في واحدة من أكبر التطورات التي تشهدها المنطقة منذ عقود، أغتيل قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، بعد استهداف سيارة كانت تقله بواسطة طائرة أمريكية، بالقرب من مطار بغداد الدولي.

العالم كله شعر بالقلق حيال العملية. فالاغتيال أشبه ببرميل بارود قد يفجر حرباً إقليمية، لا تفرق بين الأخضر واليابس، وستكون تداعياتها سلبية على العالم بأسره.

هذه الضربة أهم وأخطر من عملية قتل أسامة ابن لادن، زعيم تنظيم القاعدة. كما أنها أهم أيضاً من عملية النيل من أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم "داعش".

تداعيات الحديث جواب الأهمية

قاسم سليماني، وكيانه فيلق القدس، يتبعان لدولة ثقيلة إقليمياً. لذلك من جهة التداعيات المحتملة تبدو الأمور خطيرة، فالاستهداف أصاب كيان مدعوم من دولة. وهو كيان مختلف عن القاعدة وداعش.

الجانب الآخر هو أن الاستهداف لسليماني يأتي والجمهورية الإسلامية الإيرانية بخير، إي أنها لا زالت تحتفظ بقوتها وعلاقاتها وتحالفاتها. بينما ابن لادن والبغدادي قتلا في مرحل "أفول" التنظيمين وتراجع قدراتهما.

بوضوح يمكن القول إن قتل سليماني يعني استهداف القائد الأساسي لشبكة تقودها طهران، فيها عشرات الآلاف من المقاتلين، في جميع انحاء المنطقة، وهؤلاء هم الاشخاص الذين يسعون لانتاج الحضور الامبراطوري للدولة الايرانية.

العالم قلق من التداعيات. والوسطاء يتحركون. والخليج العربي يقف على أصابع أقدامه، كل ذلك يجعلنا نلمس الفارق الشاسع بين عملية اغتيال قاسم سليماني وعملية اغتيال ابن لادن والبغدادي.

قتل سليماني مادة للتجاذب داخل أمريكا 

ضمن ردود الفعل في الداخل الأميركي، هناك فارق كبير بين مقتل سليماني وبين مقتل ابن لادن والبغدادي. فالاجماع والاشادة بمقتل زعيمي داعش والقاعدة لم يحظ بهما ذات الفعل الموجه للزعيم الايراني.

هناك اجماع أميركي، على أن قتل زعماء تنظيم القاعدة وداعش، هو استحقاق أميركي يستحق الاشادة والفخر، وأن رصيد إي إدارة يزيد ايجابية مع قتل هؤلاء.

بمعنى، لا يمكن لأي أميركي أن يظهر اعتراضاً أو امتعاضاً أو حتى تخوفاً، على قتل ابن لادن والبغدادي. فالحالة العامة الجامعة تقول إن الأمر يستحق الاشادة.

في حالة سليماني الأمور مختلفة، فرغم أنه وتنظيمه يعتبران في التصنيف الأميركي ضمن قوائم الإرهاب، إلا أنه صدرت ردود فعل لا ترحب بعملية الاغتيال وتحذر منها.

والسبب هو أن حالة ايران وسليماني تعتبر سياسية أكثر منها أمنية، وتداعياتها مختلفة ومنطقها عقلاني أكثر، وهنا نفهم سبب الفارق في ردود فعل المجتمع السياسي الاميركي على الحادثتين.

هل إيران فاعل عقلاني؟ 

فارق آخر بين سليماني وايران، عنوانها طبيعة ردود الفعل المحتملة وامكانية ضبطها. فالقناعة الأميركية تقول إن إيران كيان عاقل براغماتي يمكن التفاهم معه.

وهذا يفسر أن واشنطن بعد قتل سليماني قد أرسلت بوسطاء ورسائل لتحذير طهران من مستوى الرد على قتل سليماني. فهي على قناعة بأن ثمة طرف عاقل، وثمة طرف يمكن الحديث معه.

في حالة القاعدة وداعش، هناك قرار أميركي بعدم التفاوض معهم. معنى ذلك أن لا خيار إلا المواجهة الأمنية والعسكرية. ومن هنا ايضا نفهم فوارق حقيقة في رد الفعل الأميركي والدولي على عمليتي القتل.

بين قتل في البواكير وقتل في الخواتيم

 فارق لافت بين حالة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، وحالة ابن لادن والبغدادي، قائدا تنظيمي القاعدة وداعش، والفارق يأتي من جهة توقيتات الاغتيال وحالة التنظيم التابع له المقتول لحظة اغتياله.

فسليماني يموت وجماعته ( الدولة الايرانية، والاذرع الاقليمية ) في اوج قدرتها وعطاءها، وقادرة على الرد والاشتباك، كما انها قادرة على توظيف موته سياسياً.

أما ابن لادن والبغدادي، فعملية القتل جرت بعد ضمور تنظيمهما، فالعمليات جرت لكلا الرجلين وهما معزولين ووحيدين، مما يجعل كلفة العمل اقل وتأثيراته السياسية غير مهمة.

من جهة مماثلة تبدو قصة الاختراقات الامنية متشابهة، فالجهد الاستخباراتي الاميركي ينجح دائما، وكلا الطرفين "سليماني وابن لادن" يقعان في الفخ.

ردود الفعل الدولية بين الترحيب ومصطلح عمل طائش

بعد اغتيال ابن لادن والبغدادي والزرقاوي، أيدت كل دول العالم دون استثناء عملية الاغتيال. واعتبر الجميع أن العالم بات أكثر أماناً.

هذا الاجماع سببه يعود إلى أن الجميع منخرط في مكافحة الإرهاب. وهذا الجميع يخاف من تلك التهمة المعلبة "داعم للإرهاب" التي صدّرتها أميركا. فلا استثمار إلا بقبول العمليات والترحيب بها.

أما في قضية قاسم سليماني ورفاقه، فاتهامات الإرهاب، غير وجيهة، وغير متفق عليها بل هي مجرد خصوصية أميركية لم تتجاوز بعض الدول المعدودة على أصابع اليد.

لذلك غاب مصطلح الإرهاب عن ردود الفعل الموافقة او المعترضة، وهذا يفسر لنا عدم اتفاق جميع الدول على تقييم الخطوة الأميركية باغتيال القائد الإيراني.

انفعالات الرأي العام العربي 

في حالة قتل سليماني انقسم الرأي العربي إلى معسكرين، أحدهما احتفل بمقتل سليماني على اعتبار جرائمه ضد الطائفة السنية في سوريا والعراق.

آخرون اعتبروا قتله خسارة وجريمة، وهؤلاء أقرب لمحور إيران "المقاومة سابقا" وهناك جزء يسير في الرأي العام العربي لا يريد أن تفرح إسرائيل، ولذلك كان موقفه مستاء من موت الرجل.

في حالة البغدادي، عند مقتله، لم نجد راياً عاماً عربياً رافضاً، ولم يكن محتفلاً، لكنه كان موافق على العملية، فالانقسام غائب والقضة أقل أهمية.

ختاماً، يمكن القول إن أميركا تستبيح الساحات وتقتل كما تريد. فالعراق وسوريا وباكستان وغيرها، أصبحت مناطق صيد حر لواشنطن، مما يجعلنا نقول أن ملاعب العرب والمسلمين مستباحة ولا نملك إلا الأسف.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي