تتأهّب الدول الأوروبية لعقد مؤتمر برلين حول المسألة الليبية، وهو اختيار له حمولة تاريخية تُحيلنا على العام 1884 حين اجتمعت القوى الإمبريالية آنذاك، وبدعوة من بسمارك لتوزيع إفريقيا بين الدول الاستعمارية.

وما أشبه اليوم بالأمس، فمُعظم الدول العربية غارقة في حروب شبه أهلية تُغذيها وتشارك فيها قوات إقليمية أو دولية لا تخفي وجهها في ستّ دول على الأقل، وهي العراق وسورية وليبيا واليمن والصومال والسودان، وبقية الدول العربية إما تخوض حروباً بالنيابة أو تتعرض لمحاولات إفشال ديمقراطيتها الناشئة أو تواجه مخططات الانفصال والإرهاب.

ورغم اعتراف الأمم المتحدة بحكومة فايز السراج، فإنّ الولايات المتحدة أعلنت الحياد في الصراع العسكري الدائر على الأرض بين قوات الحكومة الشرعية ومليشيات الجنرال حفتر، وهذا موقف غريب من أكبر دولة في العالم تَزْعُم الدفاع عن الشرعية الدولية.

والأغرب منه موقف بعض الدول الأوروبية التي تتهمها طرابلس بتسليح مليشيات خليفة حفتر؛ كما لم تتورّع ثلاث دول عربية عن الدعم العسكري والمشاركة في الأعمال الحربية إلى جانب الجنرال حفتر ضدّ الحكومة الشرعية. أما روسيا فقد اعتمدت مقاربة شبيهة بما قامت به في إقليم الدّونباس شرق أوكرانيا وعند ضمّها لِشبه جزيرة القرم، فلجأت إلى نشر قوات مرتزقة تابعة لشركة "فاغنر" الخاصة حتى تتهرب من أية مسؤولية.

أمام هذا الحصار وفي ظلّ الهجوم الذي تقوده مليشيات حفتر منذ أبريل/نيسان للسيطرة على العاصمة طرابلس لجأت حكومة السرّاج إلى طلب الدعم الأمني والعسكري من تركيا بعد أن قوبِلت طلبات مماثلة بالإِعْراض من طرف الدول الغربية والعربية. وما إن وقّع الطرفان في السابع والعشرين نوفمبر/تشرين الثاني على مُذكّرة تعاون عسكري، وأخرى لتحديد مناطق السيادة البحرية، حتى سارعت معظم العواصم الغربية والروسية إلى معارضة الاتفاق بشدة، وبلغ الأمر بالأوروبيين حدّ إصدار قرارٍ بفرض عقوبات على أنقرة، خلال قمتهم الأخيرة في بروكسل. فما الذي يجعل مواقف أوروبا والولايات المتحدة وغريمهما الرّوسي تتوحّد ضدّ تركيا التي يُفترض أنها بلد حليف وعضو أصيل في منظمة النّاتو؟

بالنسبة للموقف الروسي، قد يكون مفهوماً أن تسعى روسيا إلى إعادة ليبيا إلى دائرة نفوذها كما كانت عليه خلال الحقبة السوفياتية، خاصة وأن النفط الليبي يشكل ورقة رابحة لكسب نقاط إضافية في معركة السيطرة على سوق الطاقة في أوروبا، حيث تستحوذ موسكو على حصة 40% من استهلاك الغاز الطبيعي في القارة العجوز. وعلى المستوى الجيوسياسي يمنح موقع ليبيا في البحر المتوسط إمكانية زرع قواعد عسكرية متقدمة تحاصر بها الحلف الأطلسي الذي طعن روسيا في الخاصرة بعد توسعه نحو بلدان أوروبا الشرقية ونشره للصواريخ في دول البلطيق.

أمّا أمريكا فقد تكون بصدد استدراج روسيا إلى فخّ التمدد العسكري في نقاط مختلفة من العالم قصد استنزافها اقتصادياً وإرهاقها مالياً، وبالتالي إعادتها إلى المربع الذي كانت فيه عشية انهيار جدار برلين؛ وقد تكون التحركات الروسية المثيرة للقلق أوروبياً مدخلاً لدقّ إسفين في العلاقات الروسية الأوروبية بغرض إلغاء مشروع "السيل الشمالي الثاني" الذي سيزيد من تبعية ألمانيا للغاز الروسي، وهو مشروع تعارضه واشنطن بقوة لأنها ترغب في تزويد أوروبا بالغاز الأمريكي المُسال.

فيما يخص أوروبا، قد يكون موقفها مبنياً على قاعدة "عَدُوّ عدُوّي صديق"، فبالإضافة إلى العداء الكلاسيكي بين تركيا واليونان، لا تخفي باريس انزعاجها من أنقرة كُلّما سنحت لها الفرصة؛ وقد بدا ذلك واضحاً في معارضتها أحداث منطقة آمنة شمال سوريا، وقبل ذلك في ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وأخيراً بسبب اقتنائها منظومة دفاعية روسية؛ ولا ننسى الخطوة الاستفزازية حين أصدرت فرنسا قانوناً يتهم الدّولة العثمانية بارتكاب مجازر ضدّ الإنسانية في حق الأرمن بداية القرن العشرين؛ وهناك الكثير من الملفات الشائكة الأخرى ومن بينها الهجرة واللاجئون دون أن نستبعد الخلفية الأيديولوجية المُناهِضة لتوجّه الرئيس أردوغان.

غير أنّ النزاعات والصراعات بين الأمم غالباً ما تحكمها الخلافات حول المصالح الحيوية والاقتصادية وإن تمّ تَمْويهُها بأقنعة أخرى؛ ولعلّ استغلال حقول النفط والغاز التي تمّ اكتشافها مؤخراً شرق البحر المتوسط، من بين أهم العوامل التي قد تُساعدنا على فهم هذا التّحامل الدولي، بما فيه المصري ضدّ الاتفاق التركي الليبي. وهذا أيضاً ما قد يُفسّر التحركات المكثفة في العواصم الأوروبية لعقد مؤتمر برلين، بعد أن شهد الملف الليبي تواطؤاً على تجميده وعرقلة مخطط الأمم المتحدة المنبثق عن اتفاق الصّخيرات.

فهل تسعى الدول الغربية وروسيا إلى إبقاء ليبيا فريسة "للفوضى الخلاّقة" حتى تنتهي من تقسيم "كنز" شرق البحر المتوسط؟ أم أنّها تسعى فعلاً إلى نشر السلام والديمقراطية كما فعلت من قبل في العراق وأفغانستان وسورية؟ فلننتظر مؤتمر برلين لعلّه يحمل إلينا جواباً.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي