حقق الاقتصاد التركي خلال العام الماضي 2021، نموا بلغت نسبته 11% مقارنة بالعام السابق له 2020 (AA)
تابعنا

ثمة مجموعة من العوامل شهدتها الساحة الدولية على الصعيد الاقتصادي، قربت من الفجوة بين المنتجات الصينية من حيث سعرها، وأسعار منتجات دول أخرى، وعلى رأسها المنتجات التركية، حيث موجة التضخم الدولية المتعلقة بارتفاع تكاليف الشحن، وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء.

ولكن المتغير المهم في الأحداث العالمية الجارية، هو تلك المواجهات المكبوتة بين القوى الكبرى في عدة مجالات وأبرزها المجال الاقتصادي والتكنولوجي، وإن كانت الحرب الروسية على أوكرانيا قد أظهرت هذا الصراع في صورته العسكرية الأولية.

وبلا شك فإن كل تلك المتغيرات، سوف يكون لها ثمراتها الإيجابية والسلبية، ومن الصعب أن ينال طرف كل الإيجابيات أو كل السلبيات.

لكن وبلا شك أيضاً ثمة مستفيدون، فبعد الحرب العالمية الثانية، خرج كلا الطرفين المنتصر والمنهزم، بجراح أثخنتهما، وجعلتهما في وضع اقتصادي ضعيف، جنت ثماره أمريكا. واستطاعت بحكم بنيتها الاقتصادية القوية، أن تصنع قواعد النظام الاقتصادي العالمي الجديد، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم سيطرتها منفردة على مقدرات نظام العولمة الذي انطلق عقب عام 1990 وانهيار الاتحاد السوفييتي.

والمتابع للشأن العالمي على مدار فترة بداية أزمة جائحة كورونا، وكذلك اندلاع أزمة الحرب الروسية على أوكرانيا، يجد أن تركيا اتسمت بأداء اقتصادي إيجابي، سواء على صعيد المؤشرات الكلية للاقتصاد الحقيقي، أو تعاملها مع التداعيات السلبية تلك الأزمة.

ووسط الاضطرابات في العلاقات الاقتصادية لكل من أمريكا مع الصين وروسيا، وكذلك علاقات متوترة لأوروبا مع الصين وروسيا، فإن تركيا حافظت على علاقات مقبولة لدى هؤلاء المتصارعين، وإن كانت هناك ثمة خلافات حول بعض الملفات، فإنها لم تصل إلى مستوى خلافات وصراع باقي الأطراف، بل وجدنا دوراً تركيّاً للسعي لمحاولة إنهاء بعض تلك الصراعات، كما حدث في أزمة الحرب الروسية على أوكرانيا.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن تركيا مؤهلة كقاعدة إنتاجية، لتلبي جزءاً معتبراً من احتياجات أوروبا بشكل خاص، فيما كانت تعتمد عليه من استيراد من الصين وروسيا، بخلاف الطاقة التي كانت تمد بها روسيا أوروبا، وكذلك فإن تركيا تعد إحدى الدول التي تحظى بعلاقات اقتصادية وتجارية جيدة جدا مع أوروبا.

ومن هنا نجد أن الفترة القادمة سوف تتيح فرصة لتركيا، لتمثل بيئة اقتصادية ملائمة، على الصعيد العالمي، لتستقبل الاستثمارات الغربية والأمريكية بل والصينية والروسية، وبخاصة أنها تمتلك من المزايا التي تؤهلها لتلعب هذا الدور.

وفي يونيو 2021 التقى الرئيس التركي الطيب رجب أردوغان عبر اتصال مرئي، مع المديرين التنفيذيين لـ26 شركة عالمية تتخذ من أمريكا مقراً لها، ومن بين هذه الشركات، مايكروسوفت، وسيسكو، وهانيويل إيروسبيس، ونوفا باور سوليوشنز، وجونسون آند جونسون، وجوجل، وجنرال إلكتريك، وأنظمة فاريان الطبية، وبيبسيكو، وأمازون، وتشينير للطاقة، وسيتي، وبي جي، وركز الرئيس أردوغان في هذا الاجتماع على إمكانية التعاون مع هذه الشركات في مجالات الزراعة والطاقة والتمويل والصحة والتكنولوجيا والسياحة والطيران.

امتلاك قاعدة إنتاجية قوية

مرت تركيا بأوضاع سياسية واقتصادية متقلبة على مدار الفترة من 2016 وحتى 2021، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي، ولكنها استطاعت أن تعبر تلك الأزمات، وتحافظ على أدائها التصديري، بشكل إيجابي، ففي عام 2016 كانت الصادرات السلعية لتركيا، حسب أرقام معهد الإحصاء التركي، بحدود 149 مليار دولار، ولكنها وصلت في عام 2021 إلى 225 مليار دولار، على الرغم من وجود تبعات آثار جائحة فيروس كورونا، وكذلك أزمة التراجع الكبير في سعر العملة المحلية.

كما كان ذلك الأداء على صعيد الصادرات السلعية مصحوباً باستمرار زيادة معدلات النمو الاقتصادي الإيجابي، حتى بلغ في عام 2020، وهو عام جائحة كورونا 1.7%، وهو من المعدلات الإيجابية القليلة التي حدثت على مستوى دول العالم، وفي عام 2021 بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لتركيا 11%. كما انعكس ذلك على معدل البطالة إيجابياً حيث بلغ معدل البطالة 11.4% في نوفمبر 2021، وإن كان معدل التضخم يعد مرتفعاً بشكل كبير حيث بلغ 54.4% في فبراير 2022، ولكن ينتظر أن يتراجع التضخم في تركيا بشكل كبير في نهاية مايو/أيار 2022، بعد أن تنتهي موجة التضخم التي تستغرق عادة 6 أشهر.

مراعاة المواصفات القياسية

منذ فترة والمنتجات التركية تحرص على استيفاء المواصفات القياسية للأسواق الأوروبية، وهو ما أهل المنتجات التركية بشكل عام بالقبول في الأسواق الدولية، ووسمها بالجودة، وبالتالي فهي قابلة للتطوير بشكل دائم، ويمكنها تلبية احتياجات مختلف الأسواق، وبالنظر إلى الدول الـ20 التي تأتي على رأس الدول المستقبلة للسلع التركية نجد من بينها كلاً من المانيا، واميركا، وبريطانيا، واسبانيا، وايطاليا، وروسيا، والصين، فضلًا عن بلدان عربية مثل العراق والإمارات ومصر.

ويلاحظ أن ثمة توجهاً جديداً لدى تركيا، فيما يتعلق بزيادة التوجه نحو إنتاج السلع عالية التكنولوجيا، حيث تجلى هذا التوجه في منتجات السلاح، والذي ينعكس بشكل جيد، فيما بعد في توظيف هذه التكنولوجيا في الصناعات المدنية، وهو ما يعني أن القيمة المضافة للاقتصاد التركي قابلة للزيادة، وكذلك منتجاتها التصديرية.

وقد أتى هذا التوجه الجديد، للتوظيف التكنولوجي، نتيجة للتعاون بين المؤسسات الصناعية التركية، والجامعات ومراكز البحوث بها، وهو ما يؤشر على صوب مشروع التنمية بالدول التركية، ويدفع نحو المزيد من تحسين المنتجات التركية، وقدرتها على تلبية المزيد من الاحتياجات للسوق المحلي والأسواق الخارجية.

قدرة تركيا على استيعاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة

ترصد قاعدة بيانات البنك الدولي، أن تركيا كانت تتمتع باستقبال جيد لصافي تدفقات استثمار النقد الأجنبي على مدار الفترة 2003 – 2020، ففي عام 2003 كان نصيب تركيا من تلك الاستثمارات 1.7 مليار دولار، وكان أفضل أعوام تلك الفترة عام 2007 حيث تدفقت لتركيا من تلك الاستثمارات 22 مليار دولار، ثم تراجعت في عام 2015 إلى 19.2 مليار دولار، ولكن عام 2020 حيث جائحة فيروس كورونا، والتي أثرت بشكل كبير على تراجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية على مستوى العالم، نالت تركيا في هذا العام 7.6 مليار دولار، ولكن مع المرحلة القادمة في ظل أداء تركيا الاقتصادي، وكذلك دورها السياسي على الساحة الدولية، ينتظر أن تشهد تركيا المزيد من تلك الاستثمارات.

من الأفضل أن تمتلك تركيا خلال الفترة المقبلة خريطة واضحة ومحددة بالمشروعات، التي يمكن أن تساهم فيها تلك الاستثمارات، بعيداً عن توجيه الأموال لقطاع العقارات أو الإنشاءات، أو المضاربات بهما، فالقطاع الصناعي والزراعي يمثلان نقاط قوة لتركيا، وعليها أن تزيد من تلك المساحة، من خلال تطويرهما، وفق مقتضيات تكنولوجيا "النانو تكنولوجي" على سبيل المثال، وهو ما سيمكنها من توفير الكثير من الاعتماد على الطاقة التقليدية، وتوفير المزيد من المواد الخام.

والجدير بالذكر أن سفير أمريكا في أنقرة نظم مؤخراً مجموعة من اللقاءات لمستثمرين أمريكيين قرروا ترك روسيا بسبب الحرب هناك، لكي يزوروا تركيا ويقفوا على الإمكانيات المتاحة التي تساعدهم على بدء نشاطهم الاستثماري في تركيا.

واللافت للنظر أن شركات من بلدان عدة في أوروبا خططت بالفعل في وقت سابق لنقل أعمالها إلى تركيا، بعد أضرار نالت من أعمالها جراء أزمة كورونا، ومن هذه الشركات "إيكيا" السويدية للأثاث، و"إل إل بي" البولندية للملابس الجاهزة، (Boehringer Ingelheim) والألمانية للأدوية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي