للرواية طابع ووقْع خاص يميزها عن باقي فنون الكتابة النثرية؛ ففي المحتوى السردي الروائي، يمكن للواقع المعيش أن يُستنطق بحرية، وينعكس التركيب الاجتماعي الذي يعيش فيه الكاتب بدرجات متفاوتة تُقدّرها استطاعته على مساءلة واقعه وإدراك إشكالياته وقضاياه.

وفي المجتمعات التي تعاني من انسدادات سياسية وضغوط اقتصادية، وتشهد تحولاتها الاجتماعية على نحوٍ تراجيدي، تصبح الرواية منفذاً تعبيرياً يطلّ منه المثقف في علاقة تبادلية وتواصلية بمجتمعه، شعوراً منه بالمسئولية ومشاركتهم قلق الوجود والمضي؛ وهنا نموذجنا الطيب صالح (1929- 2009) في ثلاثيته الروائية "عُرس الزين، ضو البيت، مَريُود".

على عكس روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" التي صدرت العام 1966، والتي عكست سؤال البحث عن الهوية؛ هوية الإنسان المثقف الذي يعود بجذوره إلى الجنوب الزراعي المتعثر في ضوء جدلية علاقته بالشمال أو الغرب كما اليوم.

هنا في تلك الثلاثية يستعيد بعض الطمأنينة، وينصت بتركيز إلى هؤلاء المهمّشين والمنسيين والعوام من المزارعين، الطبقة العريضة من المجتمع السوداني، ينصت إليهم في هدوء بدون أيدولوجية مهيمنة، ودون رغبة في استقطاب، ودون استعلاء يُدوّن عالمهم ورغباتهم وتطلّعاتهم بكثافة قابلة لتأويل متجدد، ويحاول فهم نمطهم السلوكي والفكري دون قسوة أو تهوين.

تلاحم المثقف واشتباكه مع الواقع المعيش

وفي ثلاثيته، استطاع الطيب صالح تجاوز نمط الوصاية الثقافية التي غالباً ما يمارسها المثقف في مجتمعه؛ في "دومة ود حامد"، وعلى غرار قرية طه حسين في "دعاء القروان"، وحواري وأزقة نجيب محفوظ القاهرية، يشتبك ويتلاحم مع شخصياته في الماضي والحاضر، وتحضر شخصية الجد بكثافة لتعيد فهم هذا الحاضر وتفسره، الجد هو الماضي الذي يخبرنا عن النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي هُدم "المسجد والنهر والحقل، هذه كانت معالم حياتنا".

في المجتمعات التي تعاني من انسدادات سياسية وضغوط اقتصادية وتشهد تحولاتها الاجتماعية على نحوٍ تراجيدي تصبح الرواية منفذاً تعبيرياً يطلّ منه المثقف في علاقة تبادلية وتواصلية بمجتمعه.

إيمان النمر

العالم الغيبي والأسطوري، والعادات والتقاليد البالية التي يهاجمها المثقف، ويهجوها ليل نهار، ويعتبرها السبب الرئيس في تعطيل الحداثة كمنجز حضاري لا بدّ من تحقيقه، هنا يرسمها الطيب صالح ببذخ ورفق، في "عُرس الزين" تتجلّى كمكوّن رئيس في تشكيل المجتمع السوداني، شأن أغلبية مجتمعات المنطقة العربية باختلافاتها الجذرية الآسيوية والأفريقية، ويقدم بسرده الروائي نموذجاً حياً يلح بضرورة فهم هذه العقلية التي ما تزال في حالة استمرارية.

صاغ الطيب روايته في أسلوب يمزج بين لهجة الحديث الشعبي والعربية الفصحى في قالب إبداعي تحرري، يراوح فيه بين الهويّة العربية وجذوره السودانية، وهي الإشكالية التي فرضها تصاعد المدّ القومي وقتئذ في الدول التي نالت استقلالها من الاستعمار، والتي عاودت الظهور بعد المدّ الثوري خلال السنوات الماضية ولا تزال.

وهنا يُطرح السؤال الشائك دائماً؛ وهو: كيف يتمكّن المثقف من تغيير مجتمعه وهو بحالة التحام مع هذا المجتمع؟ بمعنى آخر، كيف يمكن للرائي أن يرى اللوحة بكليتها وتفاصيلها وهو بداخلها؟ وما هو الحدّ الذي يجب أن يتوقف عنده المثقف ويكتفي بالانصات والوعي بقراءة المشهد الاجتماعي؟ ومن أين؟ ومتى؟ وكيف يتجاوز بإلحاح المسئولية الضاغطة على ضميره ووعيه، حاضره المتأزم نحو آفاق رحبة للمستقبل؟ وأيهما أجدى المجاراة أم التجاوز؟

ويصعب اختزال ذلك الجدل في هذا الحيز؛ لأنه يطول، لكن مبدئياً، إنّ واقعنا يشهد بإخفاق عملية الاختراق الثقافي التحديثي للبنية المجتمعية في الريف وهوامش الحضر لأسباب عدة؛ أهمها عدم موازاته بتغيير جذري في نمط الإنتاج والنظام السياسي، ثم صعوبة عملية التواصل الوجداني واللغوي مع الجمهور أو الشرائح الاجتماعية المستهدفة؛ نظراً لحالة الانفصال المعرفي الذي أحال بين المثقف وبيئته المحلية، وما تبعه من تغير المفاهيم والمصطلحات، غريبة الوقع والاستيعاب بالنسبة إلى الوعي والنسق المعرفي لدى عامة الناس.

وقد انتبه الطيب لتلك الإشكالية في روايته "مَريُود"، إذ يقول على لسان ود الرواس :"أصل الزمن دا بقى زمن كلام، إذاعات وسنمات وجرانين ومدارس واتحادات وهوسه. يومتها اسمع الإذاعة تلعلع، العمال، الفلاحين، الاشتراكية، العدالة الاجتماعية، زيادة الإنتاج، حماية مكاسب الثورة، الانتهازية، الرجعية... اي يا خوانا مصيبة شنو الوقعت علينا دي ... قلت لي حاج سعيد انت يا حاج العمال والفلاحين ديل بلدهم وين؟ .. أها وزيادة الانتاج يعني شنو ؟!".

إنّ واقعنا يشهد بإخفاق عملية الاختراق الثقافي التحديثي للبنية المجتمعية في الريف وهوامش الحضر بسبب عدم موازاته بتغيير جذري في نمط الإنتاج والنظام السياسي.

إيمان النمر

هذا الحال الذي ما يزال نعاينه ونعاني منه في مجتمعاتنا، قد يفسّر لنا علة استهلاك المصطلحات والمفردات في صراعات دون فهم لها، ما جرّدها من مدلولاتها، وجعلها فاقدة الثقة والأمل في إحداث تغيير، وفي أحيان أخرى وصمة عار تتطلب من صاحبها الدفاع عن نفسه، كمفهوم العلمانية أو الحداثة، وكما أصبح لقب " شمام كولة" مرادفاً الآن لكل ناشط سياسي أو حقوقي معارض، تلك المصطلحات التي يظل المثقف يدور في متاهاتها دون جدوى. في الوقت الذي استطاع خصمه التفوق عليه بفهم العقلية التي يخاطبها، وفطن إلى طبيعة متطلباتها وشروط الواقع الاقتصادي والسياسي.

المثقف يرثي ذاته

على عكس مثقفي الحاضر ورثائهم الدائم لذاتهم بأنهم مغتربون ومنبوذون من واقع لا يفهمهم ولا يقدر مجهوداتهم الثمينة، ما يبرر عزلتهم وانزواءهم في "جيتوهات منغلقة" لتحقيق سلامهم الشخصي، هنا يتجه الطيب صالح في مزيد من الانخراط والعلاقة التبادلية مع بيئته المحلية كي يرثي معهم ذاته، وإخفاقات جيله إثر خيبة الأمل التي أصابتهم جرّاء فشل السياسات القومية الاستقلالية، وتفشي الفساد والمحسوبية، خاصة بعد نكسة 1967، وتصاعد اليمين الديني في عقد السبعينيات، هذا في الوقت الذي كان يعاني فيه الغرب الثقافي من عقدة الذنب وهشاشة المادية وقد أخضع ذاته للنقد، ما جعل المثقف نفسه يقع في حالة من اللايقين.

عاد الطيب يرثي ذاته ويحتمي في حكايات جده وتراث آبائه، دون أن ينسى الحلم والأمل في التغيير والتحديث، عاد يستمع كي يفسّر، وفي روايته "ضو البيت" الصادرة عام 1971، تطل المدنية بمسمى "بندر شاه" بأضوائها الباهرة رغبة في تجاوز الفقر والمرض والجهل الذي تغط فيها "دومة ود حامد" بصراعاتها السياسية والاقتصادية المهترئة التي خلفّتها الحداثة المبتسرة، وبالرغم من إقراره بعجز "محيميد" الشخصية التي تعكس المثقف ووقوفه كشاهد صامت ليس بمقدوره التعبير، ويقرر على لسان الطاهر :" الزمن دا الواحد يقف بعيد يتفرج ويتعجب"

أيضاً، بالرغم من رفضه الانحياز لسلطة أو الانضمام لحزب، وهذا موضع جدل آخر، فإنه استطاع ضمنياً بروايته أن يتحدى حاجز الصمت، ويعلن بمأساة سخريته : "أخذ محجوب يلعن ود الرواس كما كان يلعن النهر. ثم ضحكنا كلنا على محجوب وعلى أنفسنا وعلى لاشيء".

عاد ليفتش في إرثه الاجتماعي والديني عن أفكار ثورية بديلة تحميه من الاحساس بالضياع، في "مَريُود"، كما الواقع بعد ثورات الربيع العربي، استدعي الطيب الإسلام الصوفي بأفكاره التحررية، والإيمان بمعناه الربوبي الروحاني المتسامح لمواجهة تيارات الإسلام السياسي وضياع القومية الرومانسية التي جسدتها شخصية "مَريُوم".

مَريُوم هي المرأة والأرض والثورة والنغمة الروحانية التي أحبها الطيب، لكنها ماتت في النهاية، وهي تحاسبه بحب وتحفز، وتناديه باسم الدلال الطفولي: "يا مَريُود أنت لا شيء، أنت لا أحد يا مَريُود ..أبوك أرجح منك ومن جدك في ميزان العدل، لقد أحب بلا ملل، وأعطى بلا أمل، وحسا كما يحسو الطائر .. حلم أحلام الضعفاء، وتَّزود من زاد الفقراء"، وفي اعترافه وقراره قال: "نعم .. لكن طريق العودة كان أشق لأنني قد مشيت"، في إشارة منه إلى حتمية السير نحو الأمام، بالرغم من العراقيل والأخطاء كافة، بالرغم من كل الحزن واليأس.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي