يُعاب على نسخة معرض القاهرة الدولي للكتاب لهذه السنة التضييقُ على حرّية التعبير، وتنظيم النشاطاتِ وِفق تصوّر وزارة الداخلية وليس وزارة الثقافة.

رغم طول المسافة ومشقة السفر وبرودة الجو، وقبل هذا كله ضيق ذات اليد، فإن القاص جمال عبد الرحيم سافر من أسوان (أقصى جنوب مصر) إلى القاهرة لزيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب، لكنه عندما وصل شعر بأنه سائح في بلد غريب.

جمال الذي نشر رابعة مجموعاته القصصية خلال هذه الدورة، يقول لـTRT عربي: "لا أستطيع تجاهل المعرض لأنه يوفّر لي فاعليات ويجمعني بأشخاص وشخصيات لن أجدهم إلا فيه".

جمال ليس الوحيد الذي يشعر بأنه فقير في متجر عالَمي، هناك كثيرون مثله، لكنهم جميعاً يقولون إنه لا مجال للاستغناء عن الحضور، وإن كان حضوراً عابراً.

ويعتبر المعرض تظاهرة ثقافية هي الكبرى في مصر منذ تأسيسه عام 1969، ولا يزال مقصداً لمئات آلاف المثقفين ومحبي الثقافة المصريين والعرب.

وفي ظلّ سيطرة أمنية على النشاطات كافة، انطلقت يوم 22 يناير الجاري فاعليات الدورة الحادية والخمسين للمعرض التي ستمتدّ حتى 4 فبراير المقبل، تحت شعار "مصر إفريقيا.. ثقافة التنوع".

في ظلّ سيطرة أمنية على النشاطات كافة، انطلقت يوم 22 يناير الجاري فاعليات الدورة الحادية والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.

الدورة الحالية تسير وفق رؤية أمنية وتجارية، لذلك غابت عنها الروح الشعبية التي كانت تميّز المعرض في سنوات مضت.

رغم التنظيم الجيد والإقبال الكبير، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أن حصر كل الفاعليات والنشاطات في بنايات ضخمة صبغ المعرض بالجمود.

ومع تفريغ الشوارع إلا من المطاعم والمقاهي، طغت الصبغة الرسمية على المكان، إذ لا تسمح القاعات الصغيرة المتلاصقة كفصول المدارس بخلق ذلك المناخ الذي كان يخلقه الشارع، في رأي عدد من الرواد.

المعرض في نسخته القديمة كان يُقام في أرض المعارض بمنطقة مدينة نصر شرقيّ القاهرة، وكان يعتمد في مجمله على خيام تُنصَب في الشوارع، الأمر الذي كانت تتمخض عنه فاعليات حية وغير قابلة للتأطير، لكن الأمور تغيرت خلال السنوات الأخيرة.

فمنذ العام الماضي قرّرَت الحكومة إقامة المعرض في منطقة التجمع الخامس (على الطرف الشرقي للعاصمة) بدلاً من مدينة نصر.

وإلى جانب ذلك ألغيت الخيام والصالونات التي كانت تحتلّ شوارع المعرض وحلّت محلها قاعات محكمة في بنايات خرسانية فخمة لكنها مخيفة، كما يقول الشاعر محسن حامد.

وفي حديثه لـTRT عربي، يؤكّد حامد أن المعرض كغيره من النشاطات يسير وفق تصور وزارة الداخلية لا وزارة الثقافة، لأن الآلية الحالية للفاعليات لا يمكن أن تكون صادرة عن جهة ترعى الإبداع.

هذا حدث ثقافي يسير وفق رؤية أمنية، من وجهة نظر حامد، فالفاعليات تُعقَد في قاعات مغلقة وصغيرة تسهل السيطرة عليها، وتجعل التحام مجموعات كبيرة أمراً صعباً.

"أنت هنا لكي تعرض أو تتلقى إبداعاً لا يُغضِب الدولة، وتستمع لنقاشات وأفكار تتبناها الدولة، بل ولتشتري كتباً تحظى بقبول الدولة"، كما يقول حامد.

أنت هنا لكي تعرض أو تتلقى إبداعاً لا يُغضِب الدولة، وتستمع لنقاشات وأفكار تتبناها الدولة.

محسن حامد، شاعر مصريّ

وعلى مدار عقود كان معرض الكتاب في مصر أشبه بمولد ثقافي شعبي، إذ كان المعارضون يقفون في الشوارع وأمام المخيمات ويقولون ما يريدون، إذا لم يتمكنوا من الوقوف على منصة من المنصات.

عيون الأمن لم تغب عن المعرض لحظة واحدة منذ تأسيسه، لكن مساحة الحرية كانت تمنحه حيوية وزخماً، أما اليوم فثمة شعور ملموس بأن الخروج عن النص ليس مسموحاً به.

إدارة المعرض ألغت المخيمات والمسارح والفاعليات التي كانت تقام في الشارع، تقريباً، مثل "سوق عكاظ" الذي كانت مقصد آلاف، ولم يكُن صخبه يخفت إلا مع نهاية المعرض.

وكذلك "ندوة الرصيف" التي كانت تطوف المعرض كتظاهرة سياسية مصغَّرة، وكان المعارضون يرفعون أصواتهم فيها بانتقاد قمة هرم السلطة، فضلاً عن أراء ونقاشات وانتقادات لم تكُن المخيمات ولا الشوارع تخلو منها طوال أيام المعرض.

"العيب في الناس لا في الحكومة"، كما تقول الشاعرة نيرة علي، "لأن الناس هم من يصنع روح المكان".

وتشرحُ الشاعرة لـTRT عربي أن استسلام الناس لقبضة الأمن هو الذي خلق لديهم الإحساس بغياب روح المعرض.

وتضيف: "المعرض يخضع لقبضة الأمن منذ عام 2014، وكل الفاعليات التي يفتقدها الناس أُلغِيَت منذ ذلك الحين لا بعد نقله إلى مقره الحالي".

المتغير الفعلي في رأيها، هو أن الخوف بات واقفاً على رأس كل مصري في أي مكان وخلال أي نشاط، والمعرض ليس استثناءً، مؤكّدة أن استعادة الروح السابقة سواء للمعرض أو لمصر كلها، "لن تكون إلا بنفض هذا الخوف".

وخلُصت الشاعرة إلى أن روحاً جديدة تسود معرض الكتاب، هي روح التطور المقرونة بأمرٍ واقعٍ خالٍ من الحرية، فإذا كان الوضع غير مقبول، وهو كذلك فعلاً، فعلى المتضررين منه أن يغيِّروه.

ولم تتمكن TRT عربي من التواصل مع مسؤولي المعرض للحصول على ردّ منهم، كما رفض وزير الثقافة الأسبق الدكتور شاكر عبد الحميد الإدلاء برأيه، وقال إنه لم يزُر المعرض، ومِن ثَم لا يمكنه التعليق.

المصدر: TRT عربي