وحش الشاشة المصرية فريد شوقي في السينما التركية (TSA)

ربما يظن البعض أن مساحات التلاقي الفكري والفني بين العرب والأتراك انتهت مع الدولة العثمانية، لكن المفاجأة أن عشرات الأفلام اُنتجت على نحو مشترك بين عدد من الفنانين الأتراك والعرب البارزين، ويأتي في مقدمتهم من العرب: فريد شوقي، ودريد لحام، وصباح، وعزيزة أمير، ومن الأتراك: جنيد آركن، وهوليا كوتش يغيت، ومراد صويدان.

فمنذ الثلاثينيات وحتى السبعينيات من القرن الماضي، أصبحت الكثير من الوجوه العربية مألوفة لدى المشاهد التركي، وعلى المنوال ذاته تعرّف العرب على فنانين أتراك من خلال تلك الأفلام، حيث كانت تُنتَج نسختان للفيلم ذاته، واحدة عربية وأخرى تركية .

ومن المثير للغاية أن كل ممثل كان يؤدي دوره بلغته الأم، ثم يتم دبلجة حوار الممثلين العرب إلى التركية وحوار الممثلين الأتراك إلى العربية، حتى يتسنّى لمنتجي الفيلم سهولة تسويقه في تركيا والبلاد العربية.

بنية فكرية وفنية متقاربة

يشير أرسلان كوتشوك يلدز، المدير السابق للإذاعات الأجنبية في هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية TRT والخبير في تاريخ السينما التركية، في بحث معمّق بعنوان: "نسيم عربي في السينما التركية"، أن السينما العربية والسينما التركية التقتا في عدة محطات بدأت مع فيلم "في أزقة إسطنبول" الذي اُنتِج عام 1931، وأخرجه الفنان التركي محسن أرطغرل.

ولعبت النجمة المصرية عزيزة أمير دور البطولة في الفيلم الذي يصنّف كأول عمل تركي من إنتاج مشترك، حيث اشترك في إنتاجه فنانون من تركيا، ومصر، واليونان.

ويلفت كوتشوك يلدز إلى أنه خلال الحرب العالمية الثانية، توقف استيراد الأفلام من أوروبا، لتُعرَض الأفلام المصرية والأمريكية بدور العرض في تركيا كبديل عن الأفلام الأوروبية.

وفي هذا الصدد يقول خبير السينما التركية: "كان للأفلام المصرية ميزة مهمة لشعبنا؛ فمصر ظلّت سنوات طويلة جزءاً من الدولة العثمانية، ليسفر ذلك عن بنية فكرية وثقافية وفنية، ونمط حياة مألوف للشعب التركي".

ولعب عرفي بينجو، أحد أشهر المخرجين في المرحلة التأسيسية للسينما المصرية، دوراً بارزاً في الأعمال المشتركة بين البلدين، حيث أخرج وحده نحو 25 فيلماً، من أهمها: "جميلة الصحراء"، و"كارثة بالأهرامات"، و"قبلة في الصحراء"، حسب خبير تاريخ السينما التركية.

ويضيف كوتشوك يلدز أن انشودة "طلع البدر علينا" أُذيعت بصوت "كوكب الشرق" أم كلثوم في الإذاعات التركية خلال فترات الحج، وذلك رغم حظر الأناشيد الدينية والموسيقى الكلاسيكية آنذاك.

اُنتجت عشرات الأفلام المشتركة بين فنانين أتراك وعرب بارزين (AA)

نجاح باهر لـ"غرام في إسطنبول"

يقول عبودي أبو جودة، الباحث في الشؤون الفنيّة وصاحب أبرز مطبعة في لبنان، في حديث مع وكالة الأناضول، بأنه "يمتلك 12 ألف ملصق لأفلام عربية وعالمية قديمة، بينها 600 ملصق تقريباً لأفلام تركية جرى تصويرها أو دبلجتها في لبنان".

وأشار أبو جودة إلى أن أبرز الملصقات التي يمتلكها هي لفيلم "غرام في إسطنبول" اُنتج عام 1964، وكتب قصته وأخرجه سيف الدين شوكت، وهو مخرج لبناني تركي الأصل. وجمع الفيلم بين نجوم من سوريا ولبنان، وعلى رأسهم دريد لحام، ونهاد قلعي، ورفيق السبيعي، وسمورة، ونجوم من تركيا منهم بكلان أجلان، وسونيا بيكويسال، وسودا نور، وأورغن غوكنار، ولطفى أنجان.

يذكر أن العديد من الخبراء السينمائيين يرجعون جزءاً كبيراً من الجهود المبذولة في التعاون الفني مع تركيا في تلك الفترة إلى المخرج اللبنانى صاحب الأصول التركية، سيف الدين شوكت، حيث دعا الأخير إلى تلك الفكرة نظراً لاضطراب الأوضاع عربياً بعد نكسة 1967.

ونجح شوكت في تنفيذ الفكرة وريادة الإخراج السينمائي في عديد من تلك الأفلام، حيث كان تحدثه التركية بطلاقة عاملاً مهماً في مساره المهني وتعاونه مع فنانيين عرب وأتراك على حد السواء.

ووفقاً للباحث في الشؤون الفنيّة، فإن النجاح الذي حققه فيلم "غرام في إسطنبول"، مهد الطريق لانطلاق فيلم مماثل بعنوان "وادي الموت"، الذي شهد بطولة المطربة اللبنانية المعروفة عربياً باسم "صباح"، والنجم التركي الذي اشتهر بوسامته اللافتة "جنيد آركن"، والمغنّية اللبنانية "طروب"، وهي من أصل تركي شركسي، وكانت أول من أدخل اللحن التركي إلى العالم العربي، إضافة إلى مجموعة فنانين مصريين وسوريين وأتراك.

ويضيف أبو جودة، أنه "في عام 1967 وصل إلى العاصمة بيروت المنتج والمخرج التركي خلقي سانر، وحطّ في ضيافة شريكه الثري أنطوان حداد، ووقّع الشريكان على صفقة لتصوير ستة أفلام لبنانية تركية خلال عام واحد".

وشهدت تلك الأفلام أول ظهور للنجم المصري فريد شوقي في الشاشات التركية، إضافة إلى مشاركة نجوم آخرين مثل الفنان السوري دريد لحام.

كما تميزت أفلام الإنتاج المشترك بين سانر وحداد بأنها صوِّرت بالألوان الطبيعية، وذلك بعد أن كان اللونان الأسود والأبيض طاغيين على السينما العربية آنذاك.

دور بارز لـ"وحش الشاشة" فريد شوقي

حضر الفنان المصري ونجم الأكشن الأشهر، فريد شوقي، بكثافة على شاشات السينما التركية خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ولعب النجم الملقب بـ"وحش الشاشة" أدوار البطولة في العديد من الأفلام السينمائية التركية، كما شارك كمنتج مساهم في بعض أفلامه، واعتمد على السيناريست المصري عبد الحى أديب فى تأليفها.

وكان شوقي متحمساً بشدة للتعاون مع السينما التركية إنتاجاً وتمثيلاً، حيث يُعرف عنه حبه لتركيا التي تنحدر عائلته منها، وانطلق وحش الشاشة محققاً أداء لفت الأنظار إليه في وقت قياسي، مستغلاً ثقله الفني، وسيرته السينمائية الحاشدة، ليفوز عام 1969 بجائزة "البرتقالة الذهبية"، وهي الجائزة السينمائية الأشهر في تركيا، ليسجل اسم شوقي كأول ممثل أجنبي يفوز بتلك الجائزة.

وجاءت أبرز أدوار شوقي السينمائية، التي لا تزال عالقة في ذهن السينما التركية، في الأفلام التالية: "شيطان البوسفور"، "خمس نساء مثيرات"، "البحث عن عريس"، وفيلم "جميلة" الذي عُرّب عنوانه إلى "عثمان الجبار".

TRT عربي
الأكثر تداولاً