يثري التنوع العرقي في تركيا أرشيفها الموسيقي. فكيف يتفاعل الأتراك مع الموسيقى؟ وما امتدادات هذا التفاعل في تفاصيل حياتهم اليومية؟

يقال إذا أردت أن تتعرف في بلد ما مبلغ حظه من المدنية، ونوع رقيه، فاستمع إلى موسيقاه، إذ تعد الموسيقى مرآة لثقافة الشعوب. ويستطيع الناظر إلى أي شعب أن يدرك العلاقة البنيوية التي تشغلها الموسيقى في تفاصيل حياته اليومية على امتداد الحقب التاريخية التي عاصرها، وتنوع الأعراق فيه.

ينطبق ذلك على الحالة الموسيقية التركية، إذ يستطيع المتتبع للإرث الموسيقي فيها أن يلحظ إثراء التنوع العرقي كالكردية والأرمنية والأذربيجانية واليونانية والألبانية لأرشيفها الموسيقي. يأتي ذلك على هيئة مقطوعةٍ يتصل فيها القديم بالحديث فتُسري على روح السائح السائر في شوارعها وحاراتها. فكيف يتفاعل الأتراك مع الموسيقى؟ وما امتدادات هذا التفاعل في تفاصيل حياتهم اليومية؟ وأين التقت الموسيقى التركية بنظيرتها العربية؟ وما الذي تتميز به مدينة إسطنبول عن غيرها من المدن التركية في هذا المجال؟

شغفٌ موسيقيّ

رُزق الأتراك بحب الموسيقى، وذلك جزء من شغف الأتراك بالفنون عامة. يمكنك أن ترى العديد من اليافعين، ذكوراً وإناثاً، وهم يحملون آلاتهم الموسيقية على ظهورهم وأنت تستقل حافلة في تركيا أو حتى وأنت تسير في الشارع.

كما ستلحظ أيضاً على جنبات الشارع وأنفاق القطار وسائر المواصلات فيها فرقاً وعازفين لمقطوعات موسيقية تركية وعالمية. فإن كنت، على سبيل المثال، واحداً من بين ملايين الزوار لشارع الاستقلال في قلب إسطنبول، فإنه لن يغيب عنك أن تشنف أذنيك بأطياف الموسيقى متنوعة الأصول، يشي المشهد هذا بالصلة الشعبية التي تربط الأتراك بالموسيقى.

القالب الموسيقي الجمعي الذي يتفاعل به الأتراك يبدو جلياً من خلال قيام عدد منهم بمشاريع يتخاطبون تحت مظلتها بلغة الفن والموسيقى. TRT عربي التقت بصاحب أحد هذه المشاريع.

نحن لا نتحدث باللسان ولا بالشفاه، بل بالموسيقى، تسمع النغمة فترد عليها بنغمة أخرى، وهذا الأمر مشتهر في الموسيقى التركية

عبد الله توركوت

عبد الله توركوت، طالب هندسة ويعزف على الناي منذ أن كان عمره 12عاماً، كما يعزف على آلة الطنبور، قام هو وصديقته التي تعزف على آلة القانون بإنشاء مرسم موسيقي صغير لنشر ثقافة الفن والموسيقى بين الشباب في منطقة أوسكدار بإسطنبول.

يحضر إلى المرسم الموسيقي الذي أنشأه عبد الله أفراد من فئات عمرية مختلفة تتراوح من ست سنوات إلى 60، يبحث كل منهم عن نفسه في الفن أو الموسيقى.

يمتد الشغف بالموسيقى إلى الكبار أيضاً. تعزف التركية حليمة أوزكة، 70 عاماً، على آلة سبسي، وهي آلة موسيقية شعبية يستخدمها الأتراك في مناسبات الأعراس. تبدأ علاقة حليمة بآلتها الموسيقية منذ نشأتها الأولى، إذ تجمع القصب من ضفاف الأنهار، وتقوم بتصنيعها، ومن ثم تبيعها للمشترين.

السيدة التركية حليمة أوزكة، 70 عاماً،  تصنع  آلة سبسي الموسيقية وتعتاش منها
السيدة التركية حليمة أوزكة، 70 عاماً،  تصنع  آلة سبسي الموسيقية وتعتاش منها (AA)
وينسجم الأتراك مع آلاتهم الموسيقية في علاقة ثنائية يتفننون بصنع أدواتها. الباحث الموسيقى التركي أوزان أوزدمير، صنع آلة موسيقية وترية من درع السلحفاة، على غرار آلة أثرية، تعود إلى نحو ثلاثة آلاف عام، كان قد عُثر عليها خلال حفريات على الحدود الأذرية الإيرانية. ويصل الأمر لدى أوزدمير، المقيم في مدينة إزمير غرب تركيا، إلى مبلغ الهواية. إذ يصنع آلات موسيقية ويعيد إحياء آلات موسيقية قديمة، من خلال عمله متطوعاً في ورشة الآلات الموسيقية التابعة لمتحف الموسيقى ومكتبة الأصوات في إزمير.
أوزان أوزدمير، باحث موسيقي تركي، صنع آلاته الموسيقية من درع السلحفاة
أوزان أوزدمير، باحث موسيقي تركي، صنع آلاته الموسيقية من درع السلحفاة (AA)

وإذا كانت الموسيقى التربة الخصبة للنفس حتى تحيا كما رآها بتهوفن، فإن الإيمان العميق لدى الأتراك بالموسيقى واتحادهم بها تجاوز تفاصيل كثيرة يتفاعلون معها يومياً، من ذلك ما قام به التركي خليل كالاباك عام 2014 بتربية حيواناته على أنغام الموسيقى الشعبية، معتقداً في تأثيرها الإيجابي على الحيوانات وزيادة إنتاجها.

ومع انتشار الموسيقى الرقمية فلا يزال هناك كثير من الناس ينجذبون إلى الموسيقى الكلاسيكية وطقوس سماعها عبر أشرطة "الكاسيت". محمد كوج أوغلو، 50 عاماً، واحد من هؤلاء. يجمع 150 ألف شريط قام بتجميعهم على مدى ربع قرن في متجره بالعاصمة التركية أنقرة. فيه مجموعات موسيقية كاملة لأشهر المطربين الأتراك مثل زكي موران، وإبراهيم تاتليسيس، ومسلم غورساس، إضافة إلى وجود الأسطوانات القديمة.

يبلغ الشغف بالموسيقى مبلغه لدى الأتراك إلى الحد الذي لا تطفؤه أعباء السياسة وثقلها، فهناك سياسيون بارعون في العزف على الآلات الموسيقية، منهم المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، فهو يعزف على آلة البزق ويشارك في أنشطة ثقافية فنية.

 المتحدث باسم الرئاسة التركية،إبراهيم قالن يعزف في المهرجان الدولي للموسيقى الشعبية الذي نظمته بلدية مدينة إسطنبول
 المتحدث باسم الرئاسة التركية،إبراهيم قالن يعزف في المهرجان الدولي للموسيقى الشعبية الذي نظمته بلدية مدينة إسطنبول (AA)

الإنتاج الموسيقي والأرابيسك

التقت TRT عربي مخرج الأفلام والمختص في تاريخ الفنون جِم جاتبينار، الذي بدأ علاقته مع الموسيقى منذ أن كان على مقاعد الثانوية. عزف جاتبينار على العود والبزق وله محاولات عدة مع الدف، ويقوم بتنظيم العديد من الأعمال المتعلقة بالوسط الثقافي والفني في إسطنبول منذ سنوات طويلة.

يرى جاتبينار أن هناك مساحة واسعة من الحرية الفنية في تركيا، إلا أن هيمنة الموسيقى الشعبية تجعل الأمر أكثر صعوبة عند أداء الفروع الأخرى منها. ويقول "مهما كان الاهتمام ضعيفاً بفروع الموسيقى الأخرى فإن هذا الأمر يفتح للموسيقِيّ باباً آخر للحرية، يتمثل في حرية الألحان والكلمات، ويجعل كتلة المستمعين الأقلية، كتلة صادقة ولديها ارتباط أكبر".

أسماء عديدة تصدرت الموسيقى التركية لسنوات طويلة، السيدة مزيّن سينار أهم هذه الأسماء؛ "وقفتها وصوتها يجعل منها شخصية ممتازة" كما يصفها جاتبينار. إلى جانب السيد مُحرّم إرتاش وهو أحد أعمدة الموسيقى الشعبية التركية، "وله ستايل لا مثيل له"، والسيد أوزَر أوزيل "وهو شخص يليق به أي ستايل، أعشق صوته ومهارته على الآلات الموسيقية" يقول جاتبينار.

تتقاطع الموسيقى التركية مع مثيلتها العربية في آلاتها وألحانها، فإذا ما عدنا إلى بدايات القرن الماضي سنكون مع البداية الأولى لظهور مصطلح موسيقى "الأرابيسك". ويطلق على الموسيقى التركية التي تأثرت بالموسيقى العربية وألحانها، المصرية منها على نحو الخصوص، وذلك حين تحوّل الأتراك للاستماع إلى الإذاعات العربية عقب منع الإذاعة العثمانية كإحدى سياسات التتريك.

إن العرب والأتراك مجتمعان عاشا جنباً إلى جنب لمدة مئات السنين. وأجد التشابه الموسيقي بينهما أمراً طبيعياً، إلا أن مصطلح "الأرابيسك" بمعناه الأدبي دخل بشكل خاطئ

جِم جاتبينار

يعلق جاتبينار على ذلك بقوله "إن العرب والأتراك مجتمعان عاشا جنباً إلى جنب لمدة مئات السنين. وأجد التشابه الموسيقي بينهما أمراً طبيعياً، إلا أن مصطلح الأرابيسك بمعناه الأدبي دخل بشكل خاطئ".

ويؤكد جاتبينار أنه في الوقت الذي يتم إعلاء شأن أنواع الموسيقى من البلدان المختلفة في تركيا، فإنه يجب عدم تحجيم الموسيقى العربية وحصرها في مجال كهذا.

مدينة إسطنبول.. أذنٌ موسيقية

تنعكس خصوصية مدينة إسطنبول، أكبر مدن تركيا وأكثرها اكتظاظاً بالسكان، على طبيعة الإنتاج الفني فيها، يشير إلى ذلك جاتبينار بقوله "إسطنبول منطقة كثيفة، وأنا أقصد بهذه الكلمة كلا المعنيين: مكتظة وصعبة المعيشة، وفي نفس الوقت أعتقد أن تدفق الثقافة والفنون فيها فعال وخصب".

إلا أن ذلك لا يعني سهولة إنتاج الأعمال الفنية في إسطنبول، بل إنه "أمر صعب" يصفه جاتبينار، ويوضح "الفن الذي نقصده يحتاج إلى تخصيص وقت كبير وهدوء مزاجي كي يتم إنتاجه. ولكن لا يمكن الحديث عن معوقات بشكل مباشر".

وتعد مدينة إسطنبول وتراً موسيقياً يعزف عليه العديد من موسيقيي العالم ألحانهم ويقيمون فيه حفلاتهم، إذ وجد فيها أسرع عازف بيانو في العالم، الكرواتي مكسيم مرفيكا، مسرحاً أحيا فيه حفلاً غنائياً التقى فيه محبيه، وهو صاحب المقطوعة الموسيقية الأكثر مبيعاً حول العالم تلك التي عزفها من أجل مسلسل صراع العروش الشهير. "إنها تبعث طاقة مميزة" يقول مرفيكا.

الكرواتي مكسيم مرفيكا، أسرع عازف بيانو في العالم، خلال حفل له في مدينة إسطنبول
الكرواتي مكسيم مرفيكا، أسرع عازف بيانو في العالم، خلال حفل له في مدينة إسطنبول (AA)

الموسيقى.. إرثٌ وتاريخ

بدأ تنظيم الموسيقى في تركيا في القرن الثالث عشر وفق ما نشره الموقع الإلكتروني ذا كلتشر تريب حول أصول الموسيقى التركية الكلاسيكية والشعبية. أخذ الأتراك حينها المقامات من آسيا والأناضول.

وبدأت الدراسات النظرية المتعلقة بالموسيقى العثمانية في الظهور منذ أواخر القرنين الرابع عشر والخامس عشر. لتكون بوابة لتدريس الموسيقى في المعهد الموسيقي الملحق بالقصر.

ويعد الطنبور والناي والعود والقانون والكمنجة أبرز الآلات الموسيقية التي مثلت الموسيقى التركية الكلاسيكية. وانتشرت الموسيقى الشعبية داخل الأناضول حتى القرن العشرين حسب الموقع ذاته.

حفل موسيقي قدمته إحدى الفرق الموسيقية التركية ويظهر فيها تنوع الآلات الموسيقية من القانون والدف والعود
حفل موسيقي قدمته إحدى الفرق الموسيقية التركية ويظهر فيها تنوع الآلات الموسيقية من القانون والدف والعود (AA)

تغير المشهد في الربع الأول من القرن العشرين، حين أصبح الأتراك على اتصال مباشر مع الحضارة الغربية. وتركت فرق الأوركسترا والكورال والأوبرا والباليه أثرها على الساحة الموسيقية التركية.

وأدى خلط الأغاني والألحان التركية مع ألحان غربية حديثة إلى جانب التنوع التركي العرقي إلى ظهور مشهد موسيقي حيوي.

ولا تزال الموسيقى الشعبية، حتى اليوم، أحد أهم فروع الموسيقى التركية، إضافة إلى تدريس الموسيقى التركية الحديثة في المدارس والمعاهد الموسيقية، ما يعكس وجهاً من اهتمام السلطة السياسية بالموسيقى.

وتسعى تركيا لحفظ مكان لها في التراث الموسيقي العالمي، من ذلك ما قامت به ولاية شانلي أورفا الواقعة جنوبي تركيا، من تسجيل اسمها في قائمة التراث العالمي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، ولقيت موافقة على ذلك لما تتمع به من إرثٍ عريق في الغناء.

المصدر: TRT عربي