أمننة المجتمع، وكذا عسكرته، تقود لتسييد خطاب اللا أمن، والذي يتحدد في الخوف الدائم من مجهول قادم، بما يجذر تمثلاً وخطاباً وممارسة، فكرة الخطر والمخاطر، وحينها لا يصير أمام المجتمع إلا تدبير الأزمة وليس حلها، ما يزيد من فاعلية التكريس وإعادة الإنتاج.

يبدو أن الفارق البارز بين "الما قبل" و"الما بعد" اتصالا بجائحة كورونا، سيكون وفي كثير من الدول التي تحبو على عتبات الديمقراطية، سيكون هو "الأَمْنَنَة المفرطة" hyper sécuritization، طبعا ستلوح "تغيرات تدبيرية" أخرى على مستوى الخدمات والتجهيزات و"الخطاب الإيديو دولتي" بسبب ما عرفته الدول والسياقات المحيطة بها، من هزات ورجات سوسيواقتصادية وجيو استراتيجية، لا بد وأن تلقي بظلالها على "الزمنية المجتمعية".

إن فرضية الاتجاه نحو "تضخم الدولة" تظل الأكثر قابلية للتحقق مستقبلا، وذلك بالنظر إلى مجموعة من الوقائع التي تواترت في سياق كورونا، والتي لم تتردد فيها حتى دول الرعاية الاجتماعية في العودة إلى منطق "الدولة الحارسة"، والطوارئ والحجر والجائحة، كلها مبررات ذرائعية لتبرير تدخل الدولة العنيف، تماماً كما هو الحال في مأساة "اغتيال" جورج فلويد في بلد تمثال الحرية.

اقرأ للكاتب أيضا:

البورجوازية العربية والاستثمار في المحنة

لقد عملت الكثير من الدول على إعادة توزيع قواتها الأمنية والعسكرية في المجال العام، لأجل إجبار المواطنين على احترام الحجر الصحي، وبذلك ضمنت لنفسها تموقعاً جديداً في ذات المجال، وبكثافة ملحوظة، سواء في مستوياته البشرية (رجال أمن وجنود) أو التقنية (حواجز تفتيش، كاميرات،...)، وهو ما يعبر إضماراً وتصريحاً عن وظيفة الأمننة المفرطة، ويعمل على التذكير دوماً بأن هناك تهديداً وخطرا محتملاً، وأن "الدولة" وحدها الأقدر على تدبير كل الأزمات، والدولة هنا في معناها الأمني والعسكري، حيث القوة والقدرة على الإكراه واحتكار العنف وتصريفه.

يعود مفهوم الأمننة securitization إلى مدرسة كوبنهاكن للعلوم الأمنية، والتي ظهرت في تسعينيات القرن الماضي، وتعني به "الاستحضار القوي للبعد الأمني في التعاطي مع قضايا غير أمنية، وتصويرها كتهديد وجودي شامل للدولة. وترتبط المدرسة نظرياً أكثر فأكثر، بكل من "باري بوزان" و"أول ويفر"، إذ يعتبران أن الأمننة تتأسس في جوهرها على ممارسة خطابية/فعل خطابي Act speech، لا يشترط فيها أن تكون مسنودة بحجج منطقية، على اعتبار أن "شيطنة" الخصم، وبث مشاعر القلق والخوف والتهديد، كلها عناصر كفيلة بحسم المعركة، وبذلك تنبني عمليات الأمننة على العناصر التالية: الفاعل/المُؤَمْنِن، التهديد الوجودي، الموضوع المرجع، الجمهور المستهدف.

إن أمننة المجتمع، وكذا عسكرته، تقود إلى تسييد خطاب اللا أمن أيضاً، والذي يتحدد في الخوف الدائم من مجهول قادم، بما يجذر تمثلاً وخطاباً وممارسة، فكرة الخطر le danger والمخاطر les risques، وحينها لا يصير أمام المجتمع إلا تدبير الأزمة gestion de crise وليس حلها، ما يزيد من فاعلية التكريس وإعادة الإنتاج. إذ يغدو الرهان هو تدبير الخطر والمخاطر، وليس الانتهاء من الشروط المولدة لذات الخطر والمخاطر، وعليه تصير الأمننة والعسكرة هروباً إلى الأمام، بدل النظر في الأسباب التي تخلق البنية المضادة وتنتج "الدراما الاجتماعية" بتعبير فيكتور تيرنر.

تتحول الأمننة مع طول الاستعمال إلى مشوش كبير للفعل الاجتماعي، ومعيق لبناء علاقات نِدِّية بين المواطن والسلطة، ذلك أنها تضع المجال العام في أشد حالات المراقبة، والتي تتوسل بالتقنية (كاميرات مراقبة) والموارد البشرية (مختلف الأجهزة الأمنية والإدارية والتقنية...)، فضلاً عن الأجهزة الإيديولوجية (التي تدور في فلك الخطاب الرسمي...)، وهو ما يجعل المواطن مراقباً ومستبطناً في أعماقه، لضوابط الانتماء إلى سجل الطاعة والخضوع، والذي يفسر "احتراماً" للحواجز والموانع التي تتفوق على لغة الإباحة والحرية، فحرية الولوج إلى النت واستعمال الفضاء العمومي، تجد ما يعارضها رمزياً ومادياً في سياق الأمننة المفرطة، وهو ما يؤكد في النهاية وهم الحرية لا غير.

تتحول الأمننة مع طول الاستعمال إلى مشوش كبير للفعل الاجتماعي، ومعيق لبناء علاقات نِدِّية بين المواطن والسلطة، ذلك أنها تضع المجال العام في أشد حالات المراقبة

عبد الرحيم العطري

لقد حرص رجال الأمن وأطر الإدارة الترابية في المغرب وغيره من الدول، على توثيق ونشر تدخلاتهم اليومية بالصوت والصورة، أثناء أدائهم لواجبهم المهني خلال الجائحة، وذلك في إطار نوع من "الماركوتينغ المؤسساتي"، ما أنتج خطاباً "ملغوماً" يتحدث عن ضرورة عودة الدولة المركزية والدعوة إلى التخلص من الأحزاب السياسية، والانتصار فقط للوزراء التكنوقراط.

فلأول مرة مغربياً، صار "القائد" (مسؤول الإدارة الترابية) يظهر في الفايسبوك واليوتيوب، وهو يقود حملات لإخلاء المجال العام، مرفوقاً برجال الأمن والقوات المساعدة، وأصبح بذلك يتنافس على النجومية مع "المؤثرين" في مواقع التواصل الاجتماعي، صار هو الآخر مهووساً بأعداد اللايكات والمشاهدات. وهو ما يسير، ولو ضمناً، في إنتاج نوع من التطبيع مع "تضخم" الدولة وتغولها، خصوصاً إذا عرفنا أن الخطاب المرافق لهذه الخرجات الأمنية، كان سائراً في اتجاه المباركة والاحتفاء، وإن كانت التدخلات، وفي كثير من الأحيان، تأتي ضداً على أساسيات الانتماء إلى دولة الحق والقانون.

فإذا كانت جائحة كورونا قد خلخلت كثيراً من اليقينيات، واستوجبت الحاجة إلى دولة الرعاية الاجتماعية وضرورة إعادة ترتيب الأولويات عبر إيلاء العناية الخاصة لقطاعات الصحة والتعليم وباقي الخدمات الاجتماعية، فإن ذلك لم يمنع "ليفيتان" الدولة، بتعبير هوبز، من الخروج من قمقمه، خصوصاً وأنه أوجد لنفسه خطاباً تبريرياً، يتسرب إلى المواطن ذاته، والذي بات "ممجداً" للأمننة ومفتتناً بفتوحات "الدولة الحارسة".

اقرأ للكاتب أيضا:

من صفقة القرن إلى كورونا، من يُقامر بمصير العالم؟

لقد "عَطَّلَ" سياق الجائحة، العمل الرقابي لمؤسسة البرلمان، مثلما أزاح خصوم الدولة السياسيين والنقابيين من المجال العام، بسبب الاحترازات الصحية التي توجب منع التجمعات والاحتجاجات، وكل ذلك جعل من الدولة، الفاعل المركزي الذي يختص بتدبير كل شيء، بعيداً عن أي مزاحمة أو مراقبة أو مساءلة. وبسبب الإمكانيات البشرية والمادية المتوفرة لها، خارج الزمن البيروقراطي الذي يستنزف الوقت ويؤخر القرار، فقد بدت تدخلاتها على درجة عالية من الفعالية والاقتدار، ما جعل الكثيرين، يشرعنون تغول الدولة وهيمنتها على كل المناحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، داعين في الآن ذاته إلى التخلص من السياسي، وتوقيع شيك على بياض لفائدة الدولة.

إن الاعتراف بمجهودات الدولة، لا ينبغي بالمرة أن يسير في اتجاه "التأليه" وتوكيد "البطولة" والاستثناء، فما قامت به الدول خلال جائحة كورونا، يفترض أن تقوم به، وأن تقوم بأكثر منه، وفقاً للتعاقدات السياسية المبرمة قبلاً مع المواطن. وإن الانسياق مع التطبيع مع الأمننة والدولنة المفرطة للنسق المجتمعي، لن يقود في النهاية إلا إلى مزيد من "معاداة الديمقراطية"، التي ستحشر الشعوب والمآلات في حكم شمولي فردي قاس، لا يعترف بالمؤسسات، ولا ينتصر إلى أي تعاقد بين المواطن والدولة.

إن الأمننة والدولنة المفرطة للمجتمع، تجعل كل شيء ينضبط لحالة الطوارئ، حيث المؤقت واللامؤسساتي هو الحكم والجلاد، ما يزيد من السلطوية والاستبداد

عبد الرحيم العطري

إن الأمننة والدولنة المفرطة للمجتمع، تجعل كل شيء ينضبط لحالة الطوارئ، حيث المؤقت واللامؤسساتي هو الحكم والجلاد، ما يزيد من السلطوية والاستبداد، وهو ما يستدعي العمل على تفكيك الأمننة De-securitization والعودة بالنص الاجتماعي إلى شكله وجوهره الطبيعي الخالي من أي حسابات أو معادلات سياسية، فكورونا لن تكون حصان طروادة، الذي سيقود إلى تحقيق "انتصارات" موهومة ضد المواطن.

وعليه فالدرس الذي ينبغي أن تعمل به الدول العربية والغربية هو التموقع الاجتماعي وليس الأمني، عبر نشر منظومات خدماتية مواطنة، وتحقيق "عدالات" مجالية واجتماعية وثقافية، تسمح لجميع المواطنين بالإفادة العادلة من الخيرات الرمزية والمادية للنسق. ذلكم ما ينتظره المواطن من سياق "المابعد"، إنه يريد "أمننة اجتماعية" تضمن له الأمن الاقتصادي والصحي والثقافي.. خلال الجوائح والأزمات، ولا يريد بالمرة أن يكون مفهوم الأمننة مفتوحاً على "العسكرة" وفكرة الخطر.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي