوى يمنية يفترض أنها جزء من التحالف الذي تشكَّل بهدف دعم السلطة الشرعية ودحر الانقلاب، وفي ظل ما تظهر من سلوك عدائي تجاه الدولة اليمنية وجغرافيتها وموقعها الجيوسياسي.

يتحول اليمن شيئاً فشيئاً إلى ساحة لحرب إقليمية ودولية بالوكالة، وذلك تأسيساً على الأجندات الآنفة للأطراف المتورطة في هذه الحرب، إضافة إلى الأجندة الأمريكية التي دعمت الحوثيين طيلة الفترة الماضية، وهي اليوم تتبنى موقفاً ظاهرياً متشدداً منهم بصفتهم أحد الأذرع الملشياوية التي تعتمد عليها إيران في إدارة صراعها مع دول المنطقة.

لا يزال الحوثيون يتمتعون بتغطية دولية وأمريكية تكرسهم طرفاً مكافئاً للسلطة الشرعية وهو ما بدا واضحاً من الأهداف الخفية والمعلنة لمشاورات ستوكهولم.

ياسين التميمي

لكن حتى الآن لم يترجم هذا الموقف الأمريكي الظاهري إلى إجراءات عملية على الأرض، عدا التصريحات التي يطلقها السفير الأمريكي وغيره من السياسيين في الخارجية الأمريكية وعلى رأسهم الوزير مايك بومبيو، إذ لا يزال الحوثيون يتمتعون بتغطية دولية وأمريكية تكرسهم طرفاً مكافئاً للسلطة الشرعية، وهو ما بدا واضحاً من الأهداف الخفية والمعلنة التي انعقدت لأجلها مشاورات ستوكهولم بضغط أمريكي وما نتج عنها من تفاهمات.

صحيح أن أحد مبررات الرئيس ترمب لقرار الفيتو يتعلق بمخاوف إدارته من الصواريخ التي يطلقها الحوثيون من اليمن والتي تهدد 80 ألف أمريكي في دول التحالف، في إشارة إلى السعودية والإمارات وغيرها من دول منطقة الجزيرة والخليج.

لكن يبقى المحرك الرئيس لمواقف ترمب هو التشدد الذي يظهره تجاه طهران، والدعم المفتوح الذي يقدمه للسعودية والإمارات، وهو الدعم الذي تحكمه حزمة من المصالح الهائلة التي ضمنها الرئيس من شراكته مع الرياض وأبو ظبي خلال العامين الأولين من حكمه، وعلى نحو يُبقي الحرب في اليمن في موقع هامشي في إطار الأجندة الأمريكية المتعلقة بالمنطقة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي