تمر هذه الأيام الذكرى الثالثة لتولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العرش في السعودية على إثر الإطاحة بولي العهد السعودي السابق محمد بن نايف. وقد أثيرت حول ابن سلمان الكثير من الاتهامات كان على رأسها تورطه ف ي اغتيال جمال خاشقجي.

قد تكون مناسبة تعيسة أن يتزامن اليوم العالمي للاجئين مع الذكرى الثالثة لتنصيب محمد بن سلمان وليّاً للعهد في السعودية إثر انقلاب القصر الذي قاده ضد ابن عمه محمد بن نايف الذي كان يشغل حينذاك منصب ولاية العهد. إن مكمن التعاسة هنا هو أن محمد بن سلمان قد ساهم في تأجيج أزمة اللاجئين العالمية من خلال الحروب العبثية التي يخوضها في غير ساحة من ساحات الوطن العربي، من اليمن إلى ليبيا.

إن الحرب الذي يشنّها محمد بن سلمان في اليمن على سبيل المثال قد تسببت في نزوح ما يقرب من 3.6مليون يمني، وبات اليمن على أثرها يعاني أفظع مشكلة لجوء في العالم هذه الأيام، فضلاً عن المآسي الأخرى التي يقاسيها اليمنيون جراء هذه الحرب التي جاءت من أجل أن تستعيد لهم الشرعية المغتصبة من قبل الحوثيين، وهي الجماعة المدعومة إيرانياً، إلا أنهم وجدوا أنفسهم في أتون السياسة السعودية التي أفضت إلى جعل بلدهم نهباً للجوع والأمراض والتفرقة والتقسيم.

في بداية الأمر ربما احتفى الكثير من السعوديين، وربما الكثير من العرب من خلفهم أيضاً، بهذا الزعيم الشابّ الذي بالكاد بلغ العقد الثالث من عمره، في مشهد يقطع مع تاريخ المملكة الذي اتصف بتولي القيادات الكبيرة والهرمة مقاليد الحكم.

لقد كان يؤمل أن يعكس صورة مغايرة عن السعودية الشابة والفتية خصوصاً مع الأجندة الإصلاحية التي جاء مبشراً بها، ووعود الانفتاح التي قطعها على نفسه. ولكن هذه الصورة التي أُريدَ أن تكون نضرة سرعان ما تلاشت مع السياسات الرعناء التي انتهجها هذا الشاب الذي بات يوصف في الأوساط الغربية بأنه الولد "الغبي والمتهور".

لقد عزز وصول محمد بن سلمان النزعات السلطوية في السياسة الداخلية، إذ بات يتحكم في مفاصل الدولة بيد من حديد بعد الإجراءات الصارمة التي اتخذها سواء ضد معارضيه من العائلة المالكة أو النخبة المقربة منهم، أو ضد دعاة حقوق الإنسان والناشطين الديمقراطيين في السعودية.

وهذه السياسة استطاعت أن تقوّض تماسك العائلة أو الصورة التي كانت العائلة حريصة أن تظهر بها أمام شعبها من ناحية التفاهم والانسجام. كان خبر حبس الأمراء ورجال الأعمال في فندق ريتز كارلتون في الرياض بداية عام 2018، والترهيب الذي تعرضوا له، والمبالغ المالية الطائلة التي دفعوها في سبيل إطلاق سراحهم (بلغت نحو 400مليار) صدمة لكل السعوديين والعرب على حد سواء.

وفي الوقت الذي جادل فيه مقاربون بأن هذه الخطوة ما هي إلا زلة أو قفزة من ولي العهد الشاب وأنها لن تتكرر مرة أخرى، جاء محمد بن سلمان ليبرهن على خطئهم، وليؤكد أن هذه هي سياسته المتبعة مع جميع الأصوات المناوئة له داخل العائلة، إذ قام باعتقال عدد من كبار قادة العائلة مرة أخرى في مارس/آذار من عام 2020، كان منهم على سبيل المثال عمّه أحمد بن عبد العزيز، وابن عمه ولي العهد السابق محمد بن نايف.

سياسة البطش وتكتيم الأفواه لم تكن مقتصرة على أبناء العائلة الحاكمة أو النخبة السعودية، بل امتدت بطبيعة الحال إلى كل المعارضين والنشطاء بغضّ النظر عن انتماءاتهم السياسية والفكرية. إن جميع المفكرين وقادة الرأي والإصلاح الذين رفضوا أن يصطفُّوا في طابور المطبلين والمصفقين للأمير الشاب قد تم الزج بهم في السجون.

وإن كان مقال من هذا القبيل خارج نطاق إحصاء جميع المعتقلين، فإنه يكفي النظر إلى قضية الداعية المعروف سلمان العودة الذي اعتُقل على تغريدة له دعا فيها إلى الإصلاح بين القادة الخليجيين، أو الناشطة لجين الهذول المدافعة عن حقوق المرأة في القيادة، أو عبد الحامد الناشط الإصلاحي الذي قضى في السجن إثر تعرُّضه لإهمال طبي متعمد، والعشرات وربما المئات غيرهم.

لقد فهم الأمير الشابّ، أو فُهّم، بأن الإصلاح لا يعني الإصلاح السياسي بالضرورة، أو الانفتاح على مكونات الشعب، وحفظ حقوق الإنسان وحرية التعبير. بل الإصلاح هنا يعني الإلهاء، ومن هنا انبرى الرجل في تشجيع الحفلات الراقصة، والنوادي الماجنة، وألعاب التسلية من قبيل المصارعة الأمريكية وغيرها، وباتت هيئة الترفيه تحظى باهتمامه الأوسع، وبذلك بات يأخذ المجتمع السعودي المحافظ في الاتجاه المعاكس تماماً، الأمر الذي وضع تقاليد المجتمع وأعرافه على المحكّ، وأثار حفيظة شرائح واسعة من المجتمع السعودي.

حولت سياسة محمد بن سلمان الداخلية السعودية إلى مملكة الخوف، وبات الحديث ولو من بعيد عن الأمير مدعاة للاعتقال والتعذيب والاغتيال. هذا ما دلّت عليه قضية الكاتب والصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي قام فريق مرتبط بمحمد بن سلمان باغتياله وتقطيعه في قنصلية بلاده في إسطنبول، وهي القضية التي صدمت العالم، وبعثت برسائل واضحة عن الحقيقية المروعة التي يمثلها محمد بن سلمان في الحكم.

لقد كان وصول محمد بن سلمان إلى الحكم عاملاً مزعزعاً للاستقرار، ليس على الصعيد الداخلي وحسب وإنما على الصعيد الخارجي أيضا. فالحصار الذي ضربته السعودية مع الإمارات والبحرين على قطر أثر بشكل كبير في مجلس التعاون الخليجي الذي يعد المظلة الإقليمية الوحيدة الناجحة في العالم العربي، وبذلك بات الخليج يعاني من نافذة ضعف يتم استثمارها واستغلالها من قبل الدول الإقليمية، والدولية على حد سواء. يكفي النظر إلى سياسة "الحَلْب" التي يتبعها الرئيس ترمب مع السعودية، عندما بات يخاطب ملك السعودية بكل صلافة "أيها الملك، عليك أن تدفع"!

لقد مثلت علاقة محمد بن سلمان بصهر الرئيس دونالد ترمب جاريد كوشنر صمام الأمام الذي أبقاه بعيداً عن المحاسبة الدولية. وسرّ العلاقة هنا لا يقتصر على التمويلات المالية على غرار صفقات الأسلحة التي بلغت مليارات الدولارات، بل أيضاً على السياسة الانفتاحية التي ينتهجها محمد بن سلمان تجاه إسرائيل.

فالرجل لا يمانع من التطبيع مع إسرائيل بغضّ النظر عن سياسة الأخيرة تجاه الفلسطينيين. وهذا واضح من خلال موقف الرياض من صفقة القرن التي باركتها منذ لحظاتها الأولى، وسكوتها عن مشاريع الضمّ وربما المباركة لها من تحت الطاولة، وفريق المطبعين السعوديين الذين باتوا يتصرفون بحرية في الفضاء العامّ دعوةً للتطبيع مع إسرائيل.

بسبب هذه السياسات فإن الأمير الشاب قد ضحى بالكثير من الصداقات على المستوى الدولي، في حين اكتسب الكثير من العداوات وأصبح منبوذاً في الكثير من الدول، ولذلك أصبح يخشى السفر خصوصاً إلى الغرب خوفاً من تعرضه للاعتقال.

يقف الرئيس ترمب استثناءً من ذلك، إذ ما زال الرجل يراهن به، ويعمل على التستر عليه. ولا يستطيع أحد التنبؤ بمستقبل بن سلمان إذا ما غادر ترمب البيت الأبيض نهاية هذا العام، ولكن بكل الأحوال سيكون موقفه أكثر صعوبة، وهو الأمر الذي قد يدفعه إلى اتخاذ خطوة جريئة وينقلب على والده ليصبح الملك قبل فوات الأوان.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي