أصبحت الجامعة بمثابة المعمل الاجتماعي الذي يُجرَى فيه اختبارات إعداد المواطنين وفق قوانين السوق الحرة، التي تستلزم وجود قلّة من المنتجين الأذكياء، وجيوش من جنود الاستهلاك وخدمه.

في واقعنا الراهن، أصبحت الجامعة بمثابة المعمل الاجتماعي الذي يُجرَى فيه اختبارات إعداد المواطنين وفق قوانين السوق الحرة، التي تستلزم وجود قلّة من المنتجين الأذكياء، وجيوش من جنود الاستهلاك وخدمه، في إطار جعل الطلاب مجرد "منتجاتٍ للإرادة الاقتصادية والسياسية المهيمنة".

وعلى وجه مناقض لما تخبرنا به نظرية "الليبرالية الجديدة" من عدم تدخل الدولة في حرية السوق، فإن تاريخ تنفيذ سياساتها في جميع المجتمعات التي تبنّتها أو فُرضت عليها، ارتبط بشكل وثيق و"فج" بنظام الدولة المركزية، أي "بعسكرة كل فضاءات المجال العام"، لضمان أمان عملها التوسعي والاستغلالي بدون مقاومة، ما غيّر وظيفة الدولة، وحرّرها من التزامها بمفهوم الرفاة الاجتماعي، وحولها إلى شُرطي السوق، وتزامن ذلك مع الدخول في حروب معولمة بالوكالة، ونزاعات طائفية وحدودية شرعنت حكم الطواريء، وأمّنت استمرارية عسكرة جميع وجوه الحياة المدنية وتسليعها.

ولما كان التعليم -لاسيما الجامعي- أحد أهم فضاءات المجال العام بدون تبرئته من أيديولوجيا الدولة على النحو الذي بينه " لويس ألتوسير" وغيره، فإنه على مدار تاريخه، كان قاعدة نضالية للعمل السياسي، وتنمية الحس المشترك للخلاص الجماعي، وساهم طلابه بفعالية ثوراتهم واحتجاجاتهم في تغيير السياسات والأنظمة بما لا يدع مجالاً للحصر هنا؛ لذا حرصت الدولة بصفتها الوظيفية المبينة أعلاه، على تعطيل فاعلية التعليم الجامعي كأداة للوعي السياسي ومن ثمّ المقاومة، بتحويله إلى حيز استثماري يخضع لقوانين السوق من عرض وطلب، وتنافسية على "ندرة" المجال الوظيفي الآمن، ودجّنته بتسليعه وتجريده من قيمته المعنوية.

ساهمت الدولة في شيوع ثقافة مؤدلجة ومفاهيم جعلت من الخلاص الجماعي أسطورة لا يمكن أن تتحقق.

إيمان النمر

وعلى خُطى سياسة "العصا والجزرة"، التي تتضمن وجود قدر من القبول النفسي الذاتي للسياسات المفروضة، ساهمت الدولة في شيوع ثقافة مؤدلجة ومفاهيم جعلت من الخلاص الجماعي أسطورة لا يمكن أن تتحقق، كما نشرت روحاً عدمية تنفي إمكانية الفرد في تغيير العالم، وأعادت بناء هويته بمقدار قيمته الاستخدامية، وقياساً على انتمائه الطبقيّ وقدرته الاستهلاكية، ومساهمته في بناء "ثروات الأمة" وتشريفها أمام المجتمع الدولي، الذي يتطلب تمكين الدولة دون مساءلة تخصّ تنفيذ برامجها الاقتصادية المعولَمة التي يقودها صندوق النقد والبنك الدوليين.

وبنزوع أبوي ردعي، تقولب العقل على أن ساحات الجامعة للعلم وإنتاج مهنيين للسوق "اللي عايز يشتغل سياسة يروح يدور على الحزب اللي هو عايزه بره"، بحسب تصريح الرئيس السادات عام 1971، هذا التصريح الساداتي الذي تجاوزت رمزيته مستوى الزمن والحدث، يمكن القول بأنه كان نصاً تدشينياً أعلن بداية حقبة تاريخية جديدة، حملت شعار "الانفتاح الاقتصادي منقذنا من الإفلاس" بحسب تعبيره.

تلك السياسة الساداتية التي تمّ اعتمادها على مدى عقود، كان معادلها الرمزي الذي ثبت تحقق صيرورتها، هو حادث انتحار اليسارية أروى صالح (1951-1997)، بعد مرور عاماً واحد على نشر كتابها "المبتسرون" دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية، الذي أعلنت به موت كل آمال جيلها التقدمي.

ومثّل المدّ الثوري الذي سُمي "بثورات الربيع العربي" الحدث الاستثنائي الذي كشف بيقين، عوار تلك المنظومة، وأحيا كل الآمال، لكنْ ما أعقبه من سياسات رجعية مضادة، وصراعات يمينية، أعاد إنتاج جيل آخر من الثوار المبتسرين الذين لم تكتمل أحلامهم -لا مشروعاتهم-؛ لأنهم كانوا بلا مشروعات، وهذا حديث آخر.

حرص النظام السياسي على استمرارية إفقار الفكر بوساطة أساتذة الجامعة أنفسهم الذين اخُتيروا على أساس الولاء السياسي وملفهم الأمني وعلاقات المحسوبية.

إيمان النمر

وتقاطعت السياسة السبعينية من جديد، على نحو أشدّ ضراوة مع سياسة ما بعد الثورات؛ إذ توالت تصريحات المسؤولين "بأن لا سياسة في الجامعات، نحن نحارب الإرهاب، ونحتاج للاستقرار حتى تنجح انطلاقتنا الاقتصادية المنتظرة"، كما أن الحدث الثوري أخبر النظام بأنه في حاجة إلى المزيد من عسكرة المجال العام واقتصاداته، وفي ظل هذا الجو المشحون بالخوف والتوتر، جرى استهداف الحراك الطلابي الوليد بشكل ممنهج على جميع الأصعدة.

وعلى المستوى الأمني الذي يتطلّب بالتبعية استخدام العنف المادي في حال عدم الرضوخ، شددت الدولة على معايير المراقبة والانضباط، بداية من إعادة الحرس الجامعي في شكل شركات الأمن الخاصة، مروراً بزرع المخبرين السريين بين صفوف الطلاب، وصولاً إلى معاقبة المخالف بالاعتقال والسجن بوصفه عنصراً مخرّباً.

أما على الصعيد الاقتصادي؛ جرى التوسع في الاستثمار التعليمي وتسليعه، كما تم تكبيل الطلاب بمزيد من المصروفات الدراسية الخاصة بإجراءات التسجيل والالتحاق، وجعلها شرطاً لتأدية الاختبارات، وكشف النتيجة، عدا الارتفاع الجنوني الذي أصاب المصروفات الأخرى المتعلقة بثمن الكتب والأدوات التعليمية المساعدة، ورسوم التنقل، والسكن الجامعي، والدورات الخارجية الاجبارية؛ ما أرهق الأسر المعيلة، ورفع معدل الإنفاق على التعليم، وعمّق إحساس الطالب بالولاء الأبويّ الذي يستوجب عليه ألا يخاطر بانخراطه في عمل سياسي يجلب المتاعب، ويضيع جهد الأسرة في تعليمه.

شددت الدولة على معايير المراقبة والانضباط بداية من إعادة الحرس الجامعي في شكل شركات الأمن الخاصة مروراً بزرع المخبرين السريين بين صفوف الطلاب.

إيمان النمر

أما فيما يتعلق بكيفية تكوين رأس المال الثقافي؛ فقد حرص النظام على استمرارية إفقار الفكر بوساطة أساتذة الجامعة أنفسهم الذين اخُتيروا على أساس الولاء السياسي وملفهم الأمني، وعلاقات المحسوبية، دون النظر إلى ضحالة فكرهم، ما ساهم في إنتاج عقول منزوعة السؤال والنقد، والقدرة على بناء أو صياغة رؤية متماسكة من شأنها إحداث أي تغيير واقعي حتى في حال الثورة على النظام؛ أي مجرد هبّة شعورية تهدد الظاهر ولا تغير الأساس.

هكذا تُستدعى القوانين الساداتية كي تعيد بناء "المواطن السليم" بحسب قدرته على الطاعة والالتزام بالصمت، ومن خلال تلك الدورات، يُروج لمشروعات الدولة الاقتصادية، وتُعمِّق أشكال الوطنية "الشوفينية" بإعادة إنتاج البطل الأسطورة الذي يحمي البلاد والعباد من الأخطار والمؤمرات.

ارتباطاً بكل ما سبق، تنامى بين الطلاب، الفئة العمرية التي تشكل أكبر شريحة سكانية الآن الإحساس بالإحباط والاغتراب والسخط المكبوت الممنوع من التعبير، وجرى تفتيت الفرد واختزال قيمته في اشباع تطلعاته التحررية والاستهلاكية التي يروجها السوق، ثمّ على نحو مناقض يُجبره حارس السوق على الولاء لجماعته ونظامه، وهو ما انعكس بالسلب على قضايا المواطنة، وساهم في تدعيم الطائفية والقبلية الاجتماعية.

لكن ثمّة أمل ربما في الأشكال التعبيرية التي نعدها سلبية، مثل عزوف الشباب عن التصويت الانتخابي؛ لأنه يُعتبر توبيخاً غير مباشر للنظام أمام المجتمع الدولي الذي يستمد منه الشرعية والاعتراف، كذلك المقاومة الرمزية وممارسة الاستنكار بواسطة "الهاشتاجات" و "الكوميك الساخرة" والمدوّنات الالكترونية، وعن طريق تدوين العبارات الاعتراضية الحادة على جدران منشآت الجامعات وأبوابها؛ بما يعني أن الذات لم تفقد قدرتها على مقاومة تسليعها بالتمام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي