كان إنتيغام فَرَجلي ما يزال طفلاً رضيعاً حين اضطرت عائلته إلى الفرار من مدينة لاتشين الأذربيجانية بعد احتلال القوات الأرمنية إقليم قره باغ.

والآن بعد أن أصبح في التاسعة والعشرين من عمره يعيش في العاصمة الأذربيجانية باكو، ويتابع هو وعائلته تقدم الجيش الأذربيجاني وشعور بالخوف يتملكهم، فربما يتمكنون من العودة إلى ديارهم بعد ما يقرب من 30 عاماً.

يقول فرجلي في حديثه لـTRT: "اضطرت عائلتي إلى مغادرة القرية قبل يومين من احتلال المنطقة بالكامل".

وبعد فرار عائلة فرجلي مكثوا في البداية مع صديق والدهم لمدة ثمانية أشهر في مدينة آقجبدي الوسطى في أذربيجان، ثم استقرت الأسرة بعد ذلك في مصنع مهجور لإنتاج عصير الرمان، ثم استقر بها المقام في باكو.

يقول فرجلي: "طوال كل هذه السنوات لم تمتلك عائلتي منزلاً، كانوا يتنقلون بين البنايات للبقاء على قيد الحياة فحسب، ولم يتوقفوا عن الحلم بالعودة إلى حياتهم في لاتشين".

وجديرٌ بالذكر أنه في عام 1989 كان عدد سكان لاتشين يتجاوز 46 ألف أذربيجاني و44 روسياً و3 أرمن وعدداً كبيراً من السكان الأكراد.

والآن تشهد مدينة لاتشين، المتاخمة للحدود المعترف بها دولياً لأرمينيا، نزوح كثير من سكانها الأصليين قسراً.

وقد قُتل ما يقرب من 30 ألف شخص ونزح ما يقرب من مليون أذربيجاني نتيجة للصراع في قره باغ في أوائل التسعينيات.

والآن، بعد أكثر من شهر من القتال، استعادت أذربيجان أكثر من 15% من منطقة قره باغ التي احتلها الأرمن وتقف على أعتاب استعادة لاتشين.

يقول فرجلي بلهجة حالمة: "لم أتوقف عن التفكير في قريتي، والمنزل الذي ولدت فيه، حيث فتحت عيني على العالم. أنا متشوق كثيراً لرؤية قريتي، هل هي حقاً جميلة كما قال والداي؟".

اقرأ أيضاً:
من حرب الاستقلال إلى تحرير قره باغ.. تلاحم تاريخي بين تركيا وأذربيجان

وعلى الرغم من بداية حياته الصعبة أصبح فرجلي الآن خبيراً في دوري كرة القدم للمحترفين في أذربيجان.

وعند سؤاله هو وعائلته عن إمكانية عودتهم، أجاب فرجلي على الفور: "سنعود بالطبع". وأضاف: "على الرغم من أن كل فرد منا أصبح لديه حياة جديدة في باكو، فهذا لا يغير حقيقة أننا ننتمي إلى تلك الأرض".

موقع لاتشين الاستراتيجي

فضلاً عن الأهمية التي تمثلها لاتشين لسكانها الأصليين، فهي أيضاً محور استراتيجي يربط بين أرمينيا ومنطقة قره باغ المحتلة.

يقول فرجلي: "لا أظن أن أي شخص من لاتشين كان يحدوه الأمل لتحريرها بسبب دورها الاستراتيجي في الصراع، لكن رؤية الانتصارات التي حققها جيشنا دفعت أهالي لاتشين إلى الإيمان يوماً بعد يوم بأن الدور سيحين على لاتشين لتحريرها".

ويُذكر أنه حتى بعد توقيع وقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان عام 1994، احتفظت يريفان بهذه المنطقة الاستراتيجية، وبدأت في فرض سياسة إعادة التوطين في محاولة لفرض حقائق جديدة على الأرض، وغيرت اسم المنطقة إلى بيردزور.

وصرح رئيس إدارة إعادة التوطين في أرمينيا في بداية الألفية بالقول: "لا بد أن يسكن الأرمن هذه الأراضي بغض النظر عن اعتبارات الدبلوماسيين".

وهذه الفكرة أشعرت الأذربيجانيين أيضاً بالقلق إزاء أي محاولات لوقف إطلاق نار مقترحة خلال الشهر الماضي، فالشك في أن أرمينيا تعتزم الاحتفاظ بالأراضي المحتلة عن طريق تغيير التركيبة السكانية في المنطقة له أساس.

يقول روسيف حسينوف، خبير السياسة الخارجية ومدير مركز توبشوباشوف للأبحاث في باكو، إن السيطرة على لاتشين "ستغير قواعد اللعبة".

وأضاف حسينوف متحدثاً إلى TRT: "سيعني ذلك تحولاً مهماً في مسار الحرب".

وقال حسينوف: "تحرير أذربيجان للاتشين سيؤدي ببساطة إلى قطع أي روابط بين أرمينيا والانفصاليين في ناغورني قره باغ، ووقوع هؤلاء تحت الحصار".

غير أن رئيس الوزراء الأرميني المحاصر نيكول باشينيان متمسك بأمل أن يتمكن الدعم الدولي له من فرنسا وروسيا والولايات المتحدة، حيث تتمتع الجاليات الأرمينية بنفوذ سياسي ومالي، من وقف تقدم أذربيجان.

وعلى الرغم من المحاولات العديدة لوقف إطلاق النار بين الجانبين، فإنها انهارت جميعها في غضون ساعات.

وقال الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إنه مستعد للتفاوض مع نظيره الأرميني بشرط وجود جدول زمني للانسحاب من الأراضي المحتلة في قره باغ، غير أن أرمينيا أحجمت عن الالتزام بهذا الشرط، ربما على أمل حدوث تغيير في المشهد الدولي.

تحرير وألم وخسائر

في ظل استمرار الصراع تصاعدت الخسائر البشرية من طرفي الصراع، حيث قُتل أكثر من 40 أذربيجانياً و 30 أرمنياً في إقليم قره باغ.

كما أصيب المئات من المدنيين من الجانبين بجروح.

وتأسف نرجس عظيملي، المستشارة المالية التي تبلغ من العمر 27 عاماً وتعود أصولها إلى لاتشين، لهذه الخسائر في الأرواح التي تذكرها بمعاناة وألم أسرتها حين اضطروا إلى مغادرة المنطقة وأصبحوا نازحين داخلياً.

وقالت نرجس في حديثها لـTRT : "أدرك أن الأشخاص الذين يعيشون هناك الآن سيقاسون ظروفاً مماثلة، وهذا يحزنني كثيراً".

وأضافت: "أعرف ما عاناه بعض أفراد عائلتي وما كان عليهم تحمله عام 1992، إذ اضطرت عمتي وعائلتها إلى مغادرة منزلهم مع 3 أطفال والانتقال إلى باكو في الليل".

لكن نرجس لا تعرف عن قره باغ إلا ما أخبرها إياه والدها ووالدتها. تقول: "أمي وأبي يقولان لي دوماً إن لاتشين جميلة جداً، وكانا سعيدين فيها".

وقد اشتُق اسم هذا الإقليم الجبلي الغني بتاريخه من "كارا" التي تعني الأَسود، و"باك" التي تعني الحديقة بالفارسية. ولا تصعب معرفة السبب وراء اكتساب هذا الإقليم لاسمه، إذ إنه يضم كميات وفيرة من أشجار الماهوجني، وأشكالاً مختلفة من الثروة المعدنية مثل الكوبالت واليورانيوم والزئبق والذهب والحديد وحتى رواسب الرخام بألوان مختلفة.

غير أن شعور الجيل الأكبر، على وجه الخصوص، بالحنين متجذر أيضاً في زيارة قبور أقاربهم المتوفين، وغرس الشعور بالانتماء إلى أرض أجدادهم في أبنائهم.

تقول نرجس: "على مدار الأعوام العشرين الماضية كانت عائلتي تحدثني دوماً عن رغبتهم في العودة، ورغبتهم في أن يرى أبناءهم المكان الذي نشؤوا فيه، وكم كان جميلاً، وكيف أنهم أرادوا زيارة قبر أبيهم (جدي) وقبور أجدادهم ولو لمرة واحدة فقط".

هذا وشجع الموقف الحالي الأذربيجانيين النازحين من لاتشين، مثل فرجلي، على التواصل معاً لمعرفة كل تقدم يحرزه الجيش. ويأمل كثيرون أن تنتهي المشقة والتهجير اللذان قاسوهما خلال الأعوام الثلاثين الماضية.

يقول فرجلي: "بدأ الجميع الآن في التخطيط لما سيفعلونه عندما يحين وقت العودة إلى لاتشين".

المصدر: TRT عربي