لا أحد فاز فوزاً كاسحاً ولا أحد انهزم هزيمة ماحقة والباحثون عن بصيص أمل يمكنهم القول إن البلد قد ربح فصلا آخر في الديمقراطية العسيرة المنال. وما كنا نبغي غير التقدم على طريق الديمقراطية ولو بساق واحدة.

هل سنتقدم فعلاً؟ سنؤلف فقرات متفائلة ونتظاهر بالأمل فليس لنا سلاح غيره. لكن سنحاول تقييم المرابيح أو الغنائم التي خرج بها المتفقون على الحكومة حتى قبل تحصيل المصادقة البرلمانية المقررة يوم 26 فبراير/تشرين الثاني في جلسة عامة أعلن عنها.

المكسب الأول بداية النهاية لحروب الاستئصال

بعد التشارك العسير مع حزب النهضة في حكومة تضم أربعة أحزاب برلمانية غير المستقلين يمكن القول بنفس الروح الباحثة عن التفاؤل ألَّا أحد بعد الآن يمكنه أن يعيدنا إلى برنامج إرسال الإسلاميين إلى المشانق فقد حصل انتقال حقيقي في العلاقة مع الحزب الإسلامي سيكون الحديث بعده كم تأخذ من النهضة وكم تعطيها كشريك صاحب حق.

لقد خرجت النهضة المحشورة في زاوية والمطاردة في قوتها ووجودها من الزاوية المغلقة، ورسخت قدمها في قاعدة السلطة. فرضت النهضة كثيراً من قواعد اللعبة السياسية، ولم يكن بالإمكان تجاوز وزنها ودورها في تشكيل الحكومة.

ومن الأكيد أن وجودها سيكون أهم عامل استقرار في المرحلة القادمة لجهة تعديل الخطاب حول الحكومة معها أو ضدها. فضلاً عن دور رئيس البرلمان في الدفع بالعمل التشريعي إلى سرعات متقدمة تحتاجها البلاد والعباد.

كتبنا دوماً أن وجود حزب إسلامي في بلد عربي مسلم هو شرط من شروط بناء الديمقراطية. ونرى أن هذا يتحقق وإن لم يكن بلا ثمن عاطفي. فقد دفع الناس الكثير من أعصابهم وصبرهم لنخرج من حفرة الاستئصال.

هذا لا يعني أن السياسيين قد صاروا إخوة يقبّلون بعضهم مع قهوة الصباح. ولكن خطاب الاستئصال فقد قاعدته وجمهوره وهدفه. وسيحشر المصرون عليه في الزاوية التي كانت فيها النهضة. الزمن القادم سيقصي الإقصائيين.

إحدى أهم علامات نهاية هذه الحرب نقرؤها في اعتماد وسطاء كبار هم بالتحديد المنظمة الشغيلة ومنظمة الأعراف في تليين المواقف ليجد الفخفاخ وسيلة للتقدم. لقد تبين أن النقابتين جاءتا إلى حزب النهضة، وليّنتا موقفها، وقدمتا علامات قبول أو تسليم وهو الأصح بوزنها ودورها بما يقطع عليهم طريق إقصائها مرة أخرى. لقد تعاملت النقابتان مع شريك قادر على تثبيت الوضع السياسي والتقدم به للخروج من الأزمة الاجتماعية والاقتصادية المهيمنة.

لقد كان زعيم الحزب يحرّض دوماً على الاندماج في المجتمع والدولة ولذلك حرص على فتح قوائم حزبه (خاصة في الانتخابات البلدية) للمستقلين محاولاً تقريب النخبة والتقرب منها ولكن ذلك المسار لم ينتج اندماجاً حقيقيّاً حتى وصلنا إلى حكومة الفخفاخ التي لم تقم إلا بالنهضة. ولن ينسى التونسيون السيد الفخفاخ ممسكاً بقائمة وزرائه في قصر الضيافة منتظراً قرار شورى النهضة بالموافقة على حكومته.

فلما سمع الموافقة على حكومته عقد ندوته الصحافية للإعلان عنها ولو بسحنة انتصارية تعرف أنها لن تذهب بعيداً دون النهضة. هل لوت النهضة ذراع الجميع؟ أراها دافعت عن حق وكسبت منه الكثير حتى صار خطاب ليّ الذراع مرادفاً للإقصاء.

الثوريون يدخلون الدولة

مكسب آخر أراه من دواعي التفاؤل هو أن مثقفي الجامعة وأعني بهم حزب التيار (وسط اجتماعي) وحركة الشعب (حزب عروبي متحمس لحفتر وبشار والسيسي) يحكمون مع حزب إسلامي (إخواني).

لكن قبل الحديث عن التشارك مع العدو الإسلامي اللدود هذه الشبيبة التي تدعي الثورية دخلت الدولة وستتعلم قيادة الحكم بما يضعها حتماً في موقع مراجعة الثورية الطلابية، وبالتالي الخضوع لاشتراطات الحكم النفعي البرغماتي. لن يمكن لها التملص من تدوير الزوايا حيث ستكتشف عسر تطبيق الأحلام الثورية.

لقد تورطوا في السلطة. ورطة فيها منفعة للناس وشقاء لخطابهم الذي سيحتاج إلى تعديل يومي مع مقتضيات الحكم.

صخرة سقراط وهي مصطبة إسمنتية موجودة بكلية الحقوق بتونس العاصمة كان الطلبة يتخذونها منذ الستينيات منبراً للخطابة، انتهت في حكومة الفخفاخ.

لقد صار خطباؤها وزراء وسيعانون مشاق الحكم. وعلى سبيل المزاح نجد أن وزير التجارة في الحكومة هو أحد زعامات حركة الشعب المعادية للبنك الدولي (فوق صخرة سقراط طبعاً) لكنه دخل حكومة فرضها البنك الدولي، وسنتابع طريقته في التفاوض والتنازلات القاسية على الأحلام الثورية التي يقوم عليها خطاب الجامعة غير المسؤول أو غير العارف بمقتضيات الحكم في بلد تابع بالقوة لا بالرغبة.

فيما أبحث عنه من جمل متفائلة أجد في هذا عنصر أمل لا لأن الخطاب الثوري سيئ بل لأنه غير واقعي في بلد مثل تونس. لقد دخل الثوريون تحت سقف الدولة.

وعوداً إلى التوافقات داخل الحكومة. كان الثوريون يستنكفون العمل مع الإسلاميين (بل يعافون السلام عليهم كأنهم مصابون بجرب) لكنهم الآن في مركب الحكم مضطرين إلى العمل معاً. لا نراهم يتعانقون حبّا لكن لن يقدروا على الغدر ببعضهم. فوجودهم معاً يبقيهم جميعاً أحياء يمارسون السياسة.

إن المنطقيمنعهم من ثقب المركب الذي ركبوه معاً في حكومة الفخفاخ. هذا فصل آخر من نهاية الاستئصال. الإخوة الأعداء يتشاركون في إدارة دولتهم وبئس الخلافات القديمة الواهية.

المنظومة عجزت عن استعادة الحكم

في مكونات حكومة الفخفاخ توجد مكونات من المنظومة القديمة لكنها ليست الأقوى، ولا الأقدر، وإن كانت الإدارة العميقة لا تزال بين يديها ممثلة في حزب الشاهد الذي يزعم وراثتها متحدثاً بصلف مسرحي.

لكن شركاءه الآن أقوى. ونراه يحاول استمالتهم. ونسمعه يستعيد توليفهم بخطاب استئصالي. لكن الأرض تحركت تحت قدميه، وننتظر صراعهم معه وقبولهم الاضطراري بالشريك ثقيل الوزن الضامن لبقاء الحكومة وأعني هنا النهضة.

خمس سنوات قادمة قد تتعرض فيها حكومة الفخفاخ إلى تعديلات وترضيات وتسويات. وستعيش على حافة الهاوية حتى تظهر نجاحاتها الواقعية. ولكن بين 2020 و2024 سيمر ماء تحت جسور كثيرة، وسيكتشف الإخوة الأعداء أن تعايشهم ممكن، وأن منافعهم من التعايش أكثر من مكاسبهم من الاستئصال.

وسيمنحون الكُتّاب فجوة لتوليف جمل أكثر تفاؤلاً وربما مبالغ فيها. ولكن كان يجب أن نمر من عنق زجاجة ضيق جداً خسر فيه الجميع مكاسب ثابتة وربحوا غيرها وربح البلد أملاً صغيراً في التقدم.

من أجل ذلك البصيص في آخر نفق الاحتراب السياسي والأيديولوجي سنؤلف حول المستقبل ونتجاهل خطاب الواقعية. فكل خطوة إلى الأمام على طريق الديمقراطية مكسب لشعب تابع العراك السياسي صابراً محتسباً ولم يستعن بالبنادق للحسم.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي