قرّرَت تونس إجراء انتخاباتها الرئاسية في شهر أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام على الرغم ممَّا تعرضت له البلاد مؤخراً من عمليات إرهابية، وتوعُّك رئيسها الحالي باجي قايد السبسي.

لقد استعملت الثورة المضادة آخر ما في جعبتها من الحيل لتعطيل المسار الانتخابي، لقد تآمروا على رئيس الدولة وفشلوا، وأعلن الرئيس العائد من مشفاه طبقاً للدستور تثبيت المواعيد الانتخابية لنهاية السنة 2019.

الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة المتبقية للتقدم بالانتقال الديمقراطي نحو برّ أمان يضمن بقاء الدولة وضمان مؤسساتها ولو بالحدّ الأدنى مما طلبت الثورة.

التآمر على الرئيس السبسي لم يكُن المحاولة الأولى، ولكن قد تكون الأخيرة في تاريخ تونس السياسي بعد الثورة وقبلها.

إن الصبر والمطاولة انتهت بإفشال كل العمليات، وحتى الآن تخرج الثورة سالمة وبريئة من الاغتيالات، فليس من تقاليد أنصارها وأبنائها ولا من وسائلهم القتل من أجل السلطة. سنربط بين العمليات المختلفة ونتائجها العكسية على الثورة المضادة المسيَّرة من الخارج وأدواتها في الداخل.

مؤسس الدولة استثمر في القتل السياسي

في شهر مايو/أيار 2019 رُفعت دعوى ضدّ موسس الدولة الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة أمام القضاء التونسي للنظر في اغتياله لخصمَه السياسي ورفيق نضاله صالح بن يوسف، على اعتبار أن جرائم حقوق الإنسان لا تسقط بالتقادم.

من الناحية القانونية سقطت الجريمة بموت المشتكى به، ولكن الوصم بالاغتيال تلاحق بورقيبة في كتاب التاريخ التونسي حتى اليوم باعتباره أول من جرَّب اغتيال خصومه وبنى دولته على جثثهم.

لقد استقرّ له الحكم بعد أن صفَّى الشق المعارض له في ما أُبرِمَ من اتفاقيات معيبة مع دولة الاستعمار مقابل التمكين له من بعدها.

لقد بنى الدولة منذ يومها الأول على ضغينة دموية فظلّ الجرح السياسي الأول مفتوحاً حتى حلّت الثورة وفتحت باب العدالة الانتقالية، ورفع أُولُو الدم مظلمتهم إلى القضاء من أجل ترسيخ الحقّ وتثبيت التاريخ.

تتجمع الآن أدلَّة كثيرة على أن الاغتيالات الأشدّ إضراراً بالثورة قد ارتكبتهما جيوب من النظام لغاية إرباك مسار الثورة ومسار التأسيس الثاني للدولة.

نور الدين العلوي

واستمر نظام بورقيبة وورثه بن علي بقائمة من الاغتيالات المباشرة والقتل تحت التعذيب، ونال ظلمه كل الفصائل السياسية التونسية بدرجات متفاوتة (يقدّم الإسلاميون قائمة بـ120 رجلاً قُتلوا بالرصاص الحيّ في الشوارع وتحت التعذيب).

وعلى خلاف عمل النظام السياسي المتماهي في الدولة لم تسعَ الثورة إلى الانتقام، ولم تتلوَّثْ بالدم الحرام، ولكن النظام عاد إلى الاغتيال.

وتتجمع الآن أدلَّة كثيرة على أن الاغتيالات الأشدّ إضراراً بالثورة قد ارتكبتهما جيوب من النظام لغاية إرباك مسار الثورة، ومسار التأسيس الثاني للدولة.

وقد أفلحت في البداية، ولكن ما يتجمع من أدلة يرتدّ على المستثمرين في الدم، إذ تَمثُل مطلَّقة الشهيد شكري أمام القضاء بتهمة تضليل العدالة بإخفاء الأدلة، وهي التي كانت تقود عملية الاستثمار في دم طليقها.

الاغتيال السياسي استهدف اغتيال الثورة

منذ عملية الاغتيال الأولى كان واضحاً أن المستهدف الأول هو الثورة ومسار تأسيس الدولة دون ضغائن.

أصابت الإسلاميين خسارات كثيرة جَرَّاء ذلك، فقد خسروا حكومتيهم الأولى والثانية وتَخلَّوا عن موقعهم الأول في السلطة، ولا يزالون مرتبكين جَرَّاء ذلك.

ويُعتبر الرئيس الباجي أحد المستثمرين في فشل الإسلاميين، وقد استفاد من نتيجة الاغتيالات فكوَّن حزباً (هو في الحقيقة خليط هجين من المعادين للثورة) وعاد به إلى السلطة، ومكّن لفلول النظام في السلطة، ولكنه في لحظة تُسَجَّل له قطع مسار الاغتيال السياسي وعقد صلحاً (يمكن اعتباره سلام شجعان) مع الإسلاميين، هو ما سمح له بالحكم.

لدى التونسيين قناعة بأن أعداء الربيع يحاولون بلا كلل إفشال الثورة التونسية وتحويل تونس إلى حالة شبيهة بالحالة الليبية أو السورية.

نور الدين العلوي

هذا الخيار أفسد على فلول النظام أمرهم فتَحوَّل الرئيس بالتدريج إلى عدوّ وَجَبَت إزاحته من الطريق لقطع مسار الانتقال الديمقراطي، لأن ما يتجمع من معطيات يُفِيد بأن أنصار الثورة -على تفرُّقهم وتشتُّتهم- سيخرجون فائزين في الانتخابات القادمة، وفي أكبر الاحتمالات سيكونون قادرين على التحكم في البرلمان والحكومة.

أما إذا وصل نصير للثورة إلى قصر الرئاسة فستكون نهاية المنظومة، وفي هذا اللحظة ظهر الرئيس كضامن أخير لهذا المسار، فجُرّب فيه القتل فنجا، ونراها خاتمة الاغتيالات السياسية في تاريخ تونس.

الاغتيالات توجِّهها جهات خارجية

لدى التونسيين قناعة بأن أعداء الربيع يحاولون بلا كلل إفشال الثورة التونسية وتحويل تونس إلى حالة شبيهة بالحالة الليبية أو السورية، وقد تَعذَّر عليهم هذا.

أصابع الاتهام تتجه إلى فرنسا وإلى الإمارات ونظام آل سعود، ولكن الاتهام يُوَجَّه أيضاً إلى أتباع لهم في الداخل، يرتزقون من منع الثورة من تحقيق مطالبها ولو بالتقسيط المريح. وما كان لجهة خارجية أن تخترق الصف السياسي التونسي لولا عملاء لها في الداخل.

صار الربط آليّاً، فكلما أصابتنا مصيبة بحثنا عنهم فوجدناهم يبررونها ويكيلون التهم للثورة، ويحمِّلونها مسؤولية خراب العالم.

هؤلاء الذيول يخسرون كل يوم، وأكبر خساراتهم الريبة التي تسكن الآن نفس الرئيس لأنها ستحكم على التحالفات القادمة. فبعد أن تَجمَّعوا حوله انتهوا بمحاولة إزاحته فكان أكبر انكسار في المنظومة، وستكون نتائجه كارثية عليهم، ولكنها غنيمة أو هدية للثورة. لقد خَطَوُا الخطوة الأشدّ غباءً وكتبوا بها نهايتهم وأفقدوا مموِّليهم كل أمل في الاعتماد عليهم.

هذا أثر الثورات، فلم يعد الاغتيال السياسي يُقبل بسهولة مثله مثل الإرهاب المسيَّر. لقد خبِرَه الناس وعرفوا مواعيده فحوَّلوا نتائجه ضد الجهات التي تسيِّره، وصاروا في يومهم لا يخافون ولا ينكمشون (وكان ردّ فعل الناس على العمليات الأخيرة مذهلاً في بروده ويقينه بأن الفاعل ليس الإرهاب المزعوم بقدر ما هو جيوب في ما تبقي من النظام).

هل حُسمت المعارك لصالح الثورة؟ لسنا على هذا القدر من التفاؤل، ولكن نرى خسارات المنظومة التي لا تتورع عن الدم عندما كان -ويكون- في طريقها من يعطِّلها عن غنائمها التي لا هدف لها غيرها.

في هذه الأثناء يقدم التاريخ درساً للرئيس الباجي، فقد كان غير بعيد عن اغتيال بن يوسف، وانتهت به السياسة إلى الاستثمار في اغتيالات حدثت بعد الثورة، ولكن مكر التاريخ أنقذ به الثورة -حتى الآن- ولكنه لم يمنحه مكانة في قائمة الشهداء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي