سيذهب التونسيون إلى صندوق الاقتراع مرة أخرى وهم سعداء بتعديد مواسم الانتخاب منذ الثورة. والفرحون منهم يباهون بقية الأقطار العربية وشعوبها بهذه الأعراس الانتخابية المتتالية.

ولا نجد مسوغاً لإفساد فرحتهم (وغرورهم) ولكن الأسئلة الضرورية تطرح نفسها على اللحظة التاريخية الراهنة، بماذا تذهبون إلى الصندوق؟ أي ما الأفكار الجديدة التي ستصنعون منها السياسات العامة للتقدم بالبلد نحو ديمقراطية مستقرة ودائمة ومنتجة؟

نرى أن ليس هناك من تجديد وأن الخطاب يتشابه في الكثير من المواضع بل يتطابق في أخرى ويتماثل حتى كأن قائليه من حزب واحد وليسوا من أحزاب متنافسة. لماذا لا ينتج التونسيون مشاريع حكم جديدة؟ هذا شاغل المقال.

الوجوه القديمة لها أفكار قديمة

كل الوجوه السياسية التي مارست الحكم في سنوات ما بعد الثورة تعود لتقترح نفسها على الناخب التونسي. حتى إن الإعلامي الساخر (جو شو) حولهم إلى مسخرة في قناة العربي. ليس في هؤلاء من سأل نفسه وقد فشل سابقاً ماذا سيقدم من جديد؟.

هذا مؤشر لفهم باقي السلوك السياسي. ليس المهم أن تقدم أفكاراً ومشاريع جديدة، بل المهم أن تمسك الموقع الإداري (رئيس دولة أو نائب برلماني سيان) بكل أنواع الخطاب الحالم والرومانسي أو السفسطائي ،ثم يكون ما يريد السياسي لا ما ينتظر الجمهور. وقائمة الأعذار نفسها، الضغوط الخارجية واستشراء الفوضى والتواكل الشعبي والقائمة طويلة وجاهزة.

لم نقرأ لمن حكم منذ ثماني سنوات نقداً ذاتياً عميقاً لتجربته واستخلاص الدروس منها وتبيان أسباب الفشل، ولو فعل أي من هؤلاء لاعتذر عن العودة.

سبب الفشل الحقيقي أن ليس لأي من هؤلاء مشروع للحكم بل سياسة تدبير اليومي طبقاً للموجود من القوانين والسياسات السابقة. لقد أعادوا إنتاج نظام بن علي بكل عيوبه، والأسوأ أنهم يتهمون بعضهم بذلك (فهو عار) ولا يخجلون من أنهم فعلوا الشيء نفسه بدرجات مختلفة من الفشل.

المرزوقي منتج أفكار أعزل

الدكتور المرزوقي، الرئيس السابق والعائد بدوره، أنتج أفكاراً وتوجهات سياسية جديدة. وهي نقطة قوته الوحيدة. ومن أفكاره الدبلوماسية الاقتصادية النشطة في أفريقيا وفي آسيا، وفتح الحدود بين بلدان المغرب العربي تحت اسم الحريات الخمس.

وقد كان تعرض لسخرية مؤذية يوم اقترح هذه الأفكار في انتخابات 2014. نُسيت هذه الأفكار في سنوات الباجي العجاف ثم فوجئنا بتحولها إلى مشروع كل المترشحين الجدد. حتى ظننا أن الكعبة المشرفة قد نقلت إلى الكامرون أو نيجيريا. ولأن سارقي الفكرة لا يعرفون عمقها فإنهم يرتبكون عندما يُسألون ماذا تفعل مع الاتحاد الأوروبي إذا انفتحت على عمق اقتصادي أفريقي جديد؟.

في لحظة السؤال يتمثلون فائدة البقاء تحت المظلة الفرنسية فلا يجدون الجواب بل يتراجعون.

أما فكرة الانفتاح على آسيا فإنها تجر إلى علاقة محتملة مع تركيا النمر الاقتصادي القريب. ويكفي لأي صحفي صغير أن يقول للمرشح إن علاقة مع تركيا تعني التودد للإسلاميين، أو التذيل السياسي لحزب النهضة فيفقد المرشح قدرته على الرد. لأنه بكل بساطة ليس مؤمناً بما يقول وإنما هو يؤلف لملء فراغ الدعاية قبل استلام المنصب ومواصلة سياسة التبعية.

في خضم منافسة بلا أفكار ضاعت أفكار الدكتور المرزوقي أو تشتتت بين مدّعيها بما أفقده مبادرته وهو المفكر الوحيد في قائمة المتقدمين.

الاستئصاليون يكمنون في الدولة العميقة

يلبسون طاقية إخفاء مؤقتة ويوجهون من وراء ستار. ثم يظهرون في الموعد الانتخابي ليعيدوا توجيه الخطاب نحو المعركة الأزلية التي يتقنونها، أي القطيعة مع الإسلاميين وجرهم إلى المحاكم وتصفيتهم على طريقة بن علي، ولم يفقدوا الأمل أبداً في تونس بلا إسلاميين.

ألّف هؤلاء جماعة سياسية سموها (قادرون) ولكنهم فشلوا في تقديم مرشح منهم لبأس بينهم شديد. لذلك اختفوا ثم ظهروا بعرائض مساندة لمرشح المنظومة القديمة الذي حوّل خطابه فجأة مئة وثمانين درجة.

فبعد أن أعرب السيد الزبيدي عن استعداده للعمل كرئيس مع حكومة نهضوية رجع إلى خطاب قديم يربط فيه بين الإسلاميين وجهازهم السري وتنظيمهم للاغتيالات السياسية. هذا التحول حدث بعد وصول عريضة المساندة من النخبة نفسها التي بنت حزب النداء للباجي وأوصلته إلى السلطة سنة 2014، فلم يماشِها في الحرب على الإسلاميين.

يغادر وزير الدفاع التونسي عبد الكريم زبيدي الوسط، بعد تقديم ترشيحه للانتخابات الرئاسية المبكرة المقبلة في تونس العاصمة. الأربعاء 7 أغسطس/آب 2019. 
يغادر وزير الدفاع التونسي عبد الكريم زبيدي الوسط، بعد تقديم ترشيحه للانتخابات الرئاسية المبكرة المقبلة في تونس العاصمة. الأربعاء 7 أغسطس/آب 2019.  (AP)

فظلوا يتحركون في خلفية عمله وداخل القصر كمستشارين غير رسميين ودفعوه إلى تقديم قانون تعديل المواريث الذي فشل في تمريره فأعادوه إلى النقاش وصار كل مرشح يتعرض لاختبار (هل أنت مع القانون أو ضده)، بما حصر النقاش في نقطة واحدة وضيع كل إمكانية لاختبار المرشحين في مجالات السياسة الخارجية والدفاع وغيرها من صلاحيات الرئيس.

هؤلاء المثقفون لا يملكون غير هذا المشروع، والدولة وأجهزتها ليست عندهم إلا وسيلة لتصفية الخصم السياسي والأيديولوجي الذي مرق من سُم الخياط، وبقي حياً على الرغم من كل المكائد الاستئصالية.

ولا ضير عندهم أن يظل التونسي البسيط يعيش هذا الصراع كل يوم ما دام هناك احتمال أن يقضوا على عدوهم الداخلي. أما الأزمة الاقتصادية الماحقة فلا تمسهم لأنهم يتمتعون بفيء الدولة دون رقيب. إنهم كامنون في مفاصل الدولة يعيدون توظيفها بلا أفكار جديدة على الرغم من أنهم يدّعون الثقافة.

الانتخابات في تونس لا تعني ولادة دولة جديدة

الاستبشار بالانتخاب والمزايدة على عرب الدكتاتوريات ليس كافياً لإنتاج دولة جديدة، وهو إلى الآن يشتغل كتعزية ذاتية لأفراد فقدوا الأمل في التغيير بواسطة هذه النخبة الماثلة أمامهم التي لا تريد أن تخلي مواقعها ولا تملك أن تتطور. ودليلنا على ذلك شتاتهم أمام المنظومة العائدة بقوة المال والحيلة والغدر.

نائب رئيس حزب النهضة ومرشحها للانتخابات الرئاسية المقبلة عبد الفتاح مورو، اليسار، ورئيس حزب النهضة راشد الغنوشي، خلال لقائه أعضاء الحزب في تونس، الجمعة 30 أغسطس/آب 2019. 
نائب رئيس حزب النهضة ومرشحها للانتخابات الرئاسية المقبلة عبد الفتاح مورو، اليسار، ورئيس حزب النهضة راشد الغنوشي، خلال لقائه أعضاء الحزب في تونس، الجمعة 30 أغسطس/آب 2019.  (AP)

يرى المرشحون الذين يعلنون الانتماء إلى الثورة أنهم يعبرون عنها وعن مطالبها في التغيير العميق ولكنهم يرون المنظومة التي أسقطتها الثورة تعود بقوة.

ويعرف هؤلاء ويصرحون بأن القضاء عليها يجري باجتماع المنتمين إلى الثورة ولكن لا أحد من هؤلاء بادر بخطوة في اتجاه الآخرين. والجميع ينتظر أن يأتيه الآخرون دون أن يزن نفسه فعلاً في الميزان الشعبي.

إن شتاتهم الظاهر في المنافسة من جنس عجزهم عن توليد الأفكار الجديدة لدولة جديدة بخيال جديد منتمٍ فعلاً إلى الثورة. ولذلك فهم لا يختلفون عن المنظومة مثلما لم يختلفوا في ما سبق من سياستهم عنها. وما هم إلا أسماء مختلفة بلا مشروع ولا برنامج إلا ما يخدم ذوات الأفراد النرجسية.

وهنا وجب على كل عاقل أن يخفض سقف التوقعات بالتغيير الذي ستأتي به الانتخابات التونسية ويجب أن ننتظر قراءة مبررات الهزيمة ومنها اتهام كل مرشح للآخرين بعدم التنسيق معه والسير خلفه.

لقد كتبنا سابقاً أن انتخابات 2019 تؤذن بتغير منظومة الحكم ولم تكن لدينا المعطيات المتعلقة بعدد المرشحين ونوعية خطابهم المكرر من زمن ما قبل الثورة والذي نسمع الآن فنخيب ونبتئس، ولعلنا نعتذر قريباً عن الآمال المفرطة التي علقناها عليهم ونوطن النفس على العيش دهراً طويلاً تحت منظومة بن علي التي لم تفقد قدراتها المالية ولا وسائلها الدعائية ولا ارتباطاتها المافيوية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي