المبادرة المغربية محاولة أخيرة لإنقاذ المنطقة ، وإعادة القيادة الجزائرية إلى جادة الصواب بتذكيرها بالتحديات الإقليمية والدولية، بل وبالتحدي الحقيقي للشعبين مُمثَّلاً في التنمية ومواجهة الاحتجاجات الشعبية الناجمة عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

(AP)

للحديث عن خلفيات مبادرة العاهل المغربي محمد السادس للحوار مع الجزائر وإيجاد آلية سياسية للبحث عن حلول للقضايا العالقة طيلة النصف قرن الماضي، ينبغي استعراض مجمل الوضع الإستراتيجي بأبعاده الدولية والإقليمية والثنائية، فعلاقات الجوار المتوتر بين الجارين يتماس فيها ما هو سياسي بما هو جغرافي، وما هو سيكولوجي بما هو تاريخي، ولكن الإحاطة بكل الجوانب تعتبر مهمة صعبة في الحيِّز الذي يفسحه هذا المقال؛ لذلك سيتم التركيز على فرضيتين يُرجح أنهما السببان المباشران وراء المبادرة الأخيرة، الأولى:تتعلّق بالتهديدات الأمنية إجمالاً وارتباطها بحدوث اختراق محتمل للمنظومة الأمنية الجزائرية في الجيش والشرطة، ما بات يشكّل خطراً وجوديّاً على أمن واستقرار الدولتين، والثانية تتعلّق بتجاوز الخطوط الحمراء في نزاع الصحراء واقترابه من المواجهة العسكرية الشاملة بين الجارين.

الفرضية الأولي تحدَّث عنها العاهل المغربي في خطابه يوم السادس من نوفمبر/تشرين الثاني حين قال".. كما ستساهم (أي آلية الحوار المقترحة) في تعزيز التنسيق والتشاور الثنائي لرفع التحديات الإقليمية والدولية، لاسيما فيما يخص محاربة الإرهاب وإشكالية الهجرة"، وهي إشارة واضحة إلى موجات الهجرة السِّرية القادمة من الدول الإفريقية جنوب الصحراء، وهي ظاهرة مرشحة للاستفحال؛ بسبب تزايد الحروب العِرقية وتصاعد الحركات الانفصالية وتفاقم ظاهرة الإرهاب، وكلها عوامل أدت -في نهاية المطاف- إلى توسع مريب لشبكات الجريمة المنظمة وتغلغلها في المنطقة.

المبادرة الملكية هي دعوة لترجيح خيار البناء والتنمية في البلدين، والحيلولة دون خيار الهدم والحرب.

أحمد نوردين

وفي هذا الصدد سأكتفي بثلاث مؤشرات مقلقة: الأول -وهو الأخطر في تقديري- يرتبط بالتخوُّفات من اختراق محتمل من طرف هذه الشبكات الإجرامية للمنظومة الأمنية الجزائرية، وما يعضِّد هذه الفرضية هو إقالة الجنرال عبد الغني هامل المدير العام للأمن الجزائري، في يونيو/حزيران 2018 على خلفية فضيحة تهريب 700كلغ من الكوكايين عبر ميناء وهران الجزائري. والخطير أنه عند إقالته خاطب قيادة الجيش الجزائري عبر الصحافة قائلاً "من كان يريد محاربة الفساد فيجب أن يكون نظيفاً"، وهناك من يربط هذه التهمة الموجهة للجيش بالاعتقال الذي طال في وقت لاحق خمسة جنرالات، من بينهم قائد الدرك الجزائري الجنرال منّاد نوبة، والجنرال عبد الرزاق شريف قائد المنطقة العسكرية الجنوبية التي تتحكم في الطرق التي تمر منها شبكات التهريب والهجرة السرية مع دول الساحل الإفريقي، يُضاف إلى ذلك الحكم خمس سنوات سجناً نافذة على الجنرال عبد القادر آيت واعرابي الذي كان مسؤولاً عن جهاز مكافحة الإرهاب، ومن بين التُّهم التي وجهت إليه سنة 2015 إتلاف مستندات ووثائق قد تكون لها علاقة بتواطؤه مع الجماعات الإرهابية خلال العشرية السوداء في الجزائر التي تلت الانقلاب العسكري على صناديق الاقتراع سنة 1992.

هذه المعطيات إذا قمنا بمقارنتها بتقرير للجنرال فانْسَنْت سْتِوارت Vincent Stewart، الذي كان يشغل مدير وكالة DIA- التابعة لوزارة الدفاع الأميركية، الذي يتحدّث عن تزايد مُطّرد لفروع "داعش" في الجزائر، وغيرها من التقارير التي ترصد توسع فروع تنظيم "القاعدة" في الساحل والصحراء، سيتبين أنّ المنطقة توجد على فوهة بُركان إرهابي، وأن انفجاره مسألة وقت لا غير.

ويكفينا دليلاً على ذلك ما وقع من هجوم على أكبر مجمع للغاز بالجزائر في عين أمناس سنة 2013، والذي راح ضحيته أزيد من 40 قتيلاً معظمهم من جنسيات أوربية.

والمغرب ليس بعيداً عن كلّ هذه المخاطر "الإرهابية" خاصة في خاصرته الرّخوة التي تمثلها مخيمات تندوف في الجزائر، على الحدود مع الصحراء المغربية المسماة غربية، وقد تزايد القلق مع تبني تنظيم القاعدة في الساحل والصحراء عملية اختطاف ثلاثة عُمّال إغاثة من جنسيات إسبانية وإيطالية من داخل مخيمات تندوف.

ومعروف أنّ ساكنة هذه المخيمات وأمام انسداد أيِّ أفق لحل سياسي ورفض الجزائر عودتهم إلى المغرب، أصبحت عُرضة للاستقطاب من طرف الحركات الإرهابية، وأبرز مثال على اختراقها من طرف تنظيم القاعدة هو أبو الوليد الصحراوي الذي انتقل من قيادي في الجبهة الانفصالية "بوليساريو" بتندوف ليصبح أحد القيادات البارزة في "حركة التوحيد والجهاد" التابعة لتنظيم القاعدة سنة 2011، قبل أن يبايع تنظيم"داعش"سنة 2015.

واضحٌ إذاً أنّ الأمور بدأت تخرج عن السيطرة بسبب دخول عوامل دولية جديدة في المعادلة، وظهور فاعلين غير تقليديين لم يكونوا ضمن حسابات أولئك الذين خطّطوا لجعل النزاع في الصحراء "لُعبة للأمم" متحكَّماً فيها لضبط التوازنات بين الرباط والجزائر، وهذا يقودنا للحديث عن الفرضية الثانية وراء المبادرة المغربية، والمتمثلة في تزايد مؤشرات اندلاع حرب شاملة بين الجارين. فقضية الصحراء التي كانت فزَّاعةً لابتزاز الدولتين من طرف القوى العظمى اقتصاديّاً، من خلال انتزاع صفقات كبرى وامتيازات تجارية، وعسكريّاً من خلال سباق سُورْياليّ على زعامة إقليمية مُتوهمة، أدَّت في نهاية المطاف إلى سباق نحو التسلح استنزف طاقات البلدين، عوضاً عن توجيهها نحو التنمية. فحسب معهد ستوكهولهم للسلام، استوردت الجزائر خلال الفترة من 2012 ولغاية 2017 حوالي 46% من قيمة واردات كل الدول الإفريقية مجتمعة من السلاح، وكان من الطبيعي أن يسعى المغرب للحفاظ على توازنه الإستراتيجي مع دولة تُعبِّئ كلّ إمكاناتها العسكرية والدبلوماسية والإعلامية لدعم حركة انفصالية موجهة ضدَّه.

يربط العاهل المغربي الوضع في الصحراء بما يجري من تمزيق لدول المشرق العربي في إشارة إلى أجندات خارجية تسعى لتمزيق المنقطة.

أحمد نوردين

لذلك نجد العاهل المغربي يربط الوضع في الصحراء بما يجري من تمزيق لدول المشرق العربي، وذلك في خطاب ألقاه شهرإبريل/نيسان 2016، ويقول فيه: "إن المخططات العدوانية، التي تستهدف المسّ باستقرارنا، متواصلة ولن تتوقف، فبعد تمزيق وتدمير عدد من دول المشرق العربي، ها هي اليوم تستهدف غربه. وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية للمغرب".

وفي ذلك إشارة واضحة إلى أجندات دولية قد تكون وراء الدفع بالمنطقة إلى حرب إقليمية قد تكون ذريعة لتدخل أجنبي للسيطرة على مصادر النفط والغاز في الجنوب الجزائري؛ وقد يكون من نتائجها أيضاً تمزيق وحدة البلدين كما هو حاصل في العراق وسوريا وليبيا، فمعلوم أنّ هناك مطالب باستقلال أمازيغ القبائل شمال الجزائر، وأخرى تُهمُّ شعب الطوارق في الجنوب، والذي سبق له أن أعلن عن دولة الأزواد شمال مالي سنة 2013، وقد تتوسع لتشمل طوارق الجزائر والنيجر.

حين نستحضر كلّ هذه الأبعاد نستشف من المبادرة الملكية، أنها محاولة أخيرة لإنقاذ المنطقة من شرّ قد اقترب، وإعادة القيادة الجزائرية إلى جادة الصواب بتذكيرها بالتحديات الإقليمية والدولية، بل وبالتحدي الحقيقي للشعبين مُمثَّلاً في التنمية ومواجهة الاحتجاجات الشعبية الناجمة عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

أظن أن المبادرة الملكية هي دعوة لترجيح خيار البناء والتنمية في البلدين، والحيلولة دون خيار الهدم والحرب الذي سيأتي على الأخضر واليابس، ويرهن مستقبل المنطقة المغاربية للأربعين سنة القادمة على الأقل. ولكنها دعوة في طيّها إعذارٌ وإنذار للقيادة الجزائرية، بل وإشهادٌ للعالم وللشعبين المغربي والجزائري على أنّ المغرب لا يدّخر جهداً في التوصّل إلى مصالحة. ولهذه الغاية قدَّم عدة تنازلات لأشقائه وعلى رأسها مقترح الحكم الذاتي في الصحراء، ليس تشكيكاً في أنها جزءٌ لا يتجزأ من المغرب، ولكن كحلِّ يحفظ ماء وجه الجزائر، ويضمن للانفصاليين في تندوف العودة بكرامة إلى وطنهم الأمّ، ويجنب بالأساس الشعبين الشقيقين ويلات حرب شاملة تلوح في الأفق.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي