يشكل النفط دوراً محورياً في مسار الأزمة السياسية التي تشهدها فنزويلا ، فالإدارة الأمريكية استهدفته بعقوبات قاسية في مسعى لمنع أي تدفق مالي إلى نظام مادورو لعزله وإسقاطه. الوضع المشتعل قد يصل إلى نزاع مسلح للسيطرة على المنبع الرئيسي لقوة النظام.

الصراع على النفط يعتبر أحد محاور الأزمة المتصاعدة في فنزويلا
الصراع على النفط يعتبر أحد محاور الأزمة المتصاعدة في فنزويلا (TRT Arabi)

تحمل العقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية على شركة النفط الوطنية الفنزويلية - PDVSA المملوكة للحكومة تطوراً خطيراً، وذلك في ظل الأزمة السياسية التي تشهدها فنزويلا بعد أداء رئيس البرلمان خوان غوايدو اليمين الدستوري كرئيس للبلاد في وجود الرئيس الحالي نيكولاس مادورو.

العقوبات الأمريكية التي تجمد7مليارات دولار (أصول شركة النفط الوطنية) تهدف إلى الضغط على نظام مادورو لعزله وتضييق الخناق عليه وقطع سبل تدفق الأموال إليه، وستتسبب في خسارة11 مليار دولار خلال العام المقبل، وفقاً لتصريح لجون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي.

كما تحظر مصافي النفط الأمريكية من إيداع المدفوعات مباشرة إلى شركة النفط الفنزويلية، بل تحويلها إلى حساب لا يخضع لسيطرة الحكومة، كما أنها حظرت على فرع الشركة الفنزويلية في الولايات المتحدة - CITGO إرسال أرباحه إلى الشركة الأم في فنزويلا والتي تساهم بنسبة 4% من سوق الوقود في الولايات المتحدة.

وبالنسبة لشركات النفط الأمريكية العاملة مع شركة النفط الوطنية منحتها العقوبات مهلة حتى27 يوليو/تموز المقبل وبالتالي قد تشهد فنزويلا تراجعاً في الإنتاج في وقت لاحق من هذا العام.

تداعيات العقوبات الأمريكية على قطاع النفط الفنزويلي
تداعيات العقوبات الأمريكية على قطاع النفط الفنزويلي (TRT Arabi)

لماذا قطاع الطاقة؟

يشكل قطاع الطاقة عصب الاقتصاد الفنزويلي؛ فأكثر من90%من عائدات البلاد من النقد الأجنبي تأتي من الصادرات النفطية، وتنفَق في استيراد احتياجات البلاد الأساسية من المواد الغذائية والأدوية التي تشهد نقصاً حاداً، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة.

فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يبلغ 303مليارات برميل، وهي ثالث مورّد للنفط للولايات المتحدة ومصدر رئيس لخام النفط الثقيل والثقيل جداً عالمياً، الذي يستخدم إلى حد كبير لإنتاج نواتج التقطير مثل وقود الديزل ووقود الطائرات، وتسيطر شركة النفط الفنزويلية الوطنية على هذه الصناعة بالكامل.

ويشكل هذا القطاع محوراً أساسياً في المأزق السياسي الحالي؛ ففي تصريح لمستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون قال"إذا تمكنّا من دفع شركات النفط الأمريكية إلى الاستثمار وإنتاج النفط في فنزويلا، فستحدث فرقاً نوعياً بالنسبة للولايات المتحدة“.

ويشير المحلل السياسي حسان الزين، المختص في الشأن اللاتيني، في مقابلة مع trtعربي إن "الولايات المتحدة تسعى للهيمنة على مقدرات النفط الفنزويلي، فعلى الرغم من أنها تعتمد على نفط الشرق الأوسط٬ فإن القادم من جارتها اللاتينية يظل خيارها المفضل٬ فهو يستغرق 5 أيام فقط للوصول إلى سواحلها، في حين أن القادم من الشرق الأوسط يستغرق 45 يوماً، كما أن فنزويلا تؤمّن لها أهم احتياج نفطي في العالم من النفط الثقيل، فضلاً عنأن مصافي التكرير الأمريكية المصممة خصيصاً لمعالجة النفط الفنزويلي تسيطر عليها CITGO التي تمتلك 16 ألف محطة داخل البلاد".

وأكد الزين أن الجغرافية السياسية تؤثر بعمق على كيفية تعاطي الولايات المتحدة مع الأزمة الفنزويلية التي يقع نظامها خارج سيطرتها ويتلقى الدعم من الصين وروسيا.

فالصين هي المقرض الرئيس لفنزويلا منذ عام 2008، فقد قدمت ما يقدر بنحو 70مليار دولار على دفعات عدة، معظمها تسدد على هيئة نفط، ذهب أغلبها إلى قطاع الطاقة، 12 قرضاً من أصل 17 أي ما يوازي 55 مليار دولار.

وفي ظل مخاوف من آثار العقوبات الأمريكية القاسية التي تتابع فرضها منذ أغسطس/آب2017 مستهدفة الاقتصاد الفنزويلي وإضعاف قطاع النفط، فقد منحتها الصين قرضاً آخر بقيمة5 مليارات دولار، لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتدهور ولدعم استمرارية ضخ النفط الفنزويلي إلى الصين لتسديد ديونها المتراكمة.

كما حصلت فنزويلا من شركة روزنفت، أكبر منتج للنفط في روسيا، على قرض بقيمة1.5مليار دولار، عرضت فنزويلا مقابله 49.9%من أسهم CITGO لصالح الشركة الروسية كضمانة، وبالتالي قد يكون هناك نزاع روسي أمريكي على الحقوق المالية في CITGO.

النفط الفنزويلي  في أرقام  
النفط الفنزويلي  في أرقام   (TRT Arabi)

جذور الأزمة الاقتصادية

شهدت فنزويلا فترة من تحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بدءاً من عام2004 بعد ارتفاع أسعار النفط، عبر سلسلة منالإصلاحات تبناها الرئيس السابق هوغو تشافيز ساهمت في تعزيز شعبيته ورسخت السياسات الاشتراكية في البلاد.

ذهبت المليارات من عوائد النفط للإنفاق على برامج الإصلاح الاجتماعي والرعاية الصحية والإعانات لتنخفض معدلات الفقر إلى أقل من النصف، الإصلاحات اعتمدت بالأساس على عوائد النفط لكنها لم توجه في خطط اقتصادية مستدامة، وبالتالي فأي تقلب في أسعاره من شأنه أن يشل هذه البرامج ويقف حائلاً أمام استدامتها، وبعد وفاة تشافيز خلفه مادورو في الحكم، هذا هو ما حدث بالفعل.

فقد هوت أسعار النفط في العام2014 مسببة تراجعاً في إيرادات البلاد لتشكل تحدياً أمام صمود برامج النمو والرعاية الصحية، وبدأت مؤشرات أزمة اقتصادية تلوح في الأفق لم تتمكن إدارة مادورو من احتوائها، لتدخل البلاد في مرحلة انهيار اقتصادي حاد وصل إلى انعدام قدرة الدولة على توفير الاحتياجات الأساسية من الدواء والمواد الغذائية، دفعت ملايين الفنزويليين إلى الفرار من البلاد، فمنذ2014 حتى اليوم ما يقرب من 3 ملايين فنزويلي لجؤوا إلى الدول المجاورة بحسب تقديرات الأمم المتحدة، وتضخم مفرط سجل الأعلى عالمياً1.37 مليون% بحسب بيانات صندوق النقد الدولي، فضلاً عن تراجع معدلات إنتاج النفط إلى أكثر من النصف في 10سنوات.

في خضم الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد باتت جميع السيناريوهات مطروحة بما فيها النزاع العسكري وخصوصاً على المناطق الغنية بالنفط باعتباره الثروة القومية الأهم للبلاد

المحلل السياسي- حسان الزين

سيناريوهات متوقعة

في تقييمه للوضع المتأزم في فنزويلا يقدر الزين أنه في خضم الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد باتت جميع السيناريوهات مطروحة بما فيها النزاع العسكري وخصوصاً على المناطق الغنية بالنفط باعتباره الثروة القومية الأهم للبلاد.

وتتجه البلاد إلى انقسام سياسي حاد، بدأ يتبلور على الصعيدين الدبلوماسي الذي تمثَّل في إرسال زعيم المعارضة قائماً بأعمال الحكومة الفنزويلية في الولايات المتحدة، والمالي الذي تمثل في العقوبات التي تستهدف إحكام أي مصدر تمويل للحكومة ومنح المعارضة السلطة في إدارة أموال الدولة خارج فنزويلا، وقد تتسع الرقعة ليشمل التوجه دولاً مثل الهند وبعض الدول الأسيوية.

وقد يتحول الوضع إلى نزاع عسكري داخلي مع بعض الانشقاقات العسكرية التي ستحارب إلى جانب المعارضة بدعم الولايات المتحدة من قواعدها العسكرية المتمركزة في كولومبيا، والتي قد تقدم لها الدعم اللوجستي.

وبالتالي قد يشتعل نزاع مسلح في مناطق تركُّز النفط، بدعم من الجارة الغريبة كولومبيا؛ للسيطرة عليها وانتزاعها من سيطرة نظام مادورو.

المصدر: TRT عربي