عرض إيلون ماسك مبلغ 43 مليار دولار لشراء Twitter. صورة توضيحية بواسطة Rafael Henrique / SOPA Images / LightRocket.  (Getty Images)
تابعنا

حاز أغنى رجل في العالم إيلون ماسك مؤخراً على الكثير من الانتباه. فالرجل الأغنى في العالم ورائد السيارات الكهربائية والصواريخ الفضائية تصدر عناوين الأخبار في أكثر من موضوع مثير للجدل، من قبيل تحديه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالمنازلة المباشرة بين رجل ورجل، وإمداده الأوكرانيين بالإنترنت الفضائي، وأخيراً وليس آخراً عرضه الذي قدمه للاستحواذ على منصة تويتر بشكل كامل بعد أن رفع حصته من أسهمها إلى 9% ليصبح أكبر المساهمين فيها.

جرى الحديث كثيراً عن هذه الخطوة، وما تحمله من تداعيات على قطاع منصات التواصل الاجتماعي، ولكن الأهم برأيي، هو ما تذكرنا به هذه الخطوة من حقائق ربما تعتبر صادمة للكثير من المتابعين ومفاجئة لآخرين. وأهم هذه الحقائق هي أن منصة رقمية مثل تويتر، والتي تحولت في السنوات الأخيرة، إلى ما يشبه الفضاء العام العالمي للتداول، يمكن الاستحواذ عليها من قبل رجل واحد لترتهن بذلك إحدى أبرز القيم الليبرالية التي يمثلها تويتر، ألا وهي حرية التعبير، لحسابات وتقييمات رجل واحد أو لأولئك الذين يضعهم موضع المسؤولية. بكلمة أخرى، نحن أمام مشهد مرعب من مشاهد النيوليبرالية الحديثة، وصورة من صور اللامساواة المتوحشة عندما يستطيع رجل واحد أن يتحكم بفضاء يتواصل فيه يومياً ما يقرب من 200 مليون مستخدم فعال.

لقد بات السؤال الجوهري حول قضية ماسك مع تويتر يدور حول إذا ما كان هذا الاستحواذ سوف يعزز من القيم الليبرالية لمنصة تويتر أم على العكس سوف يضعها على منحدر زلق؟

لطالما كان ماسك منتقداً لشركة تويتر ومتهماً إياها بالنكوص عن تلبية المبادئ الأصلية القائمة عليها والمتمثلة بحرية التعبير. على حسابه، نشر ماسك استبياناً قصيراً طرح فيه التساؤل التالي: حرية التعبير ضرورية لديمقراطية فاعلة. هل تعتقد أن تويتر تلتزم بصرامة بهذا المبدأ؟ وقد أجاب %70.4 بـ "لا"، بينما كان نصيب "نعم" 29.6% فقط.

(Others)

ليس هناك وصفة جاهزة للإجابة عن هذا التساؤل. فإيلون ماسك لم يقدم حتى الآن رؤية واضحة ومتكاملة حول حرية التعبير التي يريد من تويتر أن تتبناها في حال استحوذ عليها. ففي حديثه في مؤتمر TED لعام 2022 في فانكوفر يوم الخميس الماضي، سُئل ماسك عن سبب رغبته في شراء تويتر فقال: "إحساسي وحدسي القويان يخبرانني بأن امتلاك منصة عامة موثوق بها إلى أقصى حد وشاملة على نطاق واسع أمر بالغ الأهمية لمستقبل الحضارة" وأضاف. "لكنني لا أهتم بالجانب الاقتصادي على الإطلاق."

إذن نحن نتحدث هنا عن "حدس" وليس عن خطة ورؤية واضحة، وهذا يدل على أن الرجل متصالح مع نفسه، فهو لم يدّع إلى الآن أنه يملك مثل هذه الخطوة أو هذه الرؤية، كما أنه متصالح مع ذاته من حيث الأبعاد الاقتصادية للصفقة، فشركة تويتر وعلى عكس مثيلاتها لا تعتبر الدجاجة التي تبيض ذهباً. بمنطق الأرقام، لم تستطع تويتر أن تجتذب مليارات المستخدمين كما فعلت فيسبوك (والتي لديها أكثر من 11 مرة من المستخدمين النشطين مقارنة بتويتر)، أو كما فعلت يوتيوب فيما يتعلق بالإعلانات التجارية والتي لديها أكثر من خمسة أضعاف إيرادات تويتر في الربع الأخير من العام الفائت في هذا المجال، وهو ما دفع المستثمرين إلى انتقادها في السنوات الأخيرة وذلك لفشلها في تحقيق الإمكانات المرجوة منها. بالمحصلة غياب مثل هذا التصور الواضح حول "حرية التعبير" في حال جرت عملية الاستحواذ يثير المزيد من القلق لدى المستخدمين، فتحويل منصة مثل تويتر إلى شركة خاصة ينطوي على مخاطر عديدة قد تصيب أيضاً الخصوصية والبيانات الشخصية للمستخدمين. بالأخير إن هدف أي شركة خاصة هو الربح طال الأمد أو قصر، ومع توفر هذا القدر الهائل من البيانات عن المستخدمين في تويتر، ربما يسمح لماسك أن يجني المليارات من ورائها، وربما هذا ما فهمه الوليد بن طلال والذي رفض عرض ماسك في بيع حصته من الشركة على اعتبار أن العرض المقدم لا يساوي القيمة الحقيقية للشركة.

لقد لعبت شركة تويتر على مدار السنوات العشر السابقة دوراً محورياً في عملية التداول السياسي والإعلامي. فقد لجأ إليها غالبية السياسيين وصناع القرار والمشاهير والمؤثرين وصناع الرأي والمفكرين لتعظيم رواياتهم وأطروحاتهم، كما شكلت مصدراً غنياً لتناقل الأخبار خصوصاً العاجلة منها القادمة من أرض الحدث، كما اعتُبرت مصدراً غنياِ للبحث العلمي والأكاديمي بسبب ما تتمتع به من مصدر مفتوح على عكس فيسبوك. وهو ما دفع الكثير إلى اعتبارها آغورا القرن الواحد والعشرين عندما تلتقي الأفكار من مختلف مشاربها في مكان واحد. من هذا المنطلق، حافظت تويتر على جوهر خصائص نموذجها التأسيسي أي الحفاظ على شبكة إلكترونية لا مركزية عامة ومفتوحة.

ولكن في المقابل، كانت تويتر، وبسبب الخصائص ذاتها، مكاناً ومرتعاً خصباً لرواد نظرية المؤامرة، وحملات التضليل، والأخبار الكاذبة، والتحريض، والحث على الكراهية، الأمر الذي استدعى تدخلاً مباشرة من إدارة تويتر لاستحداث منظومة من الخوارزميات والميكانزميات من أجل تنقية المحتوى الضار. وهذا ما يثبت أن التكنولوجيا في جوهرها أداة محايدة تقبل الشيء ونقيضة. لاحقاً، هوجمت هذه المنظومة الرقابية على أساس أنها تضييق من حرية التعبير، وتعبير عن السلطة الرقابية التي تفرضها تويتر على محتوى مستخدميها وهو ما قاد العديد إلى اعتبار قيم تويتر الليبرالية مجرد ذر للرماد في العيون، فهي تفرض رقابة على المحتوى كما تفرضه السلطات الدكتاتورية على مواطنيها.

ربما تعد حالة الرئيس الأمريكي السابق ترمب المثال الأبرز على هذا التوجه، فالرئيس على مدار أربع سنوات من ولايته استخدم تويتر على نطاق واسع لدعم روايته بعد أن ضيقت عليه وسائل الإعلام التقليدية وحاربته، ولكن مع ذلك خضع أيضاً لإجراءات المراقبة والتضييق على المحتوى من قبل تويتر لتغريداته التي كان يُنظر إليها على أنها تحض على الكراهية حتى وصل الأمر في نهاية المطاف إلى حجبه عن المنصة كلياً على إثر أحداث "الأربعاء الأسود" حين اجتاح جموع من الغوغاء المؤيدين لترمب الكونغرس.

التضييق على المحتوى يخضع لمعايير أمريكية في نهاية المطاف، ولذلك لا يبتعد الأمر عن الكيل بمكيالين عندما يتعلق الأمر ببعض القضايا الحساسة والتي تخصنا نحن في العالم العربي على رأسها القضية الفلسطينية، حيث يجري تضييق المحتوى الفلسطيني بشكل كبير على عكس المحتوى الإسرائيلي والذي يعج برسائل الحض على الكراهية. وهي نفس الحجة التي يرفعها على سبيل المثال أتباع اليمين المتطرف في الغرب الذين يرون أن تويتر تُقصيهم عن التعبير بشكل يخالف مبدأ حرية التعبير الذي تنادي به.

إن تطبيق مبدأ "حرية التعبير" فيه الكثير من الاختلال؛ هذا صحيح. ولكن هل استحواذ ماسك على تويتر سيعمل على تصحيح هذا الاختلال؟ أنا أشك كثيراً في ذلك، فهذا الاختلال بنيوي وليس مجرد سياسات تتبع ويمكن تغييرها. ولذلك ربما تكون خلاصة القول إن استحواذ ماسك ليس له علاقة بتعزيز حرية التعبير بقدر تعزيز بريستيج الرجل في عالم التكنولوجيا. لا شك أن له حظوة كبيرة في مجال التكنولوجيا التقنية، وهو يطمح إلى أن يكون له حظوة في التكنولوجيات السياسية والاجتماعية كتويتر، وقد عبر عن رغبته سابقاً في إنشاء شبكة تواصل اجتماعي جديدة، وهو الأمر الذي يبدو أنه عدل عنه لعدم جدواه وجعله يسلك طريق الاستحواذ على تويتر.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي