وافقت السعودية على إعادة نشر القوات الأمريكية على أراضيها بعد انسحابها قبل 16 عاماً بعيد غزو العراق. يأتي ذلك في ظل تصاعد التوتر في الخليج مع إيران.

في ظلّ التوترات المتصاعدة في الخليج، وفي سياقات التسلح المحموم للملكة العربية السعودية، فوجئنا بقرار عودة القوات الأمريكية للأراضي السعودية، بعد أن وافق الملك سلمان على استضافة القوات الأمريكية.

القيادة المركزية الأمريكية قالت: إن القوات الأمريكية، المارينز، ستذهب إلى قاعدة الأمير سلطان الجوية، بالتنسيق وبطلب من القيادة السعودية.

بين "وافق الملك سلمان" و"بطلب من الملك" الفارق ليس كبيراً، لأن الراجح أن السعودية في ظل التوترات الإقليمية تشعر "بالحاجة القلقة" إلى مزيد من الحماية الأمريكية.

ستة عشر عاماً من الغياب: تَغيَّرت أشياء مهمة

انتهى الوجود العسكري الأمريكي في السعودية في أغسطس 2003، أي بعد سقوط بغداد، وفي حينه، أي في أثناء الوجود الأمريكي العسكري، واجه الحكم في السعودية ضغوطاً داخلية من رجال الدين (تصاعد الغضب الشعبي)، وأسفر الأمر عن مواجهات مسلحة مع بعض التنظيمات.

من هنا وجد الحكم في الرياض نفسه مضطرّاً إلى تقديم طلب تَفهَّمه الأمريكان بخروج القوات الأمريكية، ناهيك بانتهاء الخطر العراقي وعدم نضوج الحالة الإيرانية إلى ما هي عليه اليوم.

وجود القوات الأمريكية في الأراضي السعودية قد يجعلها هدفاً لعمليات انتقامية إيرانية لا سيما في حال جرت مواجهة شاملة.

عمر عياصرة

منذ عام 2003 إلى اليوم تغيرت أشياء كثيرة في الداخل السعودي، فمجتمع الأمراء تم تجريفه وإنهاء تنوُّعه لمصلحة وليّ العهد محمد بن سلمان، كما تبدو المؤسسة الدينية أقل قدرة على التأثير بسبب الضربات الأمنية والتحولات الاجتماعية القاسية التي تبناها وليّ العهد.

صفعة كبيرة لصفقات السلاح

أثار قرار استقدام القوات الأمريكية للأراضي السعودية أسئلة كبيرة عن كفاءة الرياض في الدفاع عن نفسها، كما وضع صفقات السلاح التي عقدتها المملكة بالمليارات موضع شك وريبة ونقد.

السعودية ثالث دولة في العالم شراءً للسلاح، وقبل أشهر أعلن عن صفقة مع واشنطن قيمتها ثمانية مليارات دولار، وقبل ذلك كانت تتوالى أرقام خيالية وُضعت في خدمة التسلُّح.

أين كل هذا السلاح؟ لماذا لا يحمي الحدود ويحقق الردع؟ فمنذ قدوم الرئيس الأمريكي ترمب للبيت الأبيض تتوالى الصفقات، وشتان بين استراتيجية "الصدأ في المستودعات" ونيران المعركة الحقيقية.

أيضاً، عودة القوات الأمريكية إلى قاعدة الأمير سلطان الجوية شكّلَت صفعة أخرى للصورة التي يحاول وليّ العهد، رسمها عن نفسه وعن السعودية، باعتبارها قوة عسكرية مهيمنة في المنطقة منذ دخوله حرب اليمن.

قوات متواضعة أم ستتراكم الأعداد؟

نقطة مهمة لا يمكن تجاهلها في مسألة عودة القوات الأمريكية للسعودية، تتعلق بالعدد المتواضع الذي أعلن عنه إلى الآن، فالحديث يجري عن خمسمئة مقاتل أمريكي، وهو رقم ليس بالكبير. وهنا نسأل عن العدد النهائي المحتمَل وعن قيمة الوجود في حال بقي في حدوده الدنيا.

في حال بقيَت الأمور على الأرقام المتواضعة، عندها يمكننا فهم عودة القوات الأمريكية من باب الحضور للداعم النفسي لصالح الملكة في مواجهتها مع إيران ومع الحوثيين.

وبعض المراقبين يرجّح أن تكون هذه الدفعة من القوات الأمريكية بعددها المتواضع، ستقتصر مهمتها على تدريب السعوديين، وتقديم خبرات تقنية تساعد في استخدام صواريخ "ثاد" الدفاعية، وذلك لتحصين الأجواء السعودية من هجمات الحوثيين التي فشلت الرياض في مواجهتها إلى الآن.

تقديري أن أعداد القوات الأمريكية لن تقف عند حدود هذه الدفعة، والسبب أن واشنطن في عودتها إلى السعودية عسكريّاً ستقوم "بتسليع" فكرة الحماية وتحقيق الفوائد الاقتصادية الكبيرة ثمناً لذلك، لا سيما أن المجتمع السعودي لم يعُد يشكّل خطراً على هذه القوات.

إيران .. كيف تراقب المشهد؟

الوجود العسكري الأمريكي المتنامي في المنطقة، هدفه إيران، وهو موجَّه إليها بالدرجة الأولى، وطهران تدرك ذلك، فحاملة الطائرات وطيارات البي 52 العملاقة أرسلت برسائلها دون وسيط أو عناء لفك الطلاسم.

عودة قوات المارينز الأمريكية إلى الأراضي السعودية غير مبررة ومخجلة وتُظهِر العربية السعودية في مرتبة أقل من إيران بل تؤكّد عجزها أمام الحوثي.

عمر عياصرة

هنا نسأل: هل وجود قوات أمريكية في الداخل السعودي سيرعب إيران، أو يجعلها أقل رغبة في استهداف السعودية بحال جرت مواجهة شاملة بين واشنطن وطهران؟

في تقديري، إيران لن تتأثر بوجود هذه القوات، حتى الحوثيون لن يثنيهم الجنود الأمريكيون في قاعدة الأمير سلطان الجوية في منطقة الخرج، عن استمرار حربهم على الرياض مستخدمين الطيارات المسيرة والصواريخ البالستية.

لكن هناك نقطة مهمة لا يمكن تمريرها، وهي أن وجود القوات الأمريكية في الأراضي السعودية، قد يجعلها هدفاً لعمليات انتقامية إيرانية، لا سيما في حال جرت مواجهة شاملة، وهنا ستتحول الغاية القادمة من جلب القوات الأمريكية إلى نقمة وخاصرة رخوة لا يستهان بأثرها.

ماذا لو تفاوضت إيران مع أمريكا.. وتمّ الاتفاق؟

سؤال المليون الذي غفلت عنه الرياض، متجاهلة قيمة الفكر الاستراتيجي بعيد المدى، ومتعلقة بمنطقها المرحلي، هذا السؤال عنوانه: ماذا لو جلس الإيرانيون والأمريكان إلى طاولة التفاوض؟

ماذا لو خرجوا بتوافقات في الملف النووي وربما بأمن إسرائيل، وتم تجاهل الخليج؟ ما الموقف حينئذ؟ وما مصير قاعدة الحماية الأمريكية عندها؟

ألا تراقب الرياض رفض دونالد ترمب لمنطق الحرب والمواجهة الشاملة؟ ألا تراه وهو يقرر أن التفاوض سيكون المصير النهائي لهذه المواجهة؟

ختاماً.. عودة الحماية مُخجِلة وغير مبرَّرة

عودة قوات المارينز الأمريكية إلى الأراضي السعودية غير مبررة، ومخجلة، وتُظهِر العربية السعودية في مرتبة أقل من إيران، بل تؤكّد عجزها أمام الحوثي.

مملكة محمد بن سلمان أثبتت عجزها عن الخروح من تحت عباءة الولايات المتحدة الأمريكية في الموضوع العسكري المباشر رغم كل الصفقات الباذخة للسلاح.

عمر عياصرة

والأخطر أن الكلفة المالية لكل ذلك تتحملها الرياض، أكثر من سبعين مليار دولار سنويّاً تُصرَف في اليمن، وقواعد عسكرية تابعة لرئيس أمريكي يعرف كيف يحلب الكتف قبل الضرع، هذا ناهيك بأن الحبل على الجرار.

والأشدّ خطراً أن مملكة محمد بن سلمان، أثبتت عجزها عن الخروح من تحت عباءة الولايات المتحدة الأمريكية في الموضوع العسكري المباشر، رغم كل الصفقات الباذخة للسلاح.

من هنا يمكن القول إن الرياض تعود للحماية الأمريكية، وإن إيران مطمئنة لعدم نضوج السعودية عسكريّاً، لذلك فالمعادلة لا تزال في طور السكون للأسف.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي