وقف عمار وزوجته متسمّرَين أمام فرقة موسيقية أطلّت عليهم فجأة من إحدى الشرفات القديمة في وسط البلد عمان وهم يعزفون ويغنون مقطوعات كلاسيكية لفنانين عرب وعالميين.

ما شاهده عمار وعشرات الأردنيين بشكل مفاجئ، كان عبارة عن مشروع تفاعلي يُدعَى "شُرُفات"، بتنظيم من جمعية "تجلى" للموسيقى والفنون، يتضمن عروضاً غنائية موسيقية تقدم للناس مباشرة دون أي إعلان مسبق عن مواعيدها.

و"موسيقى شرفات عمان" هو مشروع تفاعلي يتضمن عروضاً غنائية موسيقية تُقدَّم للناس مباشرة دون أي إعلان مسبق عن مواعيدها، ويتضمن أغنيات مختارة بعناية، أطلّ فيها موسيقيون ومغنون من شرفات بيوت عمانية قديمة ذات تاريخ عريق وطراز معماري تاريخي مميز. قدّمت العروض مختارات متنوعة من أغنيات كلاسيكية عربية وغربية ومجموعة من أغاني التراث الأردني وبلاد الشام.

رئيسة جمعية تجلى للموسيقى والفنون رُسل الناصر تقول لـTRT عربي، إن "المشروع يهدف إلى نشر الموسيقى بشكل مباشر وعفوي مع الناس في الشارع، وإيجاد تفاعل وتواصل بسيط ومؤثّر معهم، وكسر الجمود، وتشجيع السياحة، وإضفاء جمالية حقيقية إلى مدينة عمان".

موسيقى شرفات عمان هو مشروع تفاعلي يتضمن عروضا غنائية وموسيقية للناس على شرفات المباني في العاصمة عمان (TRT Arabi)

وحاول مشروع شرفات التصدي لآثار جائحة كورونا النفسية التي فرضت قيوداً على الاحتفالات العامة في الأردن، وقدم فنانون (عدي النبر: غناء، خالد بلعاوي: تشيلو، راني كيلاني: بيانو) مقطوعات في رأس السنة تضمنت أعمالاً مثل "Instrumental - vicalize، Oh holy night، شباك حبيبي، ليلة الميلاد، Oh come all ye Faithful ،Ave Maria، ليلة عيد" وسط متابعة كبير من الجمهور.

تقول الناصر: "في رأس السنة تعاونّا مع جمعية جبل اللويبدة وأمانة عمان عندما غنينا في عيد الميلاد. اللافت أن شركة الصوت والإضاءة قدّموا لنا خدماتهم بالمجان رغم أنهم أكثر المتضررين من الإغلاقات بسبب كورونا، كنا جميعاً مشتاقين إلى سماع الموسيقى في مثل هذه الظروف".

البدايات

الإطلالة الأولى للمشروع كانت في وسط البلد عمان عام 2015، حسب الناصر، وكان تخوُّف كبير من القائمين على المشروع، والسبب كما تقول أنه "لم يكن لدينا أي فكرة حول شكل ردّ الفعل الناس، خصوصاً أن الفاعلية هي احتكاك مباشر بالمجتمع، إلى جانب أن الفاعليات الموسيقية والغنائية بالشارع قليلة أو معدومة".

وتعتقد الناصر أن مشروع شرفات تَمكَّن خلال انطلاقه من "كسر جدار الخوف بالنسبة إلى الفنانين الذين اعتادوا العزف على المسارح الفنية، بعد التفاعل والردود الإيجابية المباشرة التي تَلقَّوها من المواطنين في الشارع".

تفاعل الناس في العاصمة الأردنية عمان بشكل إيجابي مع مشروع شرفات الموسيقي  (TRT Arabi)

تقول الناصر التي تعمل مع الفرق في الأمور الإدارية: "الإقبال كبير، وبقيت الفاعليات في ذاكرة الناس، وأصبحنا معروفين لدى المحلات التجارية في وسط البلد، عندما نتجول يسألوننا أين ستكون الفاعلية القادمة، الجمهور جاهز ومتشوق ومفتقر جداً إلى سماع هذا الشيء، وهنا المسؤولية على الفنانين بأن يتحركوا ويعملوا شيئاً يشبهنا ويشبه الناس".

دهشة من الجمهور

أصحاب محلات في قلب عمان التجاري وقفوا أيضاً منصتين أمام مغنّين أطلوا عليهم من شرفات أبنية تاريخية. هشام السروجي صاحب محل ملابس في وسط البلد، عمان، انتابته الدهشة إذ يشاهد فرقة موسيقية تغني من شرفة "ديوان الدوق"، متحف خاص في وسط البلد، يقول إبراهيم، صاحب محل ملابس، إن "دهشتي تحولت إلى فرحة بسبب هذا المشهد غير المألوف، الذي أدخل الفرح إلى قلوب أصحاب المحلات والعمال بعد يوم طويل من التعب، فكانوا بحاجة إلى نوع من الترفيه".

ولجأت جمعية "تجلى" إلى انتقاء الأغاني القريبة من ثقافة الناس في الأردن، تقول الناصر إن "الفنانين اختاروا أغاني كلاسيكية وفلكلورية من بلاد الشام، إلى جانب أغاني فلكلورية أردنية للقوات المسلحة الأردنية التي شاركت في الفاعليات أيضاً، مع أداء مقطوعات لأوبرا عالمية".

المشروع لم يبقَ في العاصمة عمان، إذ نقلته جمعية تجلى إلى المحافظات الأردنية: كإربد، والسلط، ومادبا، وأطل الفنانون في أبريل 2017 بشكل مفاجئ على أهالي مدينة السلط من شرفة "بيت أبو جابر" التاريخي بدعم رئيسي من مؤسسة عبد الحميد شومان وبالتعاون مع جمعية رواق الأردن للثقافة والفنون (أوركسترا وجوقة البلقاء).

أصحاب المحلات في قلب عمان توقفوا أيضا منصتين إلى الموسيقى التي يؤديها مغنون أطلوا عليهم من الشرفات (TRT Arabi)

وقدّم العرض الموسيقي في السلط أغنيات من التراث الأردني والعربي إلى جانب مقطوعات موسيقية وأوبرا كلاسيكية مثل: Vega Luna، Saint Lucia، وأغاني مثل "الحلوة دي" لسيد درويش، و"حوّل يا غنام"، و"فوق النخل"، وأغاني من الفلكلور الأردني وغيرها من الأغاني الشرقية المعروفة.

ويتلقى الفنانون المشاركون في العرض مكافآت مالية من الجهات الداعمة والشريكة، ومن أبرزها أمانة عمان ممثلة في مديرية الثقافة التي تقدم الدعم اللوجستي اللازم خصوصاً اختيار الشرفات ذات الطابع المعماري التاريخي بغية إبرازها سياحياً.

هند حامد مغنية أردنية، شاركت جمعية تجلى في مشروع شرفات، وأدّت أغنية "بالي معاك" للمطربة السورية المشهورة لينا شماميان، من شرفة مقهى خاص في جبل اللويبدة بشهر، ومن شرفة بيت شقير التراثي في جبل عمان خلال عيد الفطر الماضي.

وحول شعورها نحو الغناء أمام الناس مباشرةً تقول: "كمغنية محترفة، أميل إلى الحفلات الموسيقية التي نُظّمت مسبقاً مع تحديد مواعيد وأماكن، ويأتي الناس خصوصاً للاستمتاع بالموسيقى والغناء، ولكن شرفات أعطاني الفرصة لاستكشاف الموسيقى والغناء بطريقة مختلفة تماماً في كل مرة نقوم به في شرفة مختلفة في عمان، وهذا اتصال خاصّ مع هذا الجمهور يجعل التجربة أكثر قيمة، ويعطك الرغبة في ذلك مراراً وتكراراً".

أثر نفسي

نفسياً، لهذه الفاعليات الفنية تأثير في الناس، كما يؤكّد دكتور علم الاجتماع والنفس من الجامعة الأردنية البروفيسور حسين الخزاعي، الذي يقول: "الموسيقى تولّد راحة نفسية لدى الإنسان وتحرّك مشاعرهم باتجاه قضايا إيجابية، وتخلق شعوراً لدى المواطن بأمن وأمان مقارنة في الأجواء الملتهبة التي تشهدها المنطقة، بخاصة أن الأردن محاط شرقاً وغرباً وشمالاً وحتى جنوباً بأحداث دامية، هذا يبعث برسالة هادئة إلى الناس أننا نحن لدينا موسيقى في وقت تشتعل فيه المنطقة".

لمثل هذه المشاريع الترفيهية أثر نفسي إيجابي على وجدان المتلقين، حسب متخصصين  (TRT Arabi)

يرى الخزاعي أن "هذا النوع من التواصل مع الجمهور يُعَدّ مهمّاً جدّاً، بخاصة أنه يتحدث عن قضايا وعن واقع مع مشكلات اجتماعية تهمّ المجتمع من خلال توظيف الموسيقى والترفيه والكلمات الشعرية والألحان التي تتناسب مع أذواق المجتمع، ويُعَدّ هذا الأسلوب (التعليم بالترفيه) من أنواع التعليم الذي يثقّف الناس ويوعّيهم ويحفزهم نحو مواجهة قضية معينة، وهذا الأسلوب نجح في أمريكا وفي أوروبا ويُستخدم لديهم في كل الدول المتقدمة عن طريق ما يسمى تثقيف الشارع".

فاعليات هذا المشروع القادمة غير معلنة، وترفض جمعية تجلى الإعلان المسبق عن الفاعلية القادمة، بهدف المحافظة على فكرة المشروع الذي يفاجئ الناس من خلال الشرفات التاريخية، فدون سابق إنذار وأنت تسير في أحد شوارع عمان لا تفاجأ إن ظهر أحد الأشخاص ليغني لأم كلثوم "إنت عمري".

TRT عربي
الأكثر تداولاً