الداعية المسلم ذائع الصيت أحمد ديدات (Others)

وكأن الأقدار اختارت أن يأتي مولد الداعية الجنوب إفريقي من أصول هندية، أحمد حسين كاظم ديدات، الشهير بأحمد ديدات، سابقاً لنهاية الحرب العالمية الأولى بأربعة أشهر فقط، ليكون مولده -كما مسيرته الدعوية- فارقاً بين حقبتين في عالم كان وما زال يمور بأشكال الصراع السياسي القائم على بسط النفوذ بالوسائل العسكرية المباشرة أو بوسائل الترهيب والضغط الأخرى.

وبينما كانت القوى المنتصرة في الحرب الأولى ترتب أوضاعها وتعيد تقاسم النفوذ بينها، هاجر حسين كاظم والد أحمد من الهند، التي كانت مستعمرة بريطانية، إلى جنوب إفريقيا التي اختارها عدد من البلدان الاستعمارية حينها، موطناً دائماً لفئة من مواطنيها، ومضت تعيد صياغة وتوزيع مجتمعاتها الأصلية ليتلاءم وضعها مع ما يتطلبه استقرار المستوطنين الجدد. وحين بلغ التاسعة من عمره لحق أحمد بوالده في جنوب إفريقيا ليبدأ مشواراً جديداً في حياته لم يتصوره الكثيرون ممن عرفوه في صباه الباكر.

سيجد المتأمل في سيرة أحمد ديدات أنها تشبه الكثير من سير العظماء والمؤثرين في زمانهم، فقد نشأ يتيم الأم وتربى مع والد فقير واختار في سن مبكرة أن يترك مقاعد الدراسة النظامية ويعمل لإعانة والده وإعالة نفسه، ومع هذا فإن شغفه للعلم والمعرفة لم يتوقف، إلى أن بلغ ما بلغ من الشهرة التي عمّت الآفاق.

وبين هذا وذاك سيجد المتأمل في سيرته نموذجاً فريداً للبذل والعطاء والإخلاص لشأن الدعوة والذود عن حياض الدين الإسلامي ودحض الشبهات التي يثيرها المغرضون عن الإسلام وعن نبيه صلى الله عليه وسلم، بل حتى عن الكتب السماوية الأخرى وبخاصة الإنجيل والتوراة.

هيأت أقدار الله لأحمد ديدات، وهو صبي يبيع الملح في متجر بمدينة ديربان بجنوب إفريقيا، فرصة استفزت انتماءه للإسلام حين بدأ بعض زملائه الذين تأثروا بمدارس التبشير والتنصير يطعنون في سيرة رسول الإسلام وكونه متعدد الزوجات ويشككون في القرآن، فقاده عجزه الآني عن الرد وتفنيد هذا الباطل، إلى مشوار تعلم ذاتي بدأ في تلك السن المبكرة، ولم يتوقف حتى وفاته وهو شيخ في السابعة والثمانين من العمر.

وقد بدأ هذا المشوار -كما يحكي هو- باقتناء نسختين باللغة الإنجليزية من القرآن الكريم ومن الإنجيل، وانكبّ على دراستهما والمقارنة بينهما، وتعززت قدراته في الفهم والمقارنة حين رحل إلى باكستان عام 1949م بغرض العمل في تنظيم معمل للنسيج، وعثر هناك على نسخة من كتاب "إظهار الحق" لمؤلفه رحمت الله الكيرواني الهندي، الذي تمت طباعته مرتين في إسطنبول، أولاهما في حياة مؤلفه في سنة 1284 للهجرة.

فبدا أحمد ديدات كأنه عثر على ضالته، كما يروي في إحدى المقابلات الصحفية، بخاصة أن مؤلف الكتاب، الذي تصدى للرد على حملات التنصير في بلاد الهند والتي أفسحت المجال لها القوى الاستعمارية ممثلة في بريطانيا، قد كرّسه لإبطال ما جاء في تلك الحملات التنصيرية من تحريف للإنجيل ومن إبطال التثليث وإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكون القرآن هو كلام الله.

قبل أن يبلغ سن الأربعين، كانت قدرات أحمد ديدات في الخطابة والدعوة والمناظرة قد برزت ونضجت، فأسس، في بداية الخمسينيات معهد السلام لتخريج الدعاة ثم المركز الدولي للدعوة الإسلامية في بلاده جنوب إفريقيا، وبدأ إنتاجه الفكري، فأصدر كتيبه الأول "ماذا يقول الكتاب المقدس عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟"، ثم نشر بعد ذلك أحد أبرز كتبه "هل الكتاب المقدس كلام الله ؟".

وقد بلغ مجموع مؤلفاته من الكتب نحو 22 كتاباً، طبع الملايين منها ووزعها مجاناً، لكن شهرته لم تأت فقط من مؤلفاته الفكرية وإنما جاءت أكثر بسبب آلاف المحاضرات التي ألقاها في حياته في مختلف أنحاء العالم ومن المناظرات التي قام بها مع أشهر القساوسة.

ومثلما طبع ملايين النسخ من كتبه ووزعها مجاناً، فعل كذلك بمحاضراته ومناظراته، وكان من أشهر مَن ناظرهم ديدات مِن رجال الدين المسيحي القس كلارك والقس الأمريكي جيمي سواجارات والقس أنيس شروش، كما ناظر السفير الإسرائيلي في جنوب إفريقيا في الستينيات ودحض حجته عن "أرض الميعاد".

وبالتزامن مع نضوج أفكار وقدرات أحمد ديدات، كان أسلوب القوى الاستعمارية الغربية في بسط هيمنتها على العالم قد تغير، من أسلوب الهيمنة المباشرة إلى أسلوب الهيمنة الثقافية والفكرية، وكانت تلك القوى -وما تزال- تعتبر أن التحدي الذي يواجهها في بسط هيمنتها هو تمسُّك المسلمين بعقيدتهم ودينهم، ولعله لهذا السبب استمرت حملات التغريب والتنصير وسط العالم الإسلامي وفي القارتين الآسيوية والإفريقية، الأمر الذي استفزّ أصحاب الغيرة على دينهم، من أمثال أحمد ديدات، فانبروا للتعريف بالإسلام من جهة ولدحض حجج المشككين وأصحاب الغرض من جهة أخرى.

لكن الذي ميز أحمد ديدات من الكثيرين غيره هو أسلوبه في الدعوة القائم على المقارنات والمناظرات، وأداؤه الخطابي المميز ومخاطبته للعقل الغربي بالمنطق واللغة اللذين يفهمهما، وبطرح الأسئلة الجريئة المتصلة بأصل العقيدة المسيحية المحرَّفة.

لم يكن أحمد ديدات (الحائز في سنة 1986م على جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام والمسلمين) داعية تقليدياً ولا محلياً، إذ لم يكن تركيزه على التحدي الذي يواجهه مواطنوه من الملونين ومن السود في جنوب إفريقيا، بل كان مدركاً أن الإسلام هو الرسالة الخاتمة والصالحة لكل زمان ومكان، ومدركاً كذلك لطبيعة الأساليب المستحدثة لهيمنة القوى الغربية، ولمحاولاتها المستمرة لبسط تلك الهيمنة، ولعله لهذا اختار أسلوب محاورة ومناظرة رموز من الكنيسة الغربية في عقر دارهم ووسط جمهورهم.

كما كان مهتماً بالإعلام وبما يشغل الرأي العامّ من القضايا الكبرى، ولهذا كان خطابه وموضوعاته متصلة باهتمامات الناس خاصة النخب الفكرية، ويشار في هذا الصدد إلى متابعته للشبهات التي أثارها سلمان رشدي في روايته حول الإسلام وردود ديدات على ما جاء في تلك الرواية من خلال المحاضرات التي قدمها في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وطبعها عقب ذلك في كتيبات بأكثر من لغة.

لقد شكّلَت سيرة أحمد ديدات وأسلوبه في الدعوة أحد أبرز النماذج الناجحة في القرن العشرين، فقد كان ابن عصره من حيث أسلوبه في الدعوة، كما نذر حياته في سبيل ذلك بالحسنى والمنطق والحجة القوية، متسلحاً بالمعرفة، وكان شديد الاعتداد بدينه والحماسة للدفاع عنه وإزالة ما يثار من شبهات في وجه معتنقيه، وسيبقى إرثه الفكري وسيرته العطرة زاداً لجميع الدعاة وهم يتصدون لنشر قيم الفضيلة وللذود عن الإسلام ورسالته الخالدة في وجه الحملات التي تستهدف النيل منه.

كما ظلّ وفيّاً لما يؤمن به حتى خلال فترة مرضه التي امتدت لتسع سنوات، إذ توفاه الله في الثامن من أغسطس 2005م بجنوب إفريقيا، تاركاً خلفه إرثاً ضخماً من المؤلفات والمحاضرات والمناظرات الصالحة للقراءة والاستماع والمشاهدة في كل الأزمنة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً