بالرغم من أن قرار ترمب يعتبر بغيضا، فإن التاريخ علَّمنا بأن سياسة الولايات المتحدة كانت موجهة دائما نحو أميركا أولا. فدعم ترمب لابن سلمان، سبقه سكوت أوباما عن انقلاب السيسي على حكومة منتخبة شعبيا، وغزو بوش الابن للعراق بغير شرعية دولية.

بدأ العالم يُدرك تدريجيّاً كيف تبدو القوة الأميركية العارية المُجَرَّدةُ من الابتذال المُعتاد، في بيانٍ خطِّي غير مفاجئ ألقاه رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترمب مساء الإثنين 19 نوفمبر/تشرين الثاني تحت عنوان "أميركا أولاً"، قَدَّم الزعيم الدعم الكامل لولي عهد المملكة العربية السعودية، محمد بن سلمان، رغم جريمته قتل كاتب الأعمدة السعودي، جمال خاشقجي بمنتهى الوحشية والهمجية.

أعلن ترمب أن الولايات المتحدة ستواصل الاعتراف "بعلاقتها مع السعودية" لضمان استمرار مصالح أميركا وإسرائيل و"جميع الشركاء الآخرين في المنطقة"، رغم أنه "من المُحتَمَل جدّاً أن ولي العهد كان على علمٍ بهذه الواقعة المأساوية". ولَخَّص ترمب موقفه في جملته الختامية: "بكل بساطة، هذا ما يُطلَق عليه: أميركا أولاً".

المال يتكلم، لكنّ الأمواتِ يظَلُّون صامتين

ووسط حديث ترمب المُشَتَّتِ كالمعتاد عن "الإرهاب الإسلامي المُتشَدِّد" -الذي تُكتب حروفُه بخطٍ كبيرٍ، لتقضي على شكوك بشأن أجندته حين يستخدم مثل تلك المصطلحات الجاهلة بشكلٍ فظيع- ودور الرياض الرئيس في مساندة مساعي واشنطن "للقضاء على خطر الإرهاب"، أكَّد الرئيس على أن جزءاً كبيراً من حُجَّتِه يكمُن في حجم الاستثمارات السعودية داخل الاقتصاد الأميركي، ومن بينها صفقات شراء الأسلحة الضخمة.

يرى الكثيرون أن الأزمة السعودية القطرية تعتبر نقطة التَحَوُّل التي تسبَّبت في انتقال محمد بن سلمان إلى الاستبداد بشكلٍ أكثر جذرية.

طلحة عبد الرزاق

في العام الماضي انطلق ترمب في رحلةٍ -تَمَتَّعت بقدرٍ كبيرٍ من الدعاية- إلى الرياض، أتت في أعقاب الأزمة السعودية القطرية التي فرَّقت تَكَتُّل دول مجلس التعاون الخليجي الهش بالفعل، والتي يراها الكثيرون أنها نقطة التَحَوُّل التي تسبَّبت في انتقال محمد بن سلمان إلى الاستبداد بشكلٍ أكثر جذرية. حصدت رحلة ترمب استثماراتٍ بقيمة 450مليار دولار أميركي، من بينها 110مليارات دولار خُصِّصَت لشراء المعدات العسكرية من مُصَنِّعِي الأسلحة الكبار مثل Raytheon و Lockheed Martin و Boeing وغيرها.

ولا شك أنها كانت خطوةً ماكرةً من السعوديين، الذين استفادوا من علاقتهم بصهر ترمب، جاريد كوشنر، وحدَّدوا أولويات الرئيس بدقّةٍ للتصرُّف وفقاً لها، وأدرك محمد بن سلمان وكبار مساعديه أن ترمب سيغض الطرف عن الأساليب المُتَّبعة في السعي لتحقيق إصلاحات الحاكم الفعلي للبلاد- ومنها احتجاز المُثقَّفين ورجال الأعمال كرهائن- مقابل استمرار الدعم السعودي للاقتصاد الأميركي. وتتجلَّى عبقرية الخطوة في حقيقة أن معظم الصفقات المُتَضَمَّنة في استثمار الـ 450 مليار دولار ما زالت على الورق بعقود لما يُنتهِ منها بعد، وهذا يعني أن محمد بن سلمان وزمرته سيكونون بمنأىً عن أي خطواتٍ مُحتَمَلةٍ تُشَكِّل تهديداً حقيقياً ضد ولي العهد من جانب الولايات المتحدة؛ إذ أنه بمجرد إقصاء محمد بن سلمان، ستختفي مئات المليارات من الدولارات بكل بساطة.

لقد غض أوباما الطرف عن اغتصاب وقتل الديمقراطية في مصر، حيث ذُبِحَ آلاف المتظاهرين السلميين على يد الديكتاتور الحالي السيسي.

طلحة عبد الرزاق

العمل التجاري يجري كالمعتاد بالنسبة لأميركا

رغم ذلك، يمكننا على الأقل القول بأن ترمب صادقٌ حيالَ موقف الولايات المتحدة تجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام قدسية الحياة البشرية. ورغم أسلوبه الجَلِف والفاسد تماماً، يظل واضحاً ومنفتحاً بشأن موقف الولايات المتحدة.

دعونا لا ننسى، رغم حب الليبراليين له، أن سلفه باراك أوباما قتل في الواقع أشخاصاً أكثر من ترمب بنسبة كبيرة، علاوةً على تطويره لبرنامج القتل بدون طيار الذي أطلقه الرئيس الأسبق، جورج بوش الابن. وصَرَّح أوباما بـ 452 غارةً بطائراتٍ بدون طيار خلال فترة رئاسته، قتلت 3,797 شخصاً من بينهم 324 مدنيّاً، رغم احتمالية أن تتخطى الأعداد ذلك الرقم؛ لأنها تقديرٌ رسميٌّ للولايات المتحدة، ولم يتم التحقق منه بشكلٍ مستقل.

ينطوي الإجماع النهائي في واشنطن على أن مقتل خاشقجي لم يكن أمراً لطيفاً، لكن شيئاً لن يحدث حيال الأمر سوى ذبح بعض قرابين الغنم على مذبح الدولار الأميركي.

طلحة عبد الرزاق

ومن المعروف أيضاً أن أوباما غض الطرف عن اغتصاب وقتل الديمقراطية في مصر، حيث ذُبِحَ آلاف المتظاهرين السلميين بدمٍ باردٍ على يد الرجل القوي والديكتاتور الحالي عبد الفتاح السيسي عام 2013، فيما يُعرف بمذبحة رابعة. وأضحى الأمر مثيراً للاهتمام حين رفض مسؤولو أوباما وصف الانقلاب على أنه انقلاب، لمجرد أن القانون الفيدرالي يمنع دعم جيشٍ أجنبيٍّ متورطٍ في الإطاحة بحكومةٍ مدنية.

وبالطبع، لا يُمكن لأحدٍ نسيان الخطيئة الأكبر في القرن الحادي والعشرين: غزو العراق، الذي صدَّرت من خلاله الولايات المتحدة، تحت إمرة الرئيس الأسبق بوش، خدعة الديمقراطية المُشَوَّهة تحت ستار الذخائر شديدة الانفجار وتعذيب آلاف المعتقلين داخل مجمعات سجونٍ مثل أبو غريب. كلُّ هذا كان مبرَّراً ضمن مساعي الولايات المتحدة لجعل العالم مكاناً أفضل، والقضاء على الإرهاب من جديد. لكن لا ضير من قيام حلفاء الولايات المتحدة بقتل منتقديهم طالما حافظوا على تَدَفُّق الأموال إلى خزائن الولايات المتحدة.

وفي حين يُعتبر قرار ترمب بغيضاً بكل تأكيد، لكن التاريخ علَّمنا الاعتراف بأن سياسة الولايات المتحدة كانت موجهةً دائماً نحو أميركا أولاً، والمبادئ الأخلاقية آخِراً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي