"محامي الشيطان" في الاستخبارات الإسرائيلية.. نصف قرن من الرقابة لم يمنع مفاجأة 7 أكتوبر
الحرب على غزة
17 دقيقة قراءة
"محامي الشيطان" في الاستخبارات الإسرائيلية.. نصف قرن من الرقابة لم يمنع مفاجأة 7 أكتوبرتفصل خمسة عقود بين حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن الحدثين كشفا عن معضلة متكررة داخل الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" كيف يمكن لمؤسسة تمتلك قدرات واسعة أن تخطئ في تقدير نوايا خصومها؟
استمرار القسم لنحو خمسة عقود لم يحل دون تكرار المفاجأة الاستخباراتية، رغم أنه طرح، قبل الهجوم سيناريوهات وتحذيرات خالفت بعض التقديرات المعتمدة

في عام 1973 عجزت "أمان" عن تقدير نوايا مصر وسوريا لشن الحرب، رغم المؤشرات التي سبقت اندلاعها، وبعد خمسين عاماً أخفقت مجدداً في تقدير نوايا حركة حماس وقدراتها، بعدما استقر داخلها تصور بأن الحركة معنية بالحفاظ على الهدوء، ولا تتجه إلى تنفيذ هجوم واسع.

وبين الإخفاقين كانت المؤسسة قد أنشأت آلية يُفترض أن تساعدها على تجنب مثل هذه المفاجآت، ففي أعقاب حرب 1973، وتحت قيادة رئيس الاستخبارات العسكرية الجديد " شلومو غازيت"  تأسس قسم الرقابة الاستخباراتية، المعروف إعلامياً  باسم "محامي الشيطان"، لتحدي التقديرات السائدة، واختبار الافتراضات التي تستند إليها، وطرح احتمالات قد تستبعدها أجهزة البحث والتحليل.

لكن استمرار القسم لنحو خمسة عقود لم يحل دون تكرار المفاجأة الاستخباراتية، رغم أنه طرح، قبل هجوم السابع من أكتوبر، سيناريوهات وتحذيرات خالفت بعض التقديرات المعتمدة بشأن حماس والوضع في غزة ، فإنها لم تتضمن توقعاً دقيقاً للهجوم أو توقيته وحجمه، ولم تنجح في إحداث مراجعة مؤثرة لتصورات المؤسسة.

ومن خلال كتاب "محامي الشيطان: رحلة في دهاليز الرقابة الاستخباراتية الإسرائيلية"، الصادر عام 2023، وتحقيقات صحفية إسرائيلية نُشرت بعد الهجوم، يتتبع هذا التقرير تجربة الرقابة داخل "أمان"، محاولاً تقييم تأثيرها الفعلي عبر ثلاثة أسئلة: ما الموارد التي خُصصت لها؟ وما المكانة التي حظيت بها داخل المؤسسة؟ وإلى أي مدى استطاعت التأثير في التقديرات والقرارات خلال المحطات الحاسمة؟

ذات صلةTRT عربي - حين يهتز اليقين.. كيف خدع التقدم التكنولوجي وغزارة البيانات الاستخبارات الإسرائيلية؟

خمسة عقود

شهدت الرقابة الاستخباراتية داخل "أمان" تحولات تنظيمية ومهنية متعاقبة، وخلال العقد الأول من عمر الوحدة، بين عامي 1974 و1984، سيطرت دروس حرب أكتوبر على طبيعة عملها، فانصب اهتمامها بصورة أساسية على تحدي تقديرات الإنذار بالحرب، باعتبارها المهمة التي أخفقت فيها "أمان" وأدت إلى تأسيس الوحدة.

وكانت الرقابة آنذاك جزءاً من قسم البحث، الأمر الذي جعل نشاطها مرتبطاً بصورة وثيقة بالمنظومة البحثية التقليدية، وحدّ من قدرتها على تطوير دور مستقل خارجها.

أما المرحلة الثانية، التي امتدت من منتصف الثمانينيات إلى منتصف التسعينيات، فشهدت تحولاً تنظيمياً مهماً، مع رفع مكانة وحدة الرقابة إلى مستوى قسم، وربطها مباشرة برئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في عهد إيهود باراك.

ومنح هذا التغيير القسم مكانة أعلى، وأتاح لرئيسه الوصول المباشر إلى قيادة "أمان"، بدلاً من المرور عبر المستويات البحثية التي يُفترض أن يراجع تقديراتها.

غير أن رفع المكانة التنظيمية لم ينهِ المشكلة الأساسية، إذ بقي تأثير الرقابة مرتبطاً بدرجة كبيرة بشخصية رئيس القسم، وعلاقته برئيس "أمان"، واستعداد القيادة لتقبّل النقد، أكثر من ارتباطه بصلاحيات مؤسسية ثابتة.

كما أصبحت رئاسة القسم في بعض الحالات محطة ضمن المسار المهني لضباط مرشحين لتولي مناصب أعلى، ما أثار تساؤلات بشأن تأثير اعتبارات الترقية والعلاقات الشخصية في استقلالية المواقف النقدية.

وخلال هذه المرحلة، لم تنجح الرقابة في استباق عدد من التحولات المهمة، وفي مقدمتها اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 واتفاقية أوسلو عام 1993، بينما ظل اهتمام شعبة الاستخبارات منصباً بدرجة كبيرة على احتمالات الحرب في الجبهة الشمالية، ولا سيما مع سوريا.

وفي المرحلة الثالثة، التي امتدت من منتصف التسعينيات إلى العقد الثاني من الألفية، برز اتجاه نحو إضفاء طابع أكثر مهنية ومنهجية على عمل الرقابة، مع تعيين رؤساء يتمتعون بخبرة طويلة في البحث الاستخباراتي.

وكان بعض هؤلاء يتولى المنصب في نهاية مساره المهني داخل الشعبة، ما يمنحه قدراً أكبر من الاستقلال عن حسابات الترقية.

كما توسعت الموضوعات التي تناولتها الرقابة لتشمل قضايا سياسية واستراتيجية وعملياتية، لكن هذه المرحلة كشفت أيضاً عن أزمة تتعلق بهوية القسم وجدواه داخل المؤسسة، في ظل ضغوط لتقليص حجمه وموارده ضمن خطط إعادة الهيكلة العسكرية.

وخلال هذه الفترة، وصل الأمر إلى خفض رتبة رئيس القسم إلى مقدم، قبل إعادة رفعها مؤقتاً خلال الأعوام 2018–2020. ولاحقاً، اتجه رئيس "أمان" تمير هايمان إلى تحويل المنصب إلى وظيفة مدنية، بهدف ضمان فترات أطول في القيادة وتعزيز الاستمرارية المهنية.

ذات صلةTRT عربي - من حرب 73 حتى طوفان الأقصى.. كيف أخفقت الاستخبارات الإسرائيلية؟ وما علاقة فشلها بـ"الإغلاق المعرفي"؟

كيف تعمل الرقابة؟

يوضح كتاب "محامي الشيطان" أن الرقابة لا تعتمد طريقة واحدة في عملها، وإنما تستخدم أساليب مختلفة بحسب طبيعة القضية التي تتناولها.

ويحدد المؤلفون ثلاث مسائل رئيسية تحكم عملها: هل تبدأ بمراجعة المعلومات والأدلة أم بإعادة النظر في الصورة العامة؟  وكيف تتعامل مع التقدير السائد؟ وما الطريقة الأنسب لعرض اعتراضاتها حتى تصل إلى صناع القرار وتؤثر في مواقفهم؟

في المسألة الأولى، يمكن للرقابة أن تفحص الأدلة التي بُني عليها تقدير معين، بحثاً عن معلومات تؤيده أو تنقضه، أو أن تراجع الافتراضات الأوسع التي تحكم تفسير المؤسسة للأحداث.

ويورد الكتاب مثالاً على ذلك من الخلاف الذي شهدته الاستخبارات الإسرائيلية بشأن اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وما إذا كان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قد خطط لإشعالها، أم أن المواجهة اندلعت نتيجة تطورات لم يكن يسيطر عليها بالكامل.

وفي مقال نشره بصحيفة "هآرتس" عام 2020، قال المسؤول الاستخباراتي السابق يوسي بن آري إنه أمضى نحو شهر في مراجعة المعلومات المتعلقة بالقضية، بحثاً عن دليل يثبت أن عرفات أصدر أوامر بإشعال الانتفاضة أو تنفيذ هجمات، لكنه لم يعثر على ما يدعم هذا الاستنتاج. ويقدم الكتاب هذه الحالة مثالاً على عمل رقابي يقوم على فحص الأدلة التي يستند إليها التقدير السائد، بدلاً من الاكتفاء بطرح رواية معاكسة له.

أما المسألة الثانية، فتتعلق بكيفية تحدي تقديرات المؤسسة، ويميز الكتاب بين أربع طرق رئيسية استخدمها قسم الرقابة في "أمان" على مر السنين: 

أبرزها طريقة "إيپخا مستبرا"، أو "محامي الشيطان"، التي تقوم على تبني فرضية معاكسة تماماً للتقدير السائد، ثم جمع الأدلة والحجج التي يمكن أن تدعمها، حتى لو لم يكن المسؤول عن الرقابة مقتنعاً شخصياً بصحتها.

أما الطريقة الثانية، المعروفة باسم "الظل" أو "الفريق A والفريق B"، فتقوم على إعداد تقدير استخباراتي مستقل وموازٍ لتقدير شعبة البحث. ويعتمد الطرفان على المعلومات نفسها، لكنهما قد يصلان إلى استنتاجات مختلفة نتيجة اختلاف طريقة تحليلها.

وتتمثل الطريقة الثالثة في "التفكير البديل"، الذي يركز على طرح أسئلة لم تتناولها المؤسسة، والبحث عن "نقاط العمى" في تقديراتها؛ أي المعلومات التي تمتلكها من دون أن تدرك أهميتها، أو القضايا التي لم تنتبه أصلاً إلى أنها تفتقر إلى المعرفة بشأنها.

أما الطريقة الرابعة، المعروفة باسم "مراجعة الأقران" أو "الفريق الأحمر"، فتهدف إلى اختبار قوة التقدير القائم، من خلال تحديد نقاط ضعفه وقوته والجوانب غير الواضحة فيه، من دون اشتراط تقديم تقدير بديل أو معاكس.

أما المسألة الثالثة، فتتعلق بكيفية عرض نتائج الرقابة على الباحثين وصناع القرار، وهنا يبرز اتجاهان مختلفان:

 الأول يفضل المواجهة وإثارة الجدل لزعزعة القناعات السائدة، والثاني يعتمد الحوار والتعاون مع الجهات التي تخضع تقديراتها للمراجعة.

فأسلوب المواجهة قد يدفع الباحثين إلى إعادة فحص استنتاجاتهم، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى توتر العلاقات مع قسم الرقابة، وإضعاف قدرته على الوصول إلى المعلومات والمشاركة في النقاشات الداخلية.

وفي المقابل، يتيح التعاون مناقشة الملاحظات مع الباحثين خلال إعداد التقديرات، ما يزيد فرص تقبل النقد والاستفادة منه. لكنه يحمل خطراً آخر، يتمثل في تأثر قسم الرقابة بآراء المؤسسة التي يُفترض أن يتحداها، أو تردده في طرح اعتراضات حادة حفاظاً على العلاقات المهنية.

ويزداد هذا التحدي بسبب محدودية حجم قسم الرقابة وموارده، مقارنة بالأقسام البحثية التي يراجع عملها. فهو لا يستطيع متابعة جميع الملفات أو امتلاك خبرة تفصيلية في مختلف القضايا، ما يفرض عليه اختيار الموضوعات التي يتدخل فيها بعناية.

فالإفراط في إصدار التقديرات المخالفة قد يفقدها أهميتها، والتركيز على ملف واحد قد يحد من تأثير القسم، بينما يؤدي التوسع في موضوعات لا يمتلك بشأنها خبرة كافية إلى إضعاف مصداقيته. وفي المقابل، فإن قلة النشاط قد تجعل وجوده هامشياً داخل المؤسسة.

ذات صلةTRT عربي - نهاية دولة إسرائيل؟! كتاب يفسّر الإخفاق الأمني في 7 أكتوبر بـ"العمى الثقافي"

قبل 7 أكتوبر

في عام 2017، كان هرتسي هليفي الذي سيصبح لاحقا رئيساً للأركان على رأس  شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في ذلك الوقت أعدّ قسم الرقابة وثيقة تتصور اقتحام مقاتلي المقاومة الفلسطينية السياج الحدودي المحيط بقطاع غزة، والسيطرة على أربع أو خمس بلدات ومواقع عسكرية إسرائيلية.

وكشف الصحفي إيتاي إيلناي عن الوثيقة في تحقيق نشرته "يديعوت أحرونوت" في 8 ديسمبر/كانون الأول 2023، موضحاً أنها كانت واحدة من سلسلة أوراق "إيپخا" التي أعدها القسم، وأن إحداها وصفت احتمال هجوم يشبه، في جوانب مهمة منه، ما وقع لاحقاً في السابع من أكتوبر.

لكن الوثيقة لم تكن تنبؤاً دقيقاً بموعد الهجوم أو حجمه أو تفاصيله، بل سيناريو مضاداً للتصور الذي تبنته المؤسسة بشأن طبيعة التهديد القادم من غزة.

وقد نقل التحقيق عن مسؤول سابق في "أمان"، اطلع على مضمون الوثيقة، قوله: "يوجد إجراء واضح جداً بشأن كيفية التعامل مع وثائق إيپخا داخل أمان، لكن عندما يترسخ تصور معين لدى الناس، يصبح تغييره صعباً جداً".

ولم يكن ضعف تأثير القسم منفصلاً عن حجمه وموقعه التنظيمي، فبحسب المسؤول نفسه، كان يضم ثلاثة أو أربعة ضباط في الخدمة النظامية، إلى جانب عدد محدود من أفراد الاحتياط، في مواجهة شعبة بحث ضخمة واستخبارات القيادات العسكرية المختلفة.

وامتد التراجع إلى المكانة الإدارية للقسم، ففي عهد رئيس "أمان" السابق تمير هايمان، أُسندت إلى رئيس قسم الرقابة مهمة أخرى تتطلب جهداً كبيراً، هي الإدارة العامة لـ"معهد غازيت للاستخبارات"، ما جعله متفرغاً جزئياً فقط لمهمة تحدي التصورات السائدة.

وعندما تولى أهارون حليفا رئاسة "أمان"، أعاد تخصيص وظيفة رئيس القسم بدوام كامل، وعيّن العقيد الذي أشارت إليه التقارير بالحرف "د" في المنصب. لكن هذه الخطوة لم تعالج محدودية الموارد ولا ضعف التأثير.

وفي تحقيق نشره موقع "ماكو" التابع للقناة 12 الإسرائيلية في 7 يناير/كانون الثاني 2024، قالت مسؤولة رفيعة في "أمان"، رُمز إليها بالحرف "ع": "قسم الرقابة هو شخص واحد. لم يُجرَ نقاش جدي وذو مغزى حول ما يقوله ذلك الضابط، الذي يشكل بمفرده قسم الرقابة بأكمله".

وأضافت: "هذا الضابط لا يمتلك فعلياً القدرة على إجراء بحث معمّق موازٍ للبحث الذي تجريه المؤسسة التقليدية داخل شعبة البحث. ولذلك، فمن الطبيعي أنه لا يمكن التعامل مع القسم بجدية. لا أعرف قسماً آخر يتكون من شخص واحد".

وتختلف الروايات الصحفية بشأن عدد العاملين في القسم قبل الهجوم؛ إذ تحدثت "يديعوت أحرونوت" عن ثلاثة أو أربعة ضباط، ووصفت المسؤولة التي تحدثت إلى القناة 12 قدرته الفعلية بأنها شخص واحد، بينما ذكرت "إسرائيل هيوم" لاحقاً أنه كان يضم ضابطين في الخدمة الدائمة.

وقد تعكس هذه الأرقام اختلاف الفترات أو طرق احتساب العاملين والوظائف وأفراد الاحتياط، لكنها تتفق على أن القسم كان أصغر بكثير من حجم المسؤولية الملقاة عليه.

ورغم ذلك وفي 21 و26 سبتمبر/أيلول 2023، أصدر ورقتين استخباراتيتين شكك فيهما في الفرضية المركزية التي تبنتها "أمان"، والقائلة إن حماس معنية بالحفاظ على الهدوء.

وفي رسالة كتبها بعد الهجوم إلى رئيس «أمان»، شرح الضابط موقفه قائلاً: "عرضت هذه الأطروحة خطياً في منتجين استخباراتيين بتاريخ 21 سبتمبر/أيلول و26 سبتمبر/أيلول، وجرى توزيعهما على نطاق واسع على جميع صناع القرار في المستويين العسكري والسياسي. كما عرضتها شفهياً خلال التقييم السنوي لدى رئيس قسم البحث، وفي النقاش التكاملي لدى رئيس أمان".

ويتضح مما سبق أن خلاف قسم الرقابة مع تقديرات "أمان" تمحور أساساً حول مدى ردع حركة حماس واحتمال إقدامها على شن هجوم، دون أن تصل تقديرات القسم إلى تصور الحجم الفعلي لعملية "طوفان الأقصى" ونطاقها.

 فعلى الرغم من طرح سيناريوهات تضمنت اقتحام السياج الحدودي والسيطرة على عدد من البلدات والمواقع العسكرية الإسرائيلية، فإن هذه التصورات لم ترقَ إلى توقع عملية واسعة النطاق بالحجم الذي شهدته فرقة غزة في السابع من أكتوبر.

وهذا ما يشير إليه تقرير القناة 12 الإسرائيلية، نقلاً عن مسؤول أمني رفيع، إذ أورد أن رسالة الضابط بدأت بإقرار واضح: "لم أتخيل حتى شيئاً يقترب ولو من أبعد حدود ما حدث في السابع من أكتوبر".

وتبرز دلالة هذه التحذيرات عند مقارنتها بالتقديرات التي تبنتها "أمان" نفسها، فقد كشف تحقيق نشرته صحيفة "إسرائيل هيوم" في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن تقديراً استخباراتياً صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 افترض أن أي هجوم تشنه حماس من غزة على الأراضي الإسرائيلية سيشارك فيه "70 عنصراً على الأكثر".

ذات صلةTRT عربي - عملية طوفان الأقصى وتضارب الاختصاصات في غزة.. بين "الشاباك" و"أمان" ومجتمع الاستخبارات الإسرائيلي

اليقين الذي همّش الرأي المخالف

لم يكن ضعف قسم الرقابة نتيجة محدودية موارده وحدها، بل ارتبط أيضاً بثقافة تنظيمية منحت التقديرات السائدة ثقة عالية، وتعاملت مع المعلومات المخالفة بوصفها استثناءات لا تستوجب بالضرورة إعادة النظر في الصورة العامة.

فقد استقر داخل "أمان" تصور مفاده أن حماس تتجه نحو التهدئة، وأنها لا تنوي تنفيذ هجوم واسع، حتى لو امتلكت خططاً وقدرات هجومية.

وقد نقل تحقيق "يديعوت أحرونوت" في ديسمبر 2023 عن شخص تعامل مع عناصر "أمان" خلال السنوات السابقة للهجوم قوله: "كان ضباط أمان يقولون طوال الوقت: نحن نتلقى الجوائز من رئيس الأركان، ونحن متفوقون. لم يعتقدوا أن لديهم سبباً للتحسن أو تغيير أي شيء في طريقة عملهم".

وانعكس هذا الشعور بالتفوق على طريقة إدارة النقاشات الاستخباراتية. فقد كشفت المسؤولة الرفيعة التي تحدثت إلى القناة 12 أن رئيس "أمان" السابق أهارون حليفا كان يدعو في نهاية اجتماعات مختلفة إلى تشكيل "فريق أحمر" لمراجعة الموضوع المطروح، على أن يتولى قسم الرقابة هذه المهمة.

لكنها اعتبرت أن هذه الدعوات لم تكن تعني استعداداً فعلياً لتغيير التقديرات، قائلة: «كان واضحاً للجميع أن هذه التصريحات ليست سوى كلام للاستهلاك. فمنذ البداية، يكون رئيس أمان قد حسم تقديره بالفعل في تلك المرحلة، وغالباً ما يكون الهدف من الفريق الأحمر أن يتحول إلى مجرد دمية تُوجَّه إليها الضربات».

قيادة برتبة عميد وصلاحيات أوسع و15 وظيفة

دفع إخفاق السابع من أكتوبر قيادة «أمان» إلى إعادة النظر في مكانة قسم الرقابة، الذي أُنشئ أصلاً لمنع تكرار المفاجآت الاستخباراتية. ومع تولي اللواء شلومي بيندر رئاسة الشعبة في أغسطس/آب 2024، بدأت عملية إعادة هيكلة شملت توسيع القسم ورفع مكانته التنظيمية وتغيير نطاق مسؤولياته.

وفي 3 يناير/كانون الثاني 2025، كشف الصحفي يوسي يهوشوع في "يديعوت أحرونوت" أن بيندر قرر زيادة حجم قسم الرقابة بصورة كبيرة، وتحويله عملياً إلى تشكيل قائم بذاته بمكانة تنظيمية مماثلة لتشكيلات رئيسية في "أمان"، مثل شعبة البحث والوحدة 8200.

وبموجب التصور الجديد، لم تعد صلاحيات "إيپخا مستبرا" مقتصرة على مراجعة التقديرات البحثية، بل امتدت إلى مختلف مجالات عمل الاستخبارات العسكرية، بما يشمل تقديرات قدرات الخصوم، ومنظومات الإنذار، وأساليب جمع المعلومات، والافتراضات التي تستند إليها المؤسسة في بناء صورتها الاستخباراتية.

وترافق التغيير مع قرار إسناد قيادة المنظومة إلى ضابط برتبة عميد في الاحتياط، وكشف تقرير يناير أن المرشح هو العميد في الاحتياط موشيه شنايد، الذي سبق أن شغل منصب كبير ضباط الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي.

وينحدر شنايد من منطقة غوش قطيف، وهو خريج المدرسة الدينية «نتيف مئير». وبدأ خدمته العسكرية مقاتلاً، قبل انتقاله إلى العمل الاستخباراتي، حيث شغل مناصب بينها ضابط استخبارات القيادة الشمالية، ونائب رئيس شعبة البحث.

وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قدم تحقيق نشره إيتاي إيلناي في "إسرائيل هيوم" تفاصيل عن حجم التوسع العددي. فبعدما كان القسم يضم ضابطين فقط في الخدمة الدائمة قبل 7 أكتوبر، أصبح تحت قيادة شنايد نحو 15 وظيفة مخصصة لعناصر استخبارات من الخدمة الدائمة والاحتياط.

وفي مقال نشره نداف إيال في أغسطس/آب 2025، أشار إلى أن الثقافة السائدة قبل الهجوم كانت تستخدم مصطلحات مثل "الإحكام" و"اليقين"، بدلاً من البحث النشط عن احتمالات المفاجأة. وأضاف أن أحد الاستنتاجات المهمة بعد الإخفاق هو الاعتراف بأن التحقيقات لا تقدم تفسيراً كاملاً لكل ما حدث.

وبحسب تحقيق "إسرائيل هيوم" في نوفمبر 2025، حاول بيندر تغيير هذه الثقافة بمنع عناصر الشعبة من استخدام تعبيرات مثل "المعرفة" و"اليقين" و"الإحكام" و"التفوق الاستخباراتي".

ولتعزيز وصول الآراء والتحذيرات إلى القيادة، أتاح بيندر لكل من يمتلك صلاحية استخدام حواسيب «أمان» إرسال رسالة مباشرة إليه بالضغط على المفتاحين «Ctrl» و«K»، من دون المرور بالتسلسل القيادي التقليدي.

وفي موازاة ذلك، أعادت «أمان» الاعتبار لمهمة الإنذار، وأنشأت غرفة عمليات مركزية باسم «تموناه»، أي «الصورة الاستخباراتية»، داخل منشأة تحت الأرض بمحاذاة مركز العمليات التابع لهيئة الأركان العامة في مجمع «الكرياه».

وتجمع الغرفة المعلومات الاستخباراتية الواردة من مختلف الساحات في مكان واحد، بدلاً من بقائها موزعة بين الوحدات وأقسام الإنذار. وفي المرحلة الأولى، عمل داخل الغرفة عناصر من «أمان»، على أن ينضم إليهم مستقبلاً ممثلون عن سلاح الجو والبحرية والشاباك والموساد.

أما مسؤول كبير سابق في «أمان»، فاعتبر أن التغييرات العميقة ستحتاج إلى سنوات، وأن النجاحات العسكرية والاستخباراتية التي حققتها إسرائيل بعد 7 أكتوبر قد تجعل المراجعة أكثر صعوبة، لأنها تعيد إنتاج الشعور بصحة الأساليب القائمة.

وعبّرت العقيد في الاحتياط ميري آيزن، المسؤولة السابقة في «أمان» والمستشارة السابقة لرئيس الوزراء لشؤون الإعلام الأجنبي، عن تحفظ مشابه خلال المؤتمر الإسرائيلي السنوي لدراسات الاستخبارات في الجامعة العبرية، قائلة: «إن إحداث تغيير جذري وحقيقي أمر مستحيل. أما ما يمكن فعله فهو أن نصبح أفضل».

ذات صلةTRT عربي - كيف اختفى "التحذير من اندلاع الحرب" من مفهوم الأمن الإسرائيلي؟

حضور مؤسسي وتأثير محدود

رغم مرور نحو خمسة عقود على تأسيس قسم الرقابة في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، فإن تأثيره الفعلي ظل موضع تساؤل، سواء من حيث الموارد التي وُضعت تحت تصرفه، أو مكانته داخل المؤسسة وقدرته على المشاركة في صياغة التقديرات، أو دوره في المحطات الاستخباراتية والاستراتيجية الحاسمة.

فعلى صعيد الموارد، تكشف تجربة القسم عن فجوة بين حجم المسؤوليات الملقاة عليه والإمكانات المتاحة له، فمنذ تأسيسه عام 1974 بضابط واحد برتبة مقدم، ظل محدود العدد مقارنة بحجم المنظومة البحثية التي كُلف مراجعة تقديراتها، رغم اتساع نطاق القضايا التي تناولها على مر السنين. كما شهدت مكانته التنظيمية تراجعاً في بعض الفترات، ووصل عدد العاملين فيه في الخدمة الدائمة إلى ضابطين فقط قبيل هجوم السابع من أكتوبر 2023.

أما مكانته داخل "أمان"، فقد شهدت تقلبات بين تعزيز صلاحياته وتقليصها، ففي إحدى مراحل تطوره، رُبط القسم مباشرة برئيس الشعبة، ما أتاح له تجاوز التسلسل الإداري لشعبة البحث والوصول إلى أعلى مستويات القيادة. لكن هذه المكانة لم تضمن له تأثيراً ثابتاً في التقديرات، إذ ظل وزن آرائه مرتبطاً إلى حد كبير بشخصية رئيسه، وعلاقته برئيس "أمان"، ومدى استعداد القيادة لتقبّل المواقف المخالفة.

ويشير كتاب "محامي الشيطان" إلى معضلة رافقت عمل القسم طوال تاريخه، فبينما كان مطالباً بمراجعة التقديرات السائدة وتحديها باستقلالية، ظل بحاجة إلى تعاون الجهات التي يراقبها للحصول على المعلومات والمشاركة في النقاشات. وهو ما جعل قدرته على أداء دوره مرتبطة بالتوازن بين الحفاظ على استقلالية النقد وتجنب العزلة داخل المؤسسة.

لكن الاختبار الأهم لتأثير القسم يتمثل في أدائه خلال المحطات المركزية. فبحسب العرض التاريخي لتجربته، لم يتمكن من استباق تحولات كبرى، بينها الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 واتفاقيات أوسلو عام 1993، والانتفاضة الثانية عام 2000.

وبذلك لم تكن المشكلة في غياب الرأي المخالف بقدر ما كانت في محدودية الموارد المخصصة لإنتاجه، وتقلب مكانته داخل المؤسسة، وضعف قدرته على التأثير في القناعات التي تبنتها القيادة.

الرقابة في الشاباك

لم تكن تجربة الرقابة الاستخباراتية حكراً على "أمان" فقد انتقلت الفكرة، بصيغ مختلفة، إلى جهازي الشاباك والموساد، لكن مسارها في الجهازين كشف أن إنشاء وحدة للنقد لا يضمن استمرارها أو تأثيرها، ما لم تحظَ بدعم مؤسسي يتجاوز الأشخاص الذين يقودونها.

وتأخر إنشاء قسم الرقابة في الشاباك حتى عام 2000، أي بعد نحو 26 عاماً من تأسيس نظيره في "أمان" وعلى خلاف «أمان»، التي نشأت فيها الرقابة استجابة لإخفاق استراتيجي في حرب أكتوبر 1973، ارتبط تأسيسها في الشاباك بعملية إعادة تنظيم وحدة البحث وتطوير أساليب عملها، في ظل التغيرات التي شهدتها الساحة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو ومع اندلاع الانتفاضة الثانية.

وكانت المشكلة الأساسية التي واجهت الشاباك تتمثل في التوفيق بين مهمتين مختلفتين: إنتاج تقديرات استراتيجية بشأن التطورات الفلسطينية، ومواكبة الاحتياجات العملياتية لجهاز يركز أساساً على إحباط الهجمات والتهديدات الأمنية.

وفي البداية لم يكن قسم الرقابة معنياً بصورة رئيسية بتحدي التقديرات الاستخباراتية، بل انصبَّ نشاطه على تطوير مناهج البحث، وترسيخ إجراءات العمل، واستيراد المعرفة من المؤسسات الأكاديمية والخبراء الخارجيين.

ولذلك اتسمت منشوراته بطابع منهجي أكثر من كونها تقديرات بديلة أو مناقضة للتصورات السائدة. لكن التجربة شهدت تحولاً مع تولي دورون ماتسا، أحد مؤلفي كتاب "محامي الشيطان"، رئاسة القسم. فقد سعى لتحويله إلى هيئة للنقد الفكري، تستلهم تجربة "أمان"، لكنها تختلف عنها في اعتماد التحليل المنظومي والسياقي، بدلاً من التركيز على تحليل الأحداث والوقائع منفردة.

وأصبح القسم أكثر انخراطاً في تحدي التصورات البحثية، إلى جانب توليه مسؤولية استقطاب الباحثين الجدد وتدريبهم، ما منحه قدرة على التأثير في الثقافة البحثية للجهاز.

غير أن هذه المرحلة لم تستمر طويلاً. فقد أدت تغييرات القيادة وإعادة إخضاع وحدة البحث للأطر العملياتية إلى تقليص استقلاليتها، وانعكس ذلك مباشرة على قسم الرقابة.

وبحسب الكتاب، تراجعت أهمية النقاش الاستراتيجي والنقدي لصالح الاحتياجات العملياتية المباشرة، وأصبحت المنتجات النقدية للقسم تواجه اللامبالاة، قبل أن يتقلص دوره تدريجياً إلى التدريب والمنهجية، مع خفض مكانته التنظيمية.

الرقابة في الموساد

أما في الموساد، فقد بدأت تجربة الرقابة المؤسسية بصورة رسمية في فبراير/شباط 2008، بعد محاولتين سابقتين قصيرتي العمر لم تنجحا في ترسيخ الوظيفة داخل الجهاز.

ويشير كتاب "محامي الشيطان" إلى أن إنشاء القسم جاء بدعم من رئيس الموساد آنذاك مئير داغان ونائبه تمير باردو، لكنه واجه بيئة تنظيمية مختلفة عن "أمان"، سواء من حيث حجم وحدة البحث ومكانتها، أو محدودية الموارد، أو ضعف التقاليد المؤسسية المرتبطة بالرقابة.

ولهذا، اتُّبع نهج أقل تصادمية في البداية، بهدف بناء الثقة وتجنب إثارة مقاومة داخلية لفكرة وجود جهة مهمتها تحدي التقديرات الاستخباراتية.

وكان الاختلاف الأساسي عن "أمان" يتمثل في نطاق العمل، ففي حين كانت منتجات قسم الرقابة في "أمان" تصل إلى هيئة الأركان العامة والمستوى السياسي وجهات أخرى في مجتمع الاستخبارات، اقتصر نشاط نظيره في الموساد بصورة شبه كاملة على القضايا الداخلية للجهاز.

كما حُددت أولوياته في ملفات بعينها، أبرزها إيران وبرنامجها النووي، وحزب الله، وانتشار الأسلحة الاستراتيجية في المنطقة، بينما استُبعد الملف الفلسطيني من نطاق عمله منذ البداية.

وارتبطت التجربة بدرجة كبيرة بشخصية ضابط استخبارات مخضرم انتقل من "أمان" لتولي رئاسة القسم، وجلب معه خبرة بحثية واسعة ومعرفة تراكمية بالقضايا الإقليمية.

لكن اللافت في تجربة الموساد أن القسم لم يتحول إلى مؤسسة مستقلة عن الشخص الذي يقوده. فمع تقاعد رئيسه في فبراير/شباط 2020، لم يُعيَّن له بديل فعلي، وانتهى بذلك نشاط الرقابة المؤسسية بالشكل الذي يصفه الكتاب.







مصدر:TRT Arabi
اكتشف
الجزائر تفعّل رسميا عقوبة الإعدام في حرائق الغابات واختطاف الأطفال
"تشات جي بي تي" في مواجهة القضاء.. 8 ولايات أمريكية ترفع دعاوى ضد الشركة المطوّرة
تركيا تسلّم إيطاليا قيادة قوة "كفور" التابعة للناتو في كوسوفو
الضفة.. 23 اعتداء على المساجد واعتقال ألفي طفل منذ حرب الإبادة في 2023
تركيا تنفي ادعاءات منع سكان قرى في رأس العين السورية من العودة إلى منازلهم
مصر.. وفاة 4 أشخاص وإصابة 8 بانهيار عقار في القاهرة
مقتل 6 أشخاص بضربات روسية ليلية على أوكرانيا واستهداف منشآت الطاقة في كييف
ترمب: تايوان وافقت على شراء 30% من الغاز المسال من مشروع ألاسكا
الشيباني: إسرائيل تسلّح مجموعات مسلحة في السويداء لزعزعة استقرار سوريا
مقتل 4 من عناصر أمن الطرق في هجومين بريف حماة وسط سوريا
إصابة 4 أشخاص وتضرر 15 منزلاً بالرياض إثر اعتراض صاروخين.. وحريق محدود بمبنى لأرامكو
اعتراض 6 مسيرات و6 صواريخ حوثية استهدفت السعودية الثلاثاء
الرئيس أردوغان يتسلم أوراق اعتماد سفراء 5 دول لدى تركيا خلال مراسم في أنقرة
نائبة الأمين العام للناتو: تركيا تشهد ثورة صناعية في قطاع الدفاع منذ فترة طويلة
الرياض تتوعد الحوثيين.. غارات على محطة نفطية غرب صنعاء ومقتل شخصين بهجوم على شركة نفطية