مازالت ثورة 25 يناير تشكل مصدر إلهام للكثير من أبناء الشعب المصري في الوقت الذي مازالت فيه أيضاً تشكل مصدر قلق وتهديد لنظام عبد الفتاح السيسي الذي قاد الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي وهو من وافته المنية في السجن جراء الإهمال الطبي.

سألني صديقي قبل يوم من ذكرى الثورة: ماذا تبقى لكم من يناير؟ فأجبته بحماسة كتلك التي قادتني للميادين ظهيرة 25 يناير/كانون الثاني2011 أن 25 يناير ما ذهبت لنسأل عما تبقى منها. لأنها خُلقت لتبقى ولن تموت حتى وإن ماتت قياداتها، وتحول بعض رموزها للنقيض، وتبرأ منها قطاع ممن شاركوا فيها.

إنها لم تُخلق ولم تحدث ولم تقم لترتبط بأشخاص أو قيادات أو رموز، وإنما لتبقى شاهدة على الشعب الذي أراد إسقاط النظام ففعل، وصرخ في وجه الفرعون أن إرحل فرحل.

بقدوم الذكرى التاسعة نقترب من تمام عشرة كاملة، عشنا فيها الحلم وازدهاره، واستمتعنا فيها بالانتصار وزهوته، ووقعنا في عشق ميدان التحرير وزمرته، ثم انقسمنا واختلفنا وتناحرنا وألقينا بأنفسنا إلى العسكر ينفرد بهذا ويقتل ذاك حتى انقلبوا علينا وأثخنوا في الثورة جراحاً لم تندمل بعد. ونعتوها بكل نقيصة وسبوها بكل مسبة وقالوا عنها إنها مصيبة حلّت على مصر وأهلها، وكادت تودي بمستقبلها. وأقسم السيسي ألا تعود مصر لأيام يناير الثورة مرة أخرى.

ربما يرى البعض أن يناير لم يتبقّ منها إلا الذكرى؛ فقطاع كبير ممن شارك في ميدان التحرير قد تخلى عن أهداف الثورة ومبادئها وانحاز للسلطة إما خوفاً من البطش أو طمعاً في منصب داخل النظام.

وقطاع آخر قد ذهب لأبعد من ذلك أن شكك في الثورة بالأساس، وخرج معتذراً عنها نادماً على ما فعل؛ مبرراً مشاركته فيها بقصور فهمه، وانخداعه بشعارات جوفاء.

قطاع ثالث من شركاء الثورة قد انتهى بهم المطاف إما في سجون بناها النظام المصري منذ الانقلاب يقضي فيها أياماً وشهوراً وسنوات، لا لشيء إلا لتمسكه بأول هتاف في ميدان التحرير " عيش، حرية، عدالة اجتماعية".

وقطاع آخر وجد نفسه مطارداً داخل وخارج مصر. هروباً من اختفاء قسري أو اعتقال أو تصفية خارج إطار القانون. ولكن القطاع الأكبر والذي عايش انكسارات وهزائم ما بعد الثورة في السنوات التسع الماضية منهم من دخل في حالة اكتئاب حاد أفقدته توازنه وثباته الانفعالي. ومنهم من تملّك منه الإحباط بشكل جعله لا يرى أملاً في أي حراك، وأفقده الثقة في جدوى من أي مبادرة مطروحة. ولم يعد يعبأ بالأخبار التي تشير إلى دعوات ثورية جديدة لإحياء ذكرى يناير في الشوارع والميادين المصرية.

اللافت والمذهل أيضاً أن مساء العشرين من شهر سبتمبر/أيلول الماضي ومع خروج المصريين إلى الشوارع متظاهرين يهتفون بسقوط السيسي لأول مرة منذ سنوات طويلة، ومنهم من أحرق صورة الجنرال وسط ميادين المحافظات المصرية، قد شعر أبناء يناير في تلك اللحظة بتيار كهربائي يسري في عروقهم ودمائهم بشكل عنيف أيقظهم من إحباطهم المتراكم وأخرجهم من اكتئابهم الحاد الذي ظل لسنوات طويلة.

وكتبوا وصرخوا وتحدثوا عن يناير. كانت تلك اللحظة مفصلية لدى الجيل الذي آمن بيناير كما كانت لحظات حاسمة لدى النظام العسكري الحاكم. فعلى الرغم من حملات التشويه التي امتدت لأكثر من ست سنوات ضد الثورة ومن شارك فيها، ورغم حالة الانقسام والتشرذم التي تعيشها مكونات الثورة سياسياً وميدانياً، إلا أن شيئاً قد وحّدهم مرة أخرى وهو الأمل الذي تركته يناير في النفوس ليخبو مع كل هزيمة ويشتعل في القلوب مع كل بارقة أمل حقيقية.

معسكر الثورة المضادة متمثلاً في السعودية والإمارات أنفق مليارات الدولارات لدعم رجاله في مصر سياسياً وإعلامياً؛ ودبلوماسياً أيضاً. فساعد هذا المعسكر السيسي والمجلس العسكري في إجهاض الثورة المصرية في مهدها، والقضاء على أول تجربة ديموقراطية في البلاد والتي أتت بالرئيس الراحل محمد مرسي.

هذه المليارات نجحت في تثبيت أركان انقلاب يوليو/تموز 2013 بشكل ملحوظ في الأشهر الأولى. وما زالت هذه الأنظمة تحاول دعم السيسي ونظامه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

ولكن هناك معسكر آخر قرر عدم التخلي عن ثورات الربيع العربي، والإبقاء على ثورة يناير حية في النفوس. معسكر على رأسه تركيا وقطر واللتان تدفعان ثمن وقوفهما مع ثورات الربيع العربي وفي القلب منها يناير. إلى جانب تلك الدول وقبلها أو بعدها، فقد بات ليناير وثورتها إعلام يتحدث باسمها، ويدافع عن مبادئها، ويحرض الناس على استغلال أيّة فرصة لإسقاط هذا النظام.

إعلام، على حداثة عهده وضعف إمكانياته وقلة خبراته، إلا أنه بات سلاحاً حقيقياً تمتلكه أفكار ثورة يناير. ويعمل فيه المخلصون من مصر وغيرها من الدول العربية الذين أخذوا على عاتقهم أن يبقوا الثورات العربية حية في النفوس.

مواقع إخبارية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي ما زالت تكتب عن يناير في كل ذكرى، وفي كل يوم، ومع كل فرصة متاحة لإحياء الثورة في النفوس المنهكة. أُسر مصرية صابرة ثابتة تقف في طوابير الزيارة أمام السجون لرؤية ذويهم المعتقلين منذ سنوات. تلك الأسر على مرارة ما تعيشه وقسوة ما تعانيه إلا إنها خير دليل على ما تبقى من يناير من تمسك بالأمل وثبات على المبدأ ورغبة في تحقيق الانتصار.

خوف وهلع النظام المصري مع كل ذكرى وحملة اعتقالات عشوائية في كل المحافظات وقبضة أمنية مع إغلاق الميادين بشكل تام، وتوتر السيسي في كل مرة يذكر فيها ثورة يناير عمداً أو مصادفة، يطرح سؤالاً مهماً حول مدى خشية نظام السيسي من تكرار تجربة يناير.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي