منذ اشتعال أزمة قره باغ بين أذربيجان وأرمينيا لم تتوانَ تركيا عن تقديم أشكال الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري كافة، من خلال تصريحات الرئيس أردوغان بأن "تركيا ستواصل الوقوف إلى جانب أذربيجان الصديقة والشقيقة بإمكانياتها كافة".

كشفت الحرب الأخيرة المتصاعدة بين أرمينيا وأذربيجان منذ أسابيع حول إقليم قره باغ المحتل، عن طبيعة العلاقات التركية-الأذربيجانية الراسخة انطلاقاً من شعار "شعب واحد في وطنين"، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام كثير من التساؤلات حول طبيعة العلاقات بين البلدين وخلفياتها التاريخية والقومية والاقتصادية بأبعادها الاستراتيجية.

هذه العلاقات لم تكن بطبيعة الحال وليدة التطورات الأخيرة، بل هي نابعة من تاريخ حافل من العلاقات الراسخة بين البلدين لخّصه مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك في مقولته الشهيرة "مشكلات الأتراك الاذربيجانيين هي مشكلاتنا، وفرحهم فرحنا، وقدرهم قدرنا"، ومقولة الزعيم الأذربيجاني حيدر علييف: "نحن أمة واحدة، في وطنين".

أقرأ أيضا:
ما دوافع أرمينيا في اعتدائها الحالي على سيادة أذربيجان؟

ومرت العلاقات التركية الأذربيجانية بمراحل تاريخية مختلفة، بدءاً من تأسيس الجمهورية الأذربيجانية الأولى عقب الاستقلال عن روسيا القيصرية، ومشاركة أذربيجان إلى جانب تركيا في الحرب العالمية الأولى وحرب الاستقلال، وما تلاه من الاحتلال الروسي لأذربيجان وانضمامها إلى الاتحاد السوفييتي قبل نيلها الاستقلال عام 1991، وصولاً إلى السنوات الأخيرة التي شهدت تعزيزاً كبيراً في العلاقات بكل مناحيها، وصولاً إلى مستوى التعاون الاستراتيجي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

روابط عرقية وتاريخية

بالعودة قليلاً بالتاريخ نرى أن الأتراك استوطنوا منطقة القوقاز ومن ضمنها أذربيجان الحالية إبان الفتح السلجوقي بالقرن الحادي عشر، لذلك يعتبر الأذربيجانيون أنفسهم أتراكاً كما أتراك تركيا، ويغضبون حين يُسمَّون بالأذريين، وهو الاسم الذي أُلحِقَ بهم بعد تقسيم أذربيجان إلى قسمين بين روسيا وإيران عام 1828 حسب معاهده تركمانشاي، قسم شمالي يتبع روسيا القيصرية وقسم جنوبي يتبع إيران الصفوية، وكان الهدف من هذا الاسم هو سلخهم عن هويتهم التركية.

حتى الآن يعيش ما يقرب من 25 مليون أذربيجاني من أصل تركي داخل حدود دولة إيران. واليوم أذربيجان أحد الأعضاء السبع للمجلس التركي (الدول الناطقة باللغة التركية) الذي أنشئ عام 2009، ويتكلمون بلغة هي الأقرب للتركية من بين الدول الأخرى، إذ إن المتكلم للغة التركية يفهم ما يقوله الأذربيجانيون بكل سهولة ويسر.

جمهورية أذربيجان الأولى

أدت التطورات التي تخللت الثورة في روسيا القيصرية عام 1917 إلى إشعال فكرة إقامة دولة وطنية خاصة بالأذربيجانيين، وخلال هذه المرحلة الانتقالية الحرجة أدّت الأحداث الداخلية والخارجية التي أثرت في تفكك جنوب القوقاز إلى ظهور ثلاث دول (أذربيجان، وأرمينيا، وجورجيا). بعد تفكك اتحاد القوقاز، شكّل المسلمون الأذربيجانيون المجلس الوطني الأذربيجاني في 28 مايو 1918 وأعلنوا ولادة أمة جديدة. وهكذا تأسست أول جمهورية ديمقراطية للأتراك الأذربيجانيين.

كانت المهمة الأولى لمجلس الوزراء الذي تشكل بعد إعلان الاستقلال نشر خبر استقلال أذربيجان كدولة حديثة الولادة في البلدان المهمة حول العالم. لم يكن لجمهورية أذربيجان آنذاك وزارة خارجية ولم يتم بعد فتح سفارات وقنصليات في الدول الأجنبية، ومن أجل أن تأخذ أذربيجان مكانها في المجتمع الدولي وأن تجعل صوتها مسموعاً للعالم الخارجي، كان عليها الاستفادة من وزراة الخارجية للدولة العثمانية وسفارتها في مختلف البلدان الأجنبية التي ساعدت أذربيجان في اتصالاتها الخارجية خلال فترة التأسيس وترسيخ وجودها كدولة مستقلة.

اقرأ أيضا:
لماذا تعجز مجموعة مينسك عن التعامل مع صراع أرمينيا وأذربيجان؟

واجهت أذربيجان بعض العقبات خلال فترة استقلالها، وكان البلاشفة الروس الذين لم يرغبوا قط في خسارة باكو الغنية بالنفط، يستخدمون الأساليب والطرق كافة للضغط على الشعب الأذربيجاني بمساعدة الأرمن لمنعهم من إقامة دولتهم الخاصة. من أجل وضع حد لهذا الوضع، طلبت الحكومة الأذربيجانية مساعدة عسكرية من الإمبراطورية العثمانية، وقبلت الدولة العثمانية الطلب وأرسلت قوة عسكرية بقيادة نوري باشا إلى أذربيجان لتقديم الدعم والحماية ولتحرير باكو عاصمة أذربيجان من قبضة البلاشفة الروس.

في 4 يونيو/حزيران 1918 تم توقيع "اتفاقيات السلام والصداقة" بين الدولة العثمانية وأذربيجان، وكانت هذه الاتفاقية أول اتفاقية توقعها دولة أذربيجان مع دولة أجنبية، ووفقًا للمادة الرابعة من هذه الاتفاقية فإنه يحق لكلا البلدين طلب المساعدة العسكرية من الآخَر في حال تعرض أي منها لخطر خارجي ولحفظ الأمن والاستقرار في البلدين.

وقوف أذربيجان إلى جانب تركيا

إبان الحرب العالمية الأولى وعلى الجبهة التركية في جناق قلعة عام 1914 قاوم الأذربيجانيون جنباً إلى جنب مع الأتراك لمنع استيلاء القوى المعادية المكونة من إنجلترا وفرنسا ومن معهما من الحلفاء، وقدمت أذربيجان كغيرها من شعوب العالم الإسلامي أكثر من ثلاثة آلاف شهيد لتصبح أذربيجان أكثر دولة تقدم شهداء في هذه المعركة التاريخية المفصلية بعد الأتراك.

وعقب ذلك، إبان حرب الاستقلال التركية بداية من 19 مايو 1919 حتى إعلان الجمهورية التركية 29 أكتوبر 1923 قامت أذربيجان بتقديم كل مواردها وإمكانياتها لدعم الحراك التركي لمحاربة قوى الحلفاء الغازية للأراضي التركية، وبعد نفاد الأموال وجفاف الموارد التركية طلب أتاتورك من قائد الفيلق الشرقي كاظم كرابكير في 3 مايو/أيار 1920 أن يستدين من أذربيجان إلى حين القدرة على تأمين موارد جديدة، ولم يقتصر الأمر على الأموال بل تكفلت أذربيجان بإمداد تركيا بالنفط ومشتقاته طوال فترة الحرب.

وعقب تأسيس مجلس الأمة التركي بحلته الجديدة بأنقرة برئاسة مصطفى كمال أتاتورك في أبريل 1920 قام المجلس بتيعين ممدوح شفقت إيسندال مبعوثاً لتركيا في باكو عاصمة أذربيجان، وفي المقابل تم تعيين إبراهيم أبيلوف ممثلاً لحكومة أذربيجان في أنقرة، في ما يُعتبر بداية تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

بعدما شكّل الأذربيجانيون دولتهم المستقلة عام 1918 عاد الروس البلاشفة لغزو أذربيجان عام 1920، ورغم المحاولات الحثيثة لتغييب هويتهم وتذويبهم داخل دول الاتحاد السوفييتي فإن الأذربيجانيين حافظوا على هويتهم وثقافتهم الخاصة التي مكّنتهم لاحقاً من التأسيس للاستقلال الجديد عام 1991.

وخلال خطبته أمام البرلمان التركي في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1921 قال مصطفى كمال أتاتورك إن "مشكلات الأتراك الأذربيجانيين هي مشكلاتنا، وفرحهم فرحنا"، وبعد ذلك في 18 أكتوبر/تشرين الأول 1921 عند افتتاح مقر الممثلية الأذربيجانية في أنقرة، تم رفع العلم الأذربيجاني من قبل مصطفى كمال أتاتورك شخصياً في إشارة إلى مستوى الدعم التركي لأذربيجان كدولة وهوية مستقلة، في الوقت التي كانت فيه روسيا البلشفية تحاول تغييب هويتهم وإنهاء دولتهم.

الاستقلال الثاني

بعد إعادة إعلان استقلال أذربيجان في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 1991، كانت تركيا أول دولة تعترف بأذربيجان. وفي 14 يناير/كانون الثاني 1992 وقّع البلدان على اتفاقية إعادة العلاقات الدبلوماسية. وبعد 71 سنة من الفترة الصعبة للاحتلال السوفييتي، وصلت أذربيجان إلى المكانة التي تستحقها على الساحة الدولية. هذه النجاحات بلا شك هي نتيجة تضافر الجهود الأذربيجانية والتركية على المستويات والأصعدة كافة.

قفزت إلى الواجهة أزمة قره باغ عام 1992 بعد أن قام مجموعة من الانفصاليين من أصل أرمني بالسيطرة على الإقليم بعد صراع دامٍ راح ضحيته أكثر من 30 ألف قتيل. وقفت تركيا مع أذربيجان خلال فترة الحرب بإغلاق حدودها البرية مع أرمينيا ورهنت تطبيع العلاقات التركية-الأرمينية بإعادة الإقليم المحتل لأذربيجان.

الشراكة الاستراتيجية

وصلت العلاقات التركية-الأذربيجانية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. وبرز ذلك على شكل تعاون ترسخ بشكل تدريجي متسارع في ملفات واسعة سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً تحت شعار "الأخوّة والثقة المتبادَلة".

ومن أبرز المشاريع الاستراتيجية التي جرى تأسيسها في السنوات الأخيرة خط أنابيب النفط باكو-تبيليسي-جيهان، وخط أنابيب الغاز الطبيعي باكو-تبليسي-أرضروم، وخط سكة الحديد باكو-تبليسي-كارس.

وفي نقلة استراتيجية أخرى، يجري حالياً العمل على مشروع "القرن 21" الذي سينقل الغاز الطبيعي من بحر قزوين إلى غرب أوروبا عبر الأراضي التركية، يضاف إلى ذلك التعاون الكبير بين البلدين في السنوات الأخيرة في مجال الدفاع وتطوير الأسلحة إلى جانب التعاون الاقتصادي والاستثمارات ورفع معدلات التبادل التجاري.

إذ سجل البلدان عام 2019 تبادلاً تجارياً بقيمة مليارَي دولار، وبلغت الصادرات التركية إلى أذربيجان 1.6 مليار دولار في حين بلغت الواردات من أذربيجان ما قيمته 400 مليون دولار، وخلال زيارته الأخيرة لأذربيجان للمشاركة في اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي التركي الأذربيجاني الثامن جرى التوافق على العمل بشكل كبير من أجل رفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار في أقرب وقت ممكن.

الدعم التركي لأذربيجان

منذ اشتعال أزمة قره باغ بين أذربيجان وأرمينيا بسبب احتلال الأخيرة أراض أذربيجانية لم تتوانَ تركيا عن تقديم أشكال الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري كافة، من خلال تصريحات الرئيس أردوغان بأن "تركيا ستواصل الوقوف إلى جانب أذربيجان الصديقة والشقيقة بإمكانياتها كافة" وزيارة رئيس البرلمان التركي مصطفى شنطوب الأخيرة لأذربيجان لتقديم دعم بلاده، ولم يقتصر الأمر على المستوى الحكومي، بل هناك إجماع تام من جميع الأحزاب التركية حتى المعارضة منها وكذلك الدعم الشعبي إذ يعتلي العلم الأذربيجاني شرفات المنازل وكبرى البنايات.

إن التدريبات العسكرية المشتركة التي انطلقت في 29 يوليو/تموز الماضي بعد فترة وجيزة من الاعتداءات الأرمينية بالمدفعية على القوات أذربيجان في منطقة توفوز الحدودية ما هي الا تأسيس لمزيد من التقدم في العلاقات العسكرية الاستراتيجية بين البلدين. ولم يقتصر الأمر على التدريبات العسكرية، بل كانت تركيا قد زودت أذربيجان بالطائرات المسيَّرة التي تُلحِق الخسائر بصوف الجيش الأرميني وتحسم المعركة لصالح أذربيجان يوماً بعد يوم.

المصدر: TRT عربي