كان ظهور تنظيم "داعش" محطة فارقة في الثورة السورية، حيث ساهم في تحويل مسار الأحداث وتوصيفها في سوريا إلى لافتة "مكافحة الإرهاب" خصوصاً للدول الإقليمية والدولية.

ورغم هزيمته وإعلان مختلف الأطراف عن هزيمته ونهاية مشروعه في سوريا والعراق. إلا أنه مازال في بؤرة اهتمام بعض الدول.

في مقدمة هذه الأطراف تأتي الولايات المتحدة الأمريكية التي تسوِّغ دعمها المستمر لوحدات حماية الشعب في سوريا بمحاربة داعش، والتي، رغم إعلانها عدة مرات على لسان رئيسها نيتها الانسحاب من الأراضي السورية، ما زالت مهتمة بملف معتقلي داعش وعائلاتهم. ولذلك تحديداً كان هناك تعويل أمريكي على إلزام لأنقرة بالملف على هامش التفاهمات التي أبرمها نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس مع الرئيس التركي أردوغان لوقف عملية نبع السلام في الشمال السوري.

حينها، أكد ترمب أهمية الملف بالنسبة لبلاده، وغمز من قناة الدول الأوروبية التي ترفض استلام مواطنيها الذين انضموا لداعش وتريد إبقاءهم في سجون تنظيم YPG في سوريا المصنف لدى تركيا إرهابياً، أو محاكمتهم خارج حدودها. لم يتضمن نص التفاهمات التركية - الأمريكية ما يتعلق بمعتقلي/مقاتلي داعش بشكل مباشر، لكن المسؤولين في واشنطن قالوا إن تركيا ستهتم بهذا الملف، وهو ما وعد الجانب التركي بدراسته.

كانت تلك خطوة جريئة من تركيا لسحب تلك الورقة من يد تنظيم YPG الذي تصنفه أنقرة إرهابياً والذي بدوره راهن عليها طويلاً، بل وتمادت في التهديد بهذا الملف وصولاً لإطلاق سراح بعضهم، ورغم ذلك، يبقى الملف شائكاً وملغوماً من عدة زوايا؛ فمن جهة للملف أعباؤه الأمنية وارتداداته المحتملة على تركيا، ومن جهة أخرى لا تضمن أنقرة كيفية تعامل الأوروبيين معها في عملية إعادة مواطنيها.

أدركت أنقرة، فيما يبدو، أهمية الملف بالنسبة لواشنطن وكذلك كونه كنزاً معلوماتياً واستخباراتياً، ولذلك لم تتوان في إثبات جدارتها بمتابعته، بدءاً من التعاون في تصفية البغدادي ومروراً بإلقاء القبض على أفراد مقربين منه، وليس انتهاءً بملف تسليم بعض المقاتلين الأجانب لبلادهم.

كان ذلك الاختبار الأصعب لتركيا، إذ كان معلوماً أن معظم الدول الأوروبية ترفض استلام مواطنيها من المنضمين لداعش تحت ذريعة أنها سحبت منهم الجنسية، وبالتالي لم تعد ملزمة باستلامهم ومحاكمتهم أو استقبال عوائلهم، لكن تركيا كانت مُصرّة على ذلك.

منذ اللحظة الأولى أكد وزير الداخلية التركي سليمان صويلو أن بلاده لن تقبل بهذه المواقف وأنها ليست "فندقاً لأي طرف لاستقبال المنضمين لداعش"، مؤكداً أنهم سيتم تسليمهم لبلدانهم.

الرئيس أردوغان بدوره أشار إلى أن تركيا لن تحاكم على أراضيها ووفق قوانينها إلا المنضمين لداعش من مواطنيها فقط، كما يفترض من كل دولة أوروبية أو غربية أن تستلم مواطنيها وتعمل على محاكمتهم.

أصرت تركيا على إرسال معتقلي داعش رغم الرفض الأولي والمماطلة من قبل دولهم الأم، حتى ولو لم تتعاون تلك الدول، ما أدى لبعض المرونة في مواقف الأخيرة، حيث أرسلت السلطات التركية حتى اللحظة، وفق رويترز، 10 أشخاص لألمانيا وواحداً لبريطانيا وآخرَ للولايات المتحدة الأمريكية وهو الأمريكي من أصل أردني الذي بقي لأيام عديدة في المنطقة الحدودية بين تركيا واليونان قبل أن تقبل واشنطن استلامه.

وفيما سارت الخطوات الأولى لتسليم معتقلي داعش بدون معيقات كبيرة، تعهد صويلو بتسليم معظمهم إلى بلدانهم الأم قبل نهاية العام، ما يشير إلى توقع تسارع عمليات التسليم وأن هناك قنوات تواصل مفتوحة بين تركيا وتلك الدول، وفي مقدمتها ألمانيا وهولندا مؤخراً، وهو ما أكده وزير الخارجية الألماني قبل أيام.

يمكن القول إذن، بأن تركيا قد نجحت حتى اللحظة في إدارة ملف تسليم معتقلي التنظيم لبلدانهم، لكن ذلك لا يضمن أن يسير الأمر بالسلاسة نفسها حتى النهاية وبما يشمل المعتقلين كافة.

كما أن ذلك لا يقلل من مخاطر البُعد الآخر للملف وهو الارتدادات الأمنية المحتملة، لا سيما بعد المشاركة التركية الفاعلة ضد البغدادي والدائرة القريبة منه على مدى الأسابيع الماضية.

أحد مؤشرات هذه المخاطر كانت الحملة التي شنتها السلطات التركية ضد عناصر للتنظيم كانوا يسعون لعمليات تفجير على الأراضي التركية خلال "عيد الجمهورية" نهاية الشهر الفائت. وبالنظر إلى القضاء على الهيكلية التنظيمية والإدارية للتنظيم وتقويض البنية التحية لدولته المزعومة، يمكن القول إن نظرية "الذئاب المنفردة" باتت أكثر حضوراً في استيراتيجية أفراده المستقبلية، وهو ما يضع تركيا في مقدمة الدول المستهدفة.

وإذا ما أضفنا لكل ذلك وجود القوات التركية في الشمال السوري، وعدم إمكانية ضبط الحدود بشكل كامل لا سيما بعد التطورات الأخيرة، وإطلاق سراح أو هرب عدد من منتسبي التنظيم، ووجود مناصرين له بين الشباب الأتراك، يمكن القول إن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من الاستهداف لتركيا داخل أراضيها وكذلك على الأراضي السورية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي.  

المصدر: TRT عربي