من الطرق التي يُنقذ بها شباب غزة أنفسهم من البطالة العملُ عن بعد. كيف يحصلون على فرص للعمل عن بعد؟ وما هي العقبات التي تواجههم؟

غزة ـــ الشيء الوحيد الذي يشغل الفتيات والشباب في غزة خلال سنوات الدراسة الجامعية هو هل سيجدون فرصة عمل بعد التخرج، أم ستُدرَج أسماؤهم في قائمة البطالة الطويلة، هذه القائمة التي تتضاعف كل سنة مع تخرُّج آلاف من طلاب الجامعات، بحيث وصلت إلى نسبة 57%.

البطالة هي ذلك الشبح المخيف الذي يخنق الشباب في قطاع غزة، ويشعرهم بالعجز أمام أنفسهم وأهاليهم وأصدقائهم، لهذا يتجهون إلى التفكير والبحث عن طرق أخرى لإنقاذ أنفسهم منها.

عديد من الطرق يسلكها الشباب العاطل في قطاع غزة للبحث عن مصدر للرزق، منها التطوع وهو العمل بلا مقابل، لكنّ كثيرين يعتبرونه إهداراً للوقت والمجهود دون الاستفادة مادّياً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، ومنها أيضاً التفكير في الهجرة، لكنّ هذه الأخيرة أيضاً ليست بلا مخاطر.

مؤسسة Gaza sky Geeks، هي مؤسسة تدعم الطموح من خلال عدة أنشطة تحتضن فيها الشباب وتطوّر من مهاراتهم وتساعدهم على إيجاد فرص عمل
مؤسسة Gaza sky Geeks، هي مؤسسة تدعم الطموح من خلال عدة أنشطة تحتضن فيها الشباب وتطوّر من مهاراتهم وتساعدهم على إيجاد فرص عمل (TRT Arabi)

في مؤسسة Gaza sky Geeks، وهي مؤسسة تدعم الطموح من خلال عدة أنشطة تحتضن فيها الشباب وتطوّر من مهاراتهم وتساعدهم على إيجاد فرص عمل مناسبة، بالفعل وجد عديد من الفتيات والشباب فرصاً مختلفة للعمل من بُعد مع مؤسسات وشركات في الخارج وتسليمهم العمل مقابل عائد مالي يمكّنهم من تغطية مصاريفهم اليومية وإعالة أسرهم.

نور أهل (25 عاماً)، أنهت دراستها الجامعية منذ عامين في مجال الهندسة المعمارية ولم تجد لها فرصة عمل خلال العامين، لكنها أيضاً وجدت في نفسها شغفاً كبيراً تجاه مجال آخر بعيد عن دراستها.

تقول لـTRT عربي: "كان لي مشروع مبتدئ لم أنجح فيه، فاتجهت إلى تلقِّي دورات عديدة وفكرت بأكثر من طريقة لإيجاد فرصة عمل من بينها السفر إلى خارج غزة، حتى وجدت نفسي في العمل الحر من بُعد في مجال التعليق الصوتي، بخاصة بعد أن شاركت في عدة دورات في مجال العمل الحر داخل مؤسسة "Gaza sky Geeks"، وهي طريقة لإيجاد فرص عمل مع جهات في دول خارجية، ويكون التواصل عبر الإنترنت لساعات طويلة".

وجد عديد من الفتيات والشباب فرصاً مختلفة للعمل من بُعد مع مؤسسات وشركات في الخارج
وجد عديد من الفتيات والشباب فرصاً مختلفة للعمل من بُعد مع مؤسسات وشركات في الخارج (TRT Arabi)

وتضيف: "العمل من بُعد يمكّننا من عرض خدماتنا للشركات الخارجية، بعدها يبدأ العمل معهم مقابل عائد مادي نتفق عليه، هذه الطريقة وفّرت لي دخلاً ومكنتني من تطوير قدراتي في مجال أحبه وإن كان بعيدا عن تخصصي الجامعي، لكنني أعتبرها فرصة لاكتشاف قدراتنا وميولنا إلى مجالات أخرى".

بالنسبة إلى نور، هذا العمل يتطلب وجود كهرباء وإنترنت لوقت طويل، وهو الشيء الذي لا يتوافر في جميع المنازل الغزّية، لذلك يلجأ هؤلاء الشباب إلى هذه المؤسسة التي توفّر لهم مساحة عمل جيدة لإنهاء أعمالهم وتسليمها في الوقت المناسب.

بالنسبة إلى نور، هذا العمل يتطلب وجود كهرباء وإنترنت لوقت طويل، وهوالشيء الذي لا يتوافر في جميع المنازل الغزّية
بالنسبة إلى نور، هذا العمل يتطلب وجود كهرباء وإنترنت لوقت طويل، وهوالشيء الذي لا يتوافر في جميع المنازل الغزّية (TRT Arabi)

تساعد نور عائلتها في توفير مستلزمات الحياة اليومية، وتشجع جميع الفتيات على المثل. تقول: "من المهمّ للفتاة في المجتمعات العربية أن تمتلك دخلاً يجعلها مستقلة ومعتمدة على نفسها ومحقّقة عبره لذاتها".

ترجو نور أن يصبح لديها عمل ثابت ودائم من خلال العمل من بعد لا بنظام "freelancer"، لكي تؤمّن لنفسها مجال عمل مستمر ودائم دون خوف من المستقبل، بالإضافة إلى أن يكون لديها عمل بمجال دراستها وهو الهندسة المعمارية.

البطالة مدعاة للخجل

الظروف الاقتصادية الصعبة وقفت أمام استمرار عمل محمد الحانوتي (25 عاماً) الذي درس إدارة الأعمال، لكنه لم يُوفَّق في الحصول على عمل خاص في التجارة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي وقفت البيع والشراء وجعلت نسبة الخسارة في مجال التجارة كبيرة جدّاً، لذلك اتجه محمد إلى العمل من بعد من أجل توفير فرصة عمل له.

يقول لـTRT عربي: "بعد أن خسرت في مجال التجارة توقفت عن العمل لفترة، وهذا أمر محزن، إذ أشعر بأنني عالة على أهلي، وأخجل أحياناً حتى من أن أطلب منهم مصروفاً يوميّاً. لهذا فكرت في البحث عن طريقة أخرى، إلى أن تعرفت مجال العمل من بعد، فاخترت مجال التصميم".

فكر محمد سابقاً بالسفر للاستفادة من سنوات دراسته والعمل بشهادته الجامعية، لكنّ الظروف المادية الصعبة لم تمكّنه من تحقيق حلمه
فكر محمد سابقاً بالسفر للاستفادة من سنوات دراسته والعمل بشهادته الجامعية، لكنّ الظروف المادية الصعبة لم تمكّنه من تحقيق حلمه (TRT Arabi)

ويضيف محمد: "لجأت إلى عدة دورات تكوينية من أجل اكتساب مهارات التصميم وتطويرها، ثم تمكنت من العثور على شركات خارجية للعمل معها مقابل عائد مادّي. العمل من بُعد منقذ شبابنا الذي أنهكته البطالة".

فكر محمد كثيراً سابقاً بالسفر للاستفادة من سنوات دراسته والعمل بشهادته الجامعية، لكنّ الظروف المادية الصعبة وتكاليف السفر العالية لم تمكّنه من تحقيق حلم السفر.

يقول: "قضاء الوقت دون عمل أمر صعب جداً ومقلق أيضاً، وهذا وَضْع آلاف الشباب في غزة، إنهم يشعرون بالخجل طوال الوقت، ويتمنون لو يجدون عملاً ولو متعباً أو خارج مجال دراستهم، لكن ذلك يبقى أفضل من الجلوس في المنزل. أستطيع بعملي الآن أن أعول أسرة من ستة أفراد".

ويحتاج العمل من بُعد إلى الجلوس أمام جهاز الكمبيوتر لساعات طويلة وإلى كهرباء متوافرة باستمرار إلى جانب توافُر الإنترنت، بالإضافة إلى اكتساب المهارات والقدرات في مجالات أخرى من أجل مضاعفة فرص العمل.

عمل حر

درس ساهر عبد الحميد (21 عاماً) تصميم الغرافيك، ثم التحق بأكاديمية العمل الحر داخل المؤسسة التي مكّنَته من تطوير قدراته ومهاراته وعلّمَته كيف يعرض هذه المهارات والخبرات في السوق الدولية، ويحصل على فرصة عمل مع الشركات التي تحتاج إلى نفس مجال عمله.

يرى ساهر أن الهجرة أمر صعب على الشباب وعلى أهاليهم، فقرّر البقاء في غزة، والمحاولة المستمرة لتوفير عائد مادي
يرى ساهر أن الهجرة أمر صعب على الشباب وعلى أهاليهم، فقرّر البقاء في غزة، والمحاولة المستمرة لتوفير عائد مادي (TRT Arabi)

يقول لـTRT عربي: "اشتغلت لوقت طويل متطوعاً في عدة مجالات، ثم عملت مع إحدى الشركات، لكن العائد المادي كان هزيلا جدّاً، ففكّرت أن العمل عن بعد أحسن طريقة لحل مشكلاتي المادية. وفّر لي هذا النوع من العمل حرية في التحرك وعائداً مادياً جيداً جداً يمكّنني من تلبية حاجاتي ومساعدة أهلي. العائق الوحيد الذي أواجهه هو عدم القدرة على العمل في البيت بسبب عدم استمرار توافر الكهرباء، لذلك أقضي أغلب وقتي في المؤسسة لتوافر بيئة العمل المناسبة لنا".

يرى محمد أن الهجرة أمر صعب على الشباب وعلى أهاليهم، فقرّر البقاء في غزة، والمحاولة المستمرة لتوفير عائد مادي.

يقول: "أصعب شيء في هذا العصر أن يكون الشباب مقيَّداً بسبب الوضع المادي، هذا أمر خانق جداً وشبيه بسجن. يحزنني كثيراً أن شباباً كثراً في غزة يمتلكون مهارات جيدة وقدرات رائعة وقدرة على الإبداع في مجالات مختلفة، لكنهم مع ذلك عاطلون على العمل".

يُذكَر أن سنوات الحصار على غزة هي الأصعب على الشباب، إذ ازدادت فيها قائمة البطالة طولاً وقلّت فرص العمل في جميع المجالات، بسبب إغلاق المعابر، والحروب المتتالية على غزة، فارتفعت نسبة الفقر إلى 80% ونسبة البطالة إلى أكثر من 57%، حسب أرقام الإحصاء المركزي عام 2017.

المصدر: TRT عربي