في ظل المحافظة على المنطق ذاته من الصراعات الأيديولوجية بين التيارات السياسية التي كانت تغذيها الأنظمة السابقة، وفي ظل سعي النخب للبحث عن المنافع المادية فقط، فإن احتمالية إعادة إنتاج الأنظمة السابقة يصبح الاحتمال الأكثر واقعية.

ماذا جنينا من الثورة؟

سؤال تردد ولا يزال على ألسنة التونسيين وقد وضعه أتباع النظام المخلوع على الألسنة، ولكن ردده مثقفون كثر كانوا قبل الثورة محسوبين على المعارضة المعتدلة والراديكالية. هذا السؤال مفتاح لفهم فكر النخب وطموحاتها الفردانية بقطع النظر عن موقعها في السياسة.

لقد كان خلفية تشكيل الأحزاب الجديدة التي ألّفت جماعات سياسية صغرى ووضعت الانتخابات وسيلة والبرلمان والمراكز القيادية في الدولة أهدافاً أولى ومركزية قبل العمل على تغير جذري في مناويل التفكير والاقتراح وصناعة المستقبل.

لقد كانت الثورة اقتراحاً جذرياً لتأسيس دولة جديدة تنقض ما قامت عليه دولة بورقيبة، القائمة في جوهرها على دور الفرد الزعيم الذي يملك سلطة القرار وحده، ويقترح، ويأمر، فينفذ الجميع دون إبطاء.

وقد قاد الدولة حتى سقوطه بهذه العقلية الفردانية، ومنه ورث بن علي الأسلوب، واللغة الآمرة التي لا تستشير. وتبين أن جميع الزعامات المحسوبة سابقاً على المعارضة بكل أطيافها تفكر مثلهما، وترى في أنفسها الكمال السياسي والفكري، فلم تستمع إلى الثورة ولم تفهم مقترحاتها بالتغيير.

لقد كانت الثورة اقتراحاً جذرياً لتأسيس دولة جديدة تنقض ما قامت عليه دولة بورقيبة القائمة في جوهرها على دور الفرد الزعيم الذي يملك سلطة القرار وحده.

نور الدين العلوي

يمثل السيد نجيب الشابي النموذج الأمثل للزعيم البورقيبي المعتد برأيه، ومثله زعيم اليسار العمالي (حمة الهمامي) ومثلهما من تصدى للفعل السياسي بتكوين أحزاب جديدة. وآخر الملتحقين بصف الزعماء، على الرغم من الزعم الديمقراطي، محمد عبو الذي عاد ليعلن نفسه رئيساً قادماً قبل أن يوسع قاعدة حزبه إلى أوسع من العاصمة، وإلى أبعد من نخب الطبقة الوسطى من الموظفين الكبار والمهن الحرة.

ينطبق الأمر أيضاً على حزب النهضة الذي لم يفلح في تجديد قياداته التاريخية على الرغم من أنه أنجز مؤتمرين بعد الثورة، متذرعاً دوماً بالخشية من الاستئصال السياسي، كأن خلود القيادات هو الضمانة الكافية للنجاة.

كل هؤلاء يطرحون السؤال ذاته وإن بدرجات متفاوتة: ماذا جنينا من الثورة؟ وضميرهم المستتر خلف السؤال: ماذا جنت القيادات؟ بما يكشف عن عدم اهتمامهم بسؤال: ماذا يريد البلد من الثورة؟.

النقابات التي سرقت البلد من الشعب

قراءة مجريات العمل النقابي في تونس بعد الثورة مثال جيد لقراءة تفكير النخب التقليدية، ولو أنها تلبس لباس اليسار التقدمي. حولت النقابات في القطاع العام بالتحديد الثورة إلى مطلبية مجحفة لم تراعِ ضرورة تغيير المنوال الاقتصادي الذي دمر البلد منذ بداية السبعينيات.

كان هناك صراع قديم بين اليسار والإسلاميين زرعت بذوره السلطة منذ تبلوُر التيارين في السبعينيات. وكانت الثورة حركة تتجاوز هذا الصراع؛ إذ سار جميع منتسبي التيارين زمن الثورة صفاً واحداً. فلما انحرف منتسبو الثورة إلى التحزب والصراع الحزبي، وفاز الإسلاميون بالبرلمان سنة 2011، تمسك اليسار بالنقابات التي سيطر عليها قبل الثورة، واستعملها لإفشال كل عمل سياسي يقوده الإسلاميون حتى أسقط بالنقابة حكومة الترويكا.

انهار حزب النداء لأنه عاد بفكر التجمع الذي لم يعد يقنع أحداً بالانتماء إليه.

نور الدين العلوي

لقد كانت اللعبة مكشوفة فلم تكن المطلبية على جدول الثورة، لكن الصراع السياسي المحافظ الذي تقوده نخب محافظة أسقطها في حفرة التنازع المطلبي، وزاد الأمر سوءاً أن الثورة المضادة أوقعت بين التيارين بالاغتيالات السياسية المدبّرة بذكاء شيطاني. فلم يرتقِ أحد فوق النزاع التقليدي الذي كان سبب بقاء بن علي في السلطة لمدة ربع قرن.

المطلبية النقابية صارت خطة بنيت عليها الأحزاب الجديدة. فكل من شكّل كياناً سياسياً وضع قائمة مطالب مادية في برنامجه؛ يكشف عن فقر في التفكير، وفقر في التخطيط، وبعد عن الثورة المطالبة بالتغيير الجذري لمنوال التنمية.

وراء هذا النزاع بين قوتين تقليديتين في العمق سُمح للمنظومة المخلوعة بتأليف كيانها السياسي الجديد من أنقاض النظام القديم وفلوله الهائمة بلا رأس، ولا خطة فكان حزب النداء. والذي تذرّع بدوره بمطالب فقراء لم يستشرهم، وبكى رئيسه في حملته الانتخابية على امرأة لم تأكل اللحم منذ ثلاثة شهور.

فوجد كثير من الناس مصلحة في إسناده ولسان حالهم يقول ما دام السياسيون الثوريون يفكرون في مصالحهم فكيف لا أفكر مثلهم وأعمل على مصلحتي الفردية. من هنا عادت المنظومة إلى الحكم يقودها سياسي قادر على المناورة والكيد بخبرة سبعين عاماً من السياسة البورقيبية.

الانهيارات الجارية ثمرة العقل المحافظ

لا غرابة فيما يجري فمقدماته واضحة ونتائجه تتعرى كل يوم. ونحن على مشارف انتخابات جديدة نسمع ونرى إعادة إنتاج النظام بكل عوائقه البنيوية. بما في ذلك ارتباط الكيانات السياسية بالخارج وتواطئها ضد الثورة باسم الواقعية السياسية.

نشهد هذه الأيام انفجار الرفض لعمل الأحزاب من خلال تشكُّل جماعات مستقلة في ائتلافات تعلن الاستقلال عن الأحزاب وترغب في قيادة العمل السياسي.

نور الدين العلوي

انهار حزب النداء لأنه عاد بفكر التجمع الذي لم يعد يقنع أحداً بالانتماء إليه. ويتألف الآن حزب جديد ليجمع بنفس الأسلوب والبرنامج فلول المنظومة (حزب الشاهد/تحيا تونس)

توقفت الجبهة اليسارية عند حجمها الأول فلم تزد عليه لأنها مرابطة عند مطلب وحيد، تدمير الخصم الإسلامي وإخراجه من خريطة الفعل السياسي، ولو بإعادة تجربة الذبح المنهجي التي قام بها نظام بن علي.

تقلص حجم حزب النهضة الإسلامي لأنه لم يتميز بأي برنامج منتمٍ للثورة وإنما برر كل فظاعات النظام السابق باسم الحفاظ على كيانه الحزبي المهدد. لقد بالغ في الخوف لكيلا يتكبد مشقة قيادة تغيير حقيقي مطلوب في الشارع على الرغم من أنه عاين ميل الشارع إلى التغيير في 2011.

ونشهد هذه الأيام انفجار الرفض لعمل الأحزاب من خلال تشكُّل جماعات مستقلة في ائتلافات تعلن الاستقلال عن الأحزاب وترغب في قيادة العمل السياسي. وما اطلعنا عليه من أفكارها لا يختلف في شيء عن تفكير الأحزاب واقتراحاتها سوى أنها ترفض الانخراط بدعوى فشل الأحزاب.

إن إحدى أكبر علامات المحافظة السياسية هي الخوف بل الرعب من النقابة الشرسة في تونس التي تشكل مجموعة ضغط رهيبة تربك الجميع فيتجنبون الاصطدام بها. ويتوسع الرعب أمام بقية النقابات القطاعية كالأطباء والصيادلة التي تفرض مطالب قطاعاتها على النظام الصحي العام فينهار أمام القطاع الخاص وتصبح الصحة العامة ضحية أولى مثل إصلاح التعليم وإصلاح الجامعة ضمن منوال تأسيس دولة جديدة. فيما الجميع يتكلم زوراً عن الجمهورية الثانية.

لا جديد تحت شمس انتخابات 2019.

لن يتغير الوضع قبل الموعد الانتخابي ولا بعده ولو تغيرت تركيبة البرلمان بوجوه جديدة. بداية التغيير تبدأ بعمل شجاع ضد النقابات، وضد حكومات المناولة في وقت واحد والدعوة للعودة إلى مطالب الثورة.

انهيار حزب النداء ليس حدثاً في ذاته فالمنظومة المحافظة تعيد تشكيل نفسها في كيان جديد ممول من رؤوس الأموال والوجوه السياسية التي عادت مع الباجي نفسها.

إن إحدى أكبر علامات المحافظة السياسية هي الخوف بل الرعب من النقابة الشرسة في تونس التي تشكل مجموعة ضغط رهيبة تربك الجميع فيتجنبون الاصطدام بها.

نور الدين العلوي

لا جديد لدى الإسلاميين واليسار بكل شقوقه. فجميعهم يعيش صراعاته الاستئصالية بما في ذلك استعادة الصراعات الهوياتية التي يتقنون توظيفها في مثل هذه المناسبات الانتخابية.

محافظون وتقليديون وخائفون من التغيير الذي يبدأ بنقد ذاتي لما جرى منذ الثورة بل لما كان قبلها من خيارات فكرية وسياسية وتنموية وخاصة إلزام النقابات بحدودها دون خوف أو وجل.

تونس تتجه إلى نسخة ثانية من نظام بن علي. فليس لهذا النكوص من أفق غير إعادة إنتاج بن علي ونظامه، ما لم يقف مثقفوها وسياسيوها أمام مراياهم ليقولوا لأنفسهم لقد أفرغنا الثورة من مضامينها إذ تمسكنا بمنوال تفكير تقليدي ومحافظ وموروث من زمن الصراعات الإيديولوجية التي كانت تغذيها الأنظمة وتعيش منها. هذا النقد الذاتي مفتاح المستقبل ولكننا للأسف لا نرى عليه أية علامة. فالجميع يستعد للسلطة لا ليغير بل ليتمتع، ولكنها متعة حتى حين فرياح التغيير تهب من الجزائر وسيكون لها أثر عظيم في تونس.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي