يتعرّض خليفة حفتر الموالي للإمارات ومصر للكثير من الهزائم العسكرية مؤخراً وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة على مستقبل الرجل في ليبيا.

خلال الأيام الماضية، اتخذ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر في ليبيا قراراً مثيرا للجدل. حفتر الذي يسيطر على مليشيات يطلق عليها اسم "الجيش الوطني الليبي"، أعلن تنصيب نفسه حاكماً منفرداً للشرق الليبي، رامياً عرض الحائط بالاتفاق السياسي الذي وقعت عليه الأطراف الليبية في مدينة الصخيرات المغربية في ديسمبر/ كانون الأول 2015، والذي نتج عنه تشكيل مجلس رئاسي تقوده حكومة الوفاق، إضافة إلى التمديد لمجلس النواب، وإنشاء مجلس أعلى للدولة.

حفتر الذي يواصل عدوانه على حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً في العاصمة طرابلس، أصبح بهذا القرار غير معترف بمجلس النواب في طبرق شرقي ليبيا والمجلس الأعلى للدولة الليبي. لا شك أن هذا القرار أثار حفيظة داعمي حفتر في الغرب الليبي، غير أنه لم يكن خطوة مفاجئة على الإطلاق لمتابعي المستجدات على الساحة الليبية.

ولقد أثار القرار غضب اللاعبين السياسيين في الشرق الليبي بشكل كبير أيضاً، نظراً لأنه أظهر بشكل جلي رغبة حفتر في حكم ليبيا عبر نظام دكتاتوري عسكري. وعلى خلفية القرار أعلن أشرف الميار قائد كتيبة التوحيد المدخلية والذي يعد أحد أبرز قادة المليشيات في الشرق الليبي، أعلن أن دعمه وتبعيته لمجلس النواب في طبرق وليس لحفتر.

كما تسبب القرار في انزعاج بعض القبائل الداعمة لحفتر. ورغم أن هذا القرار قوبل بالتأييد من جانب دول داعمة لحفتر مثل الإمارات ومصر والسعودية، إلا أنه صَعّب قليلاً من مهمة الدول التي تدعمه بشكل غير مباشر كفرنسا والولايات المتحدة. ولا شك أن قرار حفتر أثبت مدى صحة مواقف دول مثل تركيا التي دعمت حكومة الوفاق الشرعية ضد الساعين إلى الدكتاتورية العسكرية.

تبدو كل الخطوات التي اتخذها حفتر بدعم وتشجيع داعميه الخارجيين لم توفر الاستقرار الذي وعد بجلبه إلى ليبيا، بل على العكس ساقت هذه الخطوات البلاد إلى فوضى عميقة تستهدف المدنيين بشكل متزايد.

وصار حفتر الذي سعى إلى إكساب نفسه شرعية عبر زعمه محاربة المتطرفين والجماعات الإسلامية، مسؤولاً عن قتل عدد كبير من المدنيين الليبيين. فيما تؤكد أفكار ومواقف السلفيين المدخلية، أبرز داعمي حفتر، أنهم بعيدون كل البعد عن التوجهات المعتدلة.

أسباب تجاهل حفتر مجلس النواب واتفاق الصخيرات

إنه لأمر صعب حالياً، معرفة إن كان قرار حفتر الانسحاب من اتفاق الصخيرات وتنصيب نفسه حاكماً للشرق الليبي، قراراً منفرداً من جانبه بشكل كامل أم هو خطوة تمت بإيعاز من داعميه الخارجيين وفي مقدمتهم الإمارات.

غير أنه إذا كان حفتر يسعى إلى تأسيس إدارة مقبولة في كامل ليبيا فيتوجب عليه زيادة مساحة قاعدته الشعبية وعدد داعميه السياسيين. فيما تعصف خطواته الأخيرة بأي فرصة محتملة لذلك. ولم يبق بيد حفتر سوى خيار تأسيس نظام حكم دكتاتوري عسكري يستند إلى دعم القوى الخارجية والمرتزقة الأجانب.

لكنّ مثل هذه التسويات التي يقترحها حفتر تُقابل بالرفض من جانب الشعب الليبي الذي عانى سابقاً من الاستبداد والفوضى إبان حكم معمر القذافي (1977 - 2011). حسنا إذن لماذا اتخذ حفتر هذا القرار الصعب مستنداً إلى أرضية هشة هكذا؟ وما هي النتائج التي قد يسفر عنها هذا القرار؟

لا شك أن خطوة حفتر الأخيرة ليست نابعة من قوة يتمتع بها، بل على النقيض هي مرتبطة بصورة مباشرة بضعفه بالتوازي مع هزائمه الميدانية. فخلال الشهر الماضي مُني حفتر بخسائر فادحة غرب العاصمة طرابلس، وفشل في منع سيطرة قوات حكومة الوفاق على مدينتي صرمان (60 كلم غرب طرابلس) وصبراتة (70 كلم غرب طرابلس)، فضلاً عن عدة مدن ومناطق استراتيجية في الساحل الغربي للبلاد. فضلاً عن حصار قوات الوفاق القائم على مدينة ترهونة (90 كلم جنوب طرابلس) التي تعد أهم معاقل حفتر في غرب ليبيا، وكانت نقطة تجمع وانطلاق رئيسية لمليشياته.

كذلك قطع خطوط الإمداد لقواته بمحيط طرابلس عبر هجمات الطائرات المسيرة التركية. كل ذلك ألحق في الفترة الأخيرة خسائر فادحة بمليشيات "الجيش الوطني الليبي" والجماعات الأخرى الداعمة لحفتر. الأمر الذي زاد ورسخ مشاعر خيبة الأمل حيال حفتر في كل من بنغازي ومجلس النواب في طبرق. لذا يمكن قراءة خطوة حفتر الانقلابي الأخيرة كمحاولة لإسكات هذه الانتقادات وإيقاف الساعين إلى البروز كقادة جدد بدلاً له.

يواصل حفتر، منذ 4 أبريل/نيسان 2019، هجوماً متعثراً للسيطرة على طرابلس، من أجل فرض سيطرته وإدارته السياسية على البلاد، لكن مع تدخل تركيا ووقوفها إلى جانب حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، بدأت مليشيات حفتر في التقهقر ميدانياً وتعرضت لخسائر فادحة. فالاتفاقيتان المهمتان التي وقعتهما تركيا مع حكومة الوفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بشأن التعاون الأمني والعسكري، والسيادة البحرية، غيّرتا مجريات الحرب في ليبيا.

ولقد نجحت الطائرات المسيرة التي وفرتها تركيا في قطع خطوط الإمداد، ما أضر بمليشيات حفتر وأجبرتها على التراجع في محاور عديدة. فيما تواصل قوات حكومة الوفاق هجماتها على قاعدة الوطية الجوية التي تسيطر عليها مليشيات حفتر وتعد المركز الرئيسي لها في المنطقة الغربية، ومن المرجح نجاح قوات الوفاق في فرض السيطرة عليها قريباً.

تسبب فشل حفتر العسكري في عدم تحقق تطلعات وأهداف القوى الخارجية التي دعمته واستثمرت فيه لسنوات. وهجماته في الغرب واستهدافه المدنيين في الأحياء السكنية بالعاصمة طرابلس أسفرت عن مقتل مئات المدنيين، وتدمير البنية التحتية المدنية هناك.

ولقد كانت هذه الهجمات سبباً رئيسياً في زيادة الانتقادات الموجهة لحفتر على الساحة الدولية. الأمر الذي دفع اللاعبين الداعمين لحفتر إلى تبني نهج أكثر بُعداً عنه وعن داعميه الخارجيين.

وبدأ الليبيون المقيمون في بقية أنحاء البلد في إصدار ردود فعل غاضبة حيال ذلك، نظراً لإدراكهم أن هذه الحرب الوضيعة عبر المرتزقة الأجانب لن تجلب لبلدهم الأمن والاستقرار.

سيمّا تدخل المرتزقة الروس في غمار الحرب إلى جانب حفتر الذي حمل دلالات سلبية ذكرت الجميع بالحرب في سوريا.

تسعى الإمارات إلى التقليل من المخاطر التي تحدق بها، في ظل أزمة هبوط أسعار النفط وتقلص التجارة الدولية على خلفية انتشار فيروس كورونا المستجد. وقد تكون اتخذت قراراً بتأجيل الهجمات على طرابلس، والتركيز على تعزيز إحكام سيطرة حفتر على المناطق التي يسيطر عليها كمرحلة أولى.

وتشير الإمدادات العسكرية الكبيرة التي وصلت مؤخراً حفتر إلى أن نظام أبو ظبي قد يتجه إلى تصعيد جديد في ليبيا خلال فترة قصيرة. لذا يمكن قراءة هذه الخطوة على أنها محاولة لزيادة حماية وتحصين الشرق الليبي. وعلى أية حال، فإنه ليس من المرجح أن تتراجع الإمارات قريباً عن أطماعها في ليبيا. فيما سيؤجل انقطاع خطوط الإمداد بفضل ضربات الطائرات المسيرة التابعة لحكومة الوفاق، الهجمات صوب طرابلس والمدن الأخرى.

هل نتجه إلى وضع جديد في ليبيا؟

يسيطر حفتر حالياً على الجزء الأكبر من الأراضي الليبية، مستنداً في ذلك إلى دعم الإمارات ومصر وفرنسا وأخيراً المرتزقة الروس. وهو لا يسعى إلى شرعية محلية كما حدث سابقاً. وقد يرجع ذلك لفقدانه الأمل في تأسيس أرضية مشتركة مع الدول الغربية التي تتعامل مع حكومة الوفاق كممثل شرعي للبلاد.

أي أنه يُفضل الحصول على هذه الشرعية عبر فرض واقع جديد على الأرض بدلاً من السعي للحصول على أرضية شرعية، ومع تدخل المرتزقة الروس في الحرب لصالحه بدأ يشعر بنوع من الارتياح.

تعد مدينة ترهونة جنوب العاصمة طرابلس أهم معاقل حفتر في غرب ليبيا، ونقطة تجمع وانطلاق رئيسية لمليشياته. وإذا نجحت قوات الوفاق في السيطرة على ترهونة وأزاحت مليشيات حفتر منها، فستبوء بالفشل حينها كل مساعيه المتواصلة منذ أبريل 2019 للسيطرة على العاصمة طرابلس.

وإذا تحقق هذا السيناريو ستضطر مليشيات حفتر للانسحاب بشكل كامل من الغرب الليبي. وهذا الأمر سيجعل وضع حفتر في الشرق صعباً للغاية. وحينها قد يسحب مجلس النواب بطبرق دعمه بشكل كامل عن حفتر. لذا فحملة حفتر الأخيرة ضد اتفاق الصخيرات ومجلس النواب بطبرق الناجم عنه، هي في نفس الوقت خطوة لإعاقة هذا الاحتمال.

وعلى صعيد متصل، جعلت كل هذه التطورات وتصاعد حدة المعارك في ليبيا، الاتفاق الناجم عن مؤتمر برلين في يناير/كانون الثاني الماضي، لا قيمة له؛ فهذا المؤتمر ما كان سوى فترة راحة للطرفين للإعداد للمعارك اللاحقة. ما يعني أن المجتمع الدولي أيضاً سمح بشكل ما للطرفين المتصارعين بمدة جديدة لإنهاء الأزمة عبر الحلول العسكرية.

وقد نجح الدعم العسكري الذي وفرته تركيا لحكومة الوفاق في تغيير ميزان القوى تدريجياً لصالحها. ولم يتم بعد تأسيس وضع جديد عقب هجمات مليشيات حفتر الفاشلة على طرابلس منذ أبريل 2019. ولكن من المرجح تأسيس مرحلة جديدة هكذا.

ومع مرور الوقت يواصل حفتر اتخاذ خطوات تُذكر بسياسة القذافي. يواصل اتخاذ خطوات أكثر شجاعة وجرأة للحفاظ على صورة الرجل القوي. لكنّ هذه الخطوات بدأت مؤخراً في الانقلاب عليه وتشكيل نتائج سلبية ضده. فالتحالفات المحلية التي يقف حفتر على أسسها تعاني من تصدعات كبيرة داخلها. فالعشائر والمليشيات المحلية والمرتزقة الأجانب والسلفيين المداخلة وأنصار القذافي، جميعهم لا يشكلون فيما بينهم تكتلاً منسجماً ومؤثراً. وهذا سيجبر حفتر على الارتباط أكثر بالدعم الخارجي.

لا شك أن لحظة اتخاذ القرار تقترب وتضيق الخناق على حفتر؛ فالفشل في تنفيذ أهدافه العسكرية غربي ليبيا سيُضعف إلى حد كبير الدعم الذي يحصل عليه من الداخل والخارج. وفيما يزيد من محاولاته العسكرية للسيطرة على غربي البلاد، يتخذ خطوات للوقوف أمام أي انتقادات أو احتجاجات محتملة في طبرق وبنغازي.

والحقيقة أن الوقت يمر ضد حفتر وداعميه. فاللاعبون الدوليون سيراجعون في وقت قريب النهج المرن الذي تبنوه حيال حفتر وداعميه الخارجيين. وقد يحد حفتر من أهدافه وتصير أولويته هي ترسيخ وضعه في الشرق الليبي على الأقل. وهذا بالتأكيد سيعمق من واقع الانقسام في ليبيا، وتبقى ليبيا حالياً بعيدة إلى حد كبير عن سيناريو حل يوفر الاستقرار في البلاد. أما الرئيس رجب طيب أردوغان فقد صرح مؤخراً أن بلاده عازمة على تأسيس "واحة سلام" في ليبيا عبر مواصلة دعمها حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دولياً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي