تشكل النظرية الأساس الذي تُبنى عليه الأنظمة والعملية السياسية، وقد ينبني على النظرية الواحدة عديد من أشكال الأنظمة، وتتميز النظرية السياسية بالتجريد وتسعى إلى أن تكون متحررة من التأثر بظروف الزمان والمكان، ما يجعلها صالحة لأوسع مدى زماني ومكاني ممكن.

ومنذ نشأة الفكر السياسي كان دور الخلق والدين في السياسة في مركز الجدل والاستقطاب الفكري والسياسي، وإلى اليوم ما زال هذا الجدل حاضراً بقوة وذا أثر في الحراك السياسي، خصوصاً في العالم العربي.

ويمكن الجزم بأن في الإسلام أسساً فكرية وأخلاقية لنظرية سياسية متمايزة عن النظريات السياسية السائدة حاليّاً، وهو ما يدعو المؤمنين به إلى تطوير نظرية سياسية متكاملة استناداً إلى هذه الأسس.

فبالنظر إلى النظريات السياسية السائدة في الوقت الحالي، كالليبرالية والاشتراكية، يتضح أنها بُنيت على فلسفات اجتماعية وتأثرت بسياقات تاريخية لحضارات عديدة لا تتفق بالضرورة مع السياق التاريخي للحضارة الإسلامية.

وبما أن الإسلام يحوي قيماً متميزة عمّا في غيره من الفلسفات التي تقوم عليها النظريات السياسية، كما أنه يحوي تشريعات متعلقة بمواضيع سياسية كالحكم والسلم والحرب والعلاقات الدولية، فمن المفترض أن تطبيق هذه القيم والشرائع على المستوى العامّ يتطلب نظرية سياسية متوافقة مع القيم الأساسية في الإسلام التي تنبثق منها شرائعه.

يمكن الجزم بأن في الإسلام أسساً فكرية وأخلاقية لنظرية سياسية متمايزة عن النظريات السياسية السائدة حاليّاً.

محمد غازي الجمل

كما أنه في حين يتفق بعض قيم هذه الفلسفات الغربية مع القيم التي يدعو إليها الإسلام، فإن قيماً أخرى فيها تختلف مع قيمه بشكل صريح.

وفي الوقت الذي يمكن فيه من التوفيق بين بعض التشريعات الواردة في الوحي وهذه النظريات، فإن من الصعب التوفيق بينها وبين تشريعات إسلامية عديدة أخرى.

وقد اتسمت العديد من محاولات التوفيق بين الوحي وهذه النظريات بالتلفيق وعدم الاتساق، كما أنها لا تقدّم أجوبة شافية عن أسئلة، من أهمها: مَن صاحب السيادة في الشأن التشريعي؟

ومعلوم أن صاحب السيادة هو من يعلو ولا يُعلى عليه، ويتم تحديد صاحب السيادة بملاحظة حالات الاختلاف لا حالات الاتفاق، فحينما يؤخَذ بأمر أحد على الرغم من مخالفته أمر أحد آخَر، فإن من يؤخذ بأمره هو صاحب السيادة.

وهذا مبحث يستلزم أيضاً تحديد المخوَّل إليه تحديد الفهم -اللازم التطبيق- للدين، هل هو الأمة بمجموعها؟ أم جماعة أو نخبة منها؟ وبهذا الشأن يرى بعض الفقهاء أن المرجعية للجماعة أو الأمة وإجماعها.

كما يقدّم القرآن توجيهات تربط الأداء السياسي بالأخلاق، وتؤسس لفعل سياسي لا ينفصل عن البعد الروحاني، بما يشمل جوهر النظرة إلى الإنسان، وهل الأصل فيه الخير أم الشر، أم أن فيه مزيجاً منهما، وانعكاس ذلك على العمل السياسي والعلاقات الدولية، وهل تقوم هذه العلاقات على القوة فقط أم ترتبط أيضاً بجوانب أخلاقية.

ويشمل ذلك أيضاً فكرة الثواب والعقاب التي يركّز عليها القرآن، وأهميتها في إعطاء الدافع الذاتي الأخلاقي للتشريع ولالتزامه.

كما أن ملاحظة مركزية العدل كقيمة عليا في الشأن العامّ، تُعَدّ أمراً أساسيّاً بهذا الصدد، ففي حين جعلت الاشتراكية المساواة قيمة عليا، وجعلت الليبرالية الحرية قيمة عليا، جعل القرآن العدل القيمة العليا. ومعلوم أن ترتيب أولويات القيم في أي دين أو فلسفة ينبني عليه خيارات سياسية واجتماعية واقتصادية عديدة.

ومما يلفت النظر أن التشريع الوارد في القرآن يهدف إلى تحقيق أهداف محورية، اصطلح على تسميتها بـ"مقاصد الشريعة"، وهي حفظ: النفس، والعقل، والدين، والمال، والنسل.

وتحقيق هذه الأهداف في المجال العامّ من واجبات الدولة، كما أنه يتقاطع مع الواجبات المعروفة للدولة الحديثة وعلى رأسها توفير الأمن، وهذا مما يدعو إلى تعميق البحث في العلاقة بين مقاصد الشريعة وواجبات الدولة، إذ إن تحديد واجبات الدولة من الجوانب الأساسية في أي نظرية سياسية.

ومن المثير في هذا الشأن ملاحظة أن هذه المقاصد تتوافق مع عديد من مبادئ حقوق الإنسان المتعارَف عليها عالميّاً ومع توجهات إنسانية عالمية.

إذ إن حفظ الدين يتفق إلى حد بعيد مع حرية الاعتقاد التي وضع القرآن الكريم بشأنها أصلاً عامّاً بأنه "لا إكراه في الدين"، وحفظ النفس يتفق مع حق الإنسان في الحياة، وحفظ المال يتفق مع حق الملكية الخاصة، وحفظ العقل -مادّيّاً من الغياب والتلف، ومعنويّاً من الجهل والتجهيل- يتفق مع منع المخدرات وكل ما يغيّب العقل، ومع حقّ الحصول على المعلومات ومحاربة الأمية.

كما أن حفظ النسل يتفق مع تيار العفة، وهو تيار إنساني عريض يرفض الانحلال الأخلاقي الذي يرى أنه يشين عديداً من الحضارات. وملاحظة هذا تدعو إلى بحث أوسع في الفهم الإنساني للدين وعلاقته بالدولة ووظائفها.

في حين جعلت الاشتراكية المساواة قيمة عليا وجعلت الليبرالية الحرية قيمة عليا جعل القرآن العدل القيمة العليا.

محمد غازي الجمل

وفي التاريخ الإسلامي نشأت مشكلة سياسية بشأن طريقة إدارة الدولة وتداول السلطة منذ وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد تعددت اجتهادات المسلمين بهذا الصدد وتباينت منذ ذلك الحين، واستندت الغالبية العظمى من هذه الاجتهادات إلى أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة من بعده.

إلا أن أفعال الرسول السياسية ليست تشريعاً مستمَدّاً من الوحي بالضرورة، بل قد تكون تدبيراً دنيويّاً مرتبطاً بظروف المكان والزمان، إذ يرى عديد من العلماء في أصول الفقه أن بعض أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام صدر على وجه الإخبار عن الله عز وجل، وهي بذلك تشريع، في حين صدر بعضها عنه بصفته قاضياً أو قائداً للجيش أو للدولة.

أما أفعال الصحابة فهي في جزء منها محاولات بشرية لتطبيق ما فهموه من الوحي، فيما تكون أجزاء منها تعبيراً عن دوافع أخرى نابعة من نوازعهم البشرية.

وفي حين أنه من المفيد الاستفادة من مختلف الجهود والمحاولات الساعية لفهم الإسلام ولتطبيق قيمه وشريعته، فإن من الخطأ جعل هذه المحاولات والاجتهادات ممرّاً إجباريّاً لفهم الإسلام.

والأصل بهذا الصدد التمييز بين الوحي -وهو القرآن الكريم إضافة إلى الجزء التشريعي من أقوال وأفعال وتقرير الرسول عليه الصلاة والسلام- والجهود البشرية الساعية لفهمه وتطبيقه. والتركيز على الوحي في أي محاولة لتَعرُّف الإسلام. وتزداد أهمية هذا الأمر عند البحث في الشأن السياسي، بفعل ما كان للظروف السياسية من تأثير على الاجتهادات الفقهية في الشؤون المرتبطة بالحكم عبر التاريخ الإسلامي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي