ما الذي يحدث في مدينة الوردانين ؟ ما سر المداهمات الأمنية الليلية المكثفة التي يتداولها أهالي هذه المدينة الصغيرة الواقعة في منطقة الساحل التونسي ؟

ولماذا يكتنف الغموض الوقائع التي تجري هناك، بدءاً بالحديث عن مخازن الأسلحة، مرورا بوقف أحد رجال الأعمال النافذين، وصولاً إلى اعترافات خطيرة لأحد الضالعين في الأحداث الأخيرة؟

هل يمكن الحديث عن مخطَّطات لإشاعة الفوضى في تونس وإرباك مسارها الديمقراطي؟ وهل تكون هذه المدينة الوادعة منطلَقاً لعنف قادم لا سمح الله؟

هي أسئلة متواترة يطرحها الرأي العامّ التونسي اليوم في سياق تَسارُع الأحداث المتصلة بما يُعرف بقضية الوردانين.

واللافت حقّاً هو التعتيم الإعلامي الذي رافق كل ملابسات هذه القضية رغم خطورتها. وبالتزامن مع ذلك أمعن جُلُّ وسائل الإعلام التونسية في الاهتمام ببعض الأحداث الإجرامية، والإشاعات التي انتشرت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة.

ويحيل هذا التزامن المريب بين قضية الوردانين وملابساتها، وقضايا بالغة الإثارة على غرار مشادة كلامية بين إعلامية وفنان راب أدّت إلى مثول الأخير أمام القضاء، وقبلها واقعة وفاة شاب في ملهى ليلي والزج فيها باسم إعلامية مثيرة للجدل حضرت الواقعة، إلى الرغبة في التعتيم على خطورة ما يحدث في الوردانين والسعي إلى تضليل الرأي العامّ التونسي، والنأي به عن المخاطر الحقيقة المحدقة بالبلد عبر خلق قضايا رأي عامّ وهمية.

وهو ما حدا ببعض المتابعين إلى تفسير هذا الأمر بسعي ثلة من الإعلاميين إلى توجيه الرأي العامّ وتلهيته عن القضية المركزية الخطيرة التي هزّت المجتمع التونسي.

والحقيقة أن الوقائع تواترت بشكل لافت بين مفنِّد ومؤكّد، سواء من الجهات الرسميَّة أو من المواطنين الذين عاينوا بعض الأحداث، وآخرها تكثيف المداهمات الأمنية الليلية التي التي عاينها شهود عيان مؤخَّراً.

وقد جاء هذا بعد تصريحات إعلامية أدلى بها المدعوّ يوسف بن سالم، وهو الذي تم تداول اسمه في ملف القضية، وتَبيَّن أنه ضالع في بعض أعمال العنف التي شهدتها المدينة، واتسم ما جاء على لسانه بالخطورة البالغة إذ أكَّد وجود سيناريو مُحكَم لإشاعة الفوضى والبلبلة في كامل البلاد انطلاقاً من مدينة الوردانين التابعة لمحافظة المنستير في الساحل التونسي، يقف خلفه رجل الأعمال وصاحب النفوذ السياسي لزهر سطا.

وأفاد بأن شبكة أخطبوطية تنشط في هذه المدينة وتعمل تحت إمرة رجل الأعمال المذكور، كلفت بعض الشخوص بالقيام بأعمال شغب على هامش مباراة كرة القدم التي دارت بين النجم الساحلي والترجي الرياضي التونسي وتقوم بترويج المخدرات.

وليس هذا فحسب، فوفق إفاداته تقف هذه العصابة خلف تسفير عدد من الشباب التونسي إلى بؤر التوتُّر.

ومن أخطر الاعترافات الواردة على لسان يوسف بن سالم الشهير بكنية "شوشو"، أن رجل الأعمال المذكور دعا أتباعه إلى قتل أحد القضاة المتعهدين بقضية شهيرة مرفوعة ضدّه.

كما أمر بإحراق مقر حركة النهضة في مدينة الوردانين، وتم ذلك في صيف 2018 إبان الانتخابات البلدية. وقد تم سكب البنزين على عضو قائمة حركة النهضة التي فازت، وكان الهدف هو عرقلة المجلس البلدي.

وقد سبق تسارع هذه الأحداث القبض على رجل الأعمال المذكور والحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات في ما عُرف بقضية "أسمنت قرطاج"، إحدى الشركات المصادرة والتي كان ضالعاً فيها إلى جانب صهر الرئيس الأسبق بلحسن الطرابلسي.

ولأن الموضوع بالغ الخطورة فقد أعلنت النيابة العمومية بالقطب القضائيّ لمكافحة الإرهاب تَعهُّدها بالبحث في هذه التصريحات الخطيرة التي شملت تواتر أحداث في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ ثورة 2011 بمدينة الوردانين التي يبدو أنها كانت حاضنة لأعمال مشبوهة يقف خلفها عديد الأطراف التي تتقاطع مصالحها وتهدف إلى زعزعة الأمن في تونس والقضاء على مسارها الديمقراطي.

ولا تزال التحقيقات حتى اللحظة جارية في هذه القضية الحارقة التي يمكن وصفها بـ"عش الدبابير" نظراً إلى خطورتها وتشعُّبها وتَعقُّد الخيوط الناظمة لها، والتي تعود إلى شتاء 2011 عندما كان المدّ الثوري في أعتى تجلياته، وكان من الواضح أن بعض رموز الدولة العميقة قد عملوا على إفشاله على طريقتهم.

وإذا كانت هذه خلفية الأحداث التي تعود إلى سنوات خلت، فإن المستجدات اليوم بالغة الخطورة، واللافت حقّاً أن مُجمَل وسائل الإعلام يصمت عنها رغم تسارع الأحداث فيها مؤخَّراً، بخاصَّة مع انتشار بعض الفيديوهات المحذّرة من حدوث عمليات إرهابية والتي تؤكّد وجود مخازن أسلحة بهذه المدينة وضلوع رجال أعمال وشخصيات نافذة في عمليات بيع أسلحة لبعض الإرهابيين، وهو ما طرح نقاط استفهام كثيرة حول الظاهرة الإرهابية في تونس.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي