أسئلة مركزية تطرح اليوم كما طرحت منذ عقد من الزمن مع اندلاع أول شرارة للثورة التونسية ذات شتاء ولم تفل عزيمة الذين يحاولون من الداخل والخارج الانقلاب على الديمقراطية التي تحاول الصمود في سياق إقليمي وعالمي مرتبك.

ما الذي يراد للديمقراطية التونسية وأي مخاطر تواجهها من الشقيق قبل الصديق؟ ولماذا تتصيد "مدن الملح"، كما أسماها الكاتب العربي الكبير عبد الرحمن منيف ذات الأنظمة السياسية الكليانية المتحجرة العثرات في تونس، وتحاول استغلال الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية للانقضاض على الديمقراطية الناشئة في البلد وتقويض أسسها؟

ولماذا تنكسر كل المحاولات الانقلابية على أسوار الديمقراطية التونسية؟

أسئلة مركزية تطرح اليوم كما طرحت منذ عقد من الزمن مع اندلاع أول شرارة للثورة التونسية ذات شتاء ولم تفل عزيمة الذين يحاولون من الداخل والخارج الانقلاب على الديمقراطية التي تحاول الصمود في سياق إقليمي وعالمي مرتبك.

وفي الوقت الذي تتطلع فيه عديد الشعوب والنخب العربية بعين الرضا والإعجاب لما يحدث في تونس، وكأنه قادم من كوكب آخر نظراً لغياب التقاليد الديمقراطية في المناخات العربية، تسعى أطراف أخرى بكل ما أوتيت من جهود وتوظف مقدراتها المالية وأذرعها الإعلامية سراً وعلانية لتنقض على الجسد الغضّ لهذه التجربة الفتية.

وإذا كان حق التظاهر والاعتصام وغيرها من طرائق التعبير السلمي عن الرأي والاحتجاج على السلطة القائمة مكفولة دستورياً لكل التونسيين، وتتم ممارستها بكل سلمية، فإن التمرد أو العبث بالمنجز الديمقراطي - حتى وإن كانت ثماره اجتماعياً واقتصادياً لم تقطف بعد من قبل عموم التونسيين- يظل أمراً مرفوضاً، ولا يخدم المصلحة العليا للوطن في سياق تبدو فيه الحاجة إلى الاستقرار مطلوبة ومرغوبة جداً.

"لا زالت المحاولات متواصلة وبشكل حثيث من أجل تغذية كل نزعات التمرد وصبوات الذين تستهويهم شهوة الانقلابات في استهداف ممنهج للتجربة الديمقراطية"

منيرة رزقي

ورغم كل هذا لا زالت المحاولات متواصلة وبشكل حثيث من أجل تغذية كل نزعات التمرد وصبوات الذين تستهويهم شهوة الانقلابات في استهداف ممنهج للتجربة الديمقراطية التي تظل رغم كل شيء محط أنظار كل الحالمين بالانعتاق من الدكتاتورية.

فشعارات حل البرلمان، وإسقاط الحكومة، والسعي الحثيث بدعم إعلامي عربي إلى جعلها حقائق عبر تحريك الشارع ليست سوى محاولات فاشلة أظهرت مناعة تونسية في وجه الحملة المركزة التي تستهدف تونس دولة وثورة وتجربة ديمقراطية.

ولعل اعتصام "الرجل الواحد" الذي نفذه المحامي عماد بن حليمة في غرة يونيو/حزيران الجاري والذي لم يجد رجع صدى ولم يثر سوى السخرية والتندر في صفوف التونسيين خير دليل على عدم تفاعل عموم التونسيين من مختلف الأطياف والتيارات السياسية مع المحاولات الراغبة في زعزعة النظام الديمقراطي.

وبعد أسبوعين عاودت بعض الأطراف الداعية إلى حل البرلمان التونسي وإلى تكليف حكومة تصريف أعمال التجمع في ساحة باردو وباءت مرة أخرى بالفشل رغم حشد إعلامي مارسته قنوات عربية حرّضت التونسيين على الخروج للشارع.

ودعت بعض الأطراف المنضوية تحت لواء ما يسمى بائتلاف الجمهورية الثالثة مؤخراً خلال مؤتمر صحفي إلى الدخول في اعتصام سلمي مفتوح للمطالبة بحل البرلمان، وإسقاط الحكومة، وتكليف حكومة تصريف أعمال من الكفاءات غير المتحزبة.

وتعالت أصوات في الفضاء الافتراضي منذ بدايات يونيو/حزيران تحمل هذه المطالب، وتتبناها مع ما يعرف بتنسيقيات جبهة الإنقاذ وائتلاف الجمهورية الثالثة.

وترى هذه الفعاليات أن البرلمان يتحمل المسؤولية لما آلت إليه الأوضاع في البلاد كما يعترضون على النظام السياسي الحالي كما ضبطه دستور 2014. ويتم اتهام جهات أجنبية بالوقوف خلف هذه التحركات من أجل الانقلاب على الشرعية في تونس.

ولعل الصورة التي تختصر المشهد والتي لن ينساها التونسيون، للنائبة السابقة عن حركة نداء تونس فاطمة المسدي وهي تبكي بعد فشل الحراك الذي تزعمته لحل البرلمان وتحاول شرطية تهدئتها واحتضانها.

وهي تحيل على أن رمزية الشرطة قد تغيرت، كما أن حيل بعض الفاشلين سياسياً لم تعد تنطلي على التونسيين. ومهما كان الدعم الأجنبي لهذا الطرف أو ذاك فإن المناعة التونسية ستصد ضد كل المحاولات.

ولكن من الواضح أن عموم التونسيين غير معنيين بمثل هذه الدعوات التي انحسرت في صفوف قلة قليلة من الناشطين السياسيين الذي يفتقرون إلى الجماهيرية رغم حضورهم الإعلامي الدائم.

كما تفتقر هذه التحركات إلى التأطير الحزبي. فحتى اللحظة تلتزم مجمل الأحزاب التونسية بالعمل وفق مقتضيات الديمقراطية، وفي صلب المؤسسات المنتخبة حتى وإن تعالت بعض الأصوات على غرار الحزب الحر الدستوري التونسي، ورئيسته عبير موسي على وجه التحديد، بتقديم لوائح تهدف إلى سحب الثقة من رئيس مجلس النواب.

ومن الواضح أن هناك شفرة تونسية مختلفة لم يتمكن دعاة الانقلابات من فكها حتى اللحظة لعل سرّها يكمن في اكتساب المواطن نوعاً من المناعة الذاتية التي تجعله يصمد في مواجهة محاولات إعادته إلى مربع الدكتاتورية، وقناعة النخب التونسية في مجملها بأهمية الديمقراطية مهما كان الثمن.

وفي هذا السياق لا يمكن مقارنة تونس ببعض التجارب العربية الأخرى التي انزلقت في هاوية الدم والعنف. وما زال التونسيون يحاولون إدارة خلافاتهم بالحوار، وفي إطار ديمقراطي رغم حدة الاختلافات، ورغم التنافر الذي يصل حد التضارب بينهم. ولا زالت الانقسامات الإيديولوجية والسياسية رغم حدتها تتم في إطار من العقلنة والمشروعية.

نقول هذا دون أن ننفي طبعاً سريالية المشهد التونسي، وحالة الارتباك العام الذي تعيشه البلاد وهي تقاوم من أجل الصمود في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وتوترات اجتماعية غير مسبوقة مع صراع سياسي حامي الوطيس مازال حتى اللحظة يحسم بالطرق الديمقراطية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي