مع دخول فصل الشتاء والطقس البارد، يبدأ كثير من الأشخاص بالشكوى من تغيُّر مزاجاتهم وحالاتهم النفسية تغيراً سلبيّاً ملحوظاً. لماذا يشعر الناس بالاكتئاب خلال فصل الشتاء؟

يعبّر الكثير من الناس عن اكتئابهم وتغير مزاجهم على حساباتهم في السوشيال ميديا وفي أحاديثهم مع أصدقائهم. جميعنا نمرّ بمثل هذا النوع من التغيُّر بشكلٍ أو بآخر. فقد نصبح أقلّ رغبةً بالقيام بأيّ شيء وأكثر كسلاً ونرغب بالبقاء في البيت تحت البطّانية دون فعل شيء سوى تناول الأطعمة اللذيذة والحلويات.

ولربّما سألت نفسك مراراً لماذا يجلب المطر واللون الرمادي للسماء معهما كلّ هذه المشاعر والخمول وقلة النشاط، ولماذا تستسلم لها بسهولة دون أدنى إرادةٍ منك. لكن لا داعي للقلق، فمثل هذه الحالة النفسية تُعَدّ أحياناً أمراً طبيعيّاً يأتي مع انخفاض درجاتِ الحرارة وحلول الشتاء. لكنها قد تصبح أحياناً أمراً جدّياً يستدعي التدخل والعلاج. لذلك من المهم لنا أنْ نفهم طبيعتها وأسبابها حتى نستطيع التعامل معها بسلاسة وسهولة.

يُعرَف هذا النوع من الاكتئاب باسم الاضطراب العاطفي الموسمي "Seasonal affective disorder"، أو باكتئاب فصل الشتاء أو الشجن الشتوي أو الاكتئاب الموسمي، ويحدث سنويّاً بشكلٍ دوريّ في الوقت نفسه من العام بدءاً من أواخر الخريف إلى أوائل الربيع، ويبلغ ذروته في فصل الشتاء.

وكما يلاحظ أكثرنا، فتتمحور أعراض اكتئاب الشتاء حول عددٍ من أعراض الكآبة والحزن والإحباط واليأس، أو الرغبة في البقاء في البيت والنوم لساعاتٍ أكثر، عوضاً عن الرغبة غير المنتهية في الأكل، لا سيما الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية، إضافةً إلى فقدان الاهتمام بالأنشطة العملية والاجتماعية ومشكلات النوم وصعوبة في التركيز واتخاذ القرارات. ووفقاً للدليل للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات والأمراض العقلية "DSM" فتتنوّع الأعراض المرتبطة بالاكتئاب الموسمي بدءاً من الإحباط والحزن الخفيف حتى الاكتئاب المرَضي الذي قد يحمل معه أحياناً أفكاراً انتحارية وفقدان الرغبة بالحياة.

كيف نفهم أسباب اكتئابنا الشتويّ؟

تعود فكرة أنّ صحتنا الجسدية والعقلية تختلف باختلاف فصول السنة وأشعة الشمس إلى زمنٍ قديمٍ جدّاً، إذ ذكرت إحدى الأطروحات أنّ جميع الكائنات نحو عام 300 قبل الميلاد كانت تميل إلى التكاسلوفقدان الطاقة في أوقات الشتاء، وهو وقت حفظ الأغذية وتخزين الأطعمة.

ترتبط هذه الفكرة مع تفسير علم النفس التطوّري الذي يقترح بأنّ الإنسان البدائي كان يميل إلى مثل هذا النوع من الاكتئاب في الشتاء كأسلوب لحفظ طاقة الجسم في أوقات البرد القارسة التي كانت ترتبط بالمجاعات ونقص الغذاء والنباتات ومصادر الصيد وغيرها. لذلك فمشاعر الحزن المرتبطة بذلك الموسم هي الطريقة المثلى لتجنُّب الموت والمجاعات، وذلك بالتركيز على الأطعمة ذات الطاقة العالية دون غيرها من جهة، وتكييف الجسم على الطاقة المنخفضة والأنشطة القليلة من جهةٍ أخرى، بهدف أنْ تكفل آليات الدفاع هذه بقاءه على قيد الحياة خلال مواسم الشتاء القاحلة، كما أنها تزيد إمكانية خصوبته في الربيع، ما يعني قدرةً أكبر على تمرير الجينات إلى الأجيال اللاحقة.

يوجد عديد من التفسيرات الأخرى، ولكنْ يرتبط معظمها بالساعة البيولوجية للجسم التي تؤثّر على سلوكياتنا ومشاعرنا المختلفة مثل الجوع والنوم والنشاط، وتعتمد أساساً على مستويات الضوء التي يتعرّض لها الجسم والضرورية لإنتاج هرمون الميلاتونين اللازم للعمليات الحيوية والذي يرتبط بدوره بمستويات هرمون السيروتونين، واحد من الهرمونات الأساسية المسؤولة عن حالة الشخص المزاجية والنفسية.

عديد من الأبحاث المخبرية أُجرِيَت على القوارض وتوصّلت إلى وجود علاقة مباشرة بهرمون السيروتونين وتعرُّض الجسم لكميات مباشرة من أشعة الشمس الطبيعية التي تأتي في مجموعة متنوعة من الأطوال الموجية الضوئية، وبشكلٍ خاصّ الطيف الأزرق الذي يلعب دوراً في إفراز هذا الهرمون من الخلايا العصبية في جذع الدماغ من جهة، ويتحكّم في إيقاعات الساعة البيولوجية لدينا من جهة أخرى. وتبعاً لأثر الشمس على الجسم والنفسية، فتزيد إمكانية الإصابة باكتئاب الشتاء في الدول البعيدة عن خطّ الاستواء أكثر من تلك التي تقع بالقرب منه وتتمتّع بساعات نهار طويلة مُنتظمة وأشعة شمس وفيرة طوال أيام السنة.

كما يمكننا القول إنّ النساء أكثر عرضةً لاكتئاب الشتاء من الرجال، نظراً إلى حقيقة أنّ الهرمون الأنثوي الرئيسي عند النساء "الاستراديول" يرتبط بناقل السيروتونين في الجسم، ومِن ثَمَّ، فتغيُّر نسبة هرمون الاستراديول خلال مراحل وأوقات معيَّنة مثل وقت الدورة الشهرية أو الإباضة أو في مرحلة ما بعد الولادة، يمكن أن تؤثر على كميات هرمون السيروتونين الذي يُنتِجه جسم المرأة، ومن ثمّ على حالتها المزاجية والنفسية.

كيف تتعامل مع اكتئاب الشتاء؟

قد يكون اكتئاب الشتاء مشكلة حقيقية تتطلّب علاجاً جادّاً في حالات كثيرة وليس مجرّد مشاعر عابرة. ويُعَدّ التعرّض للضوء العلاجَ الرئيسيّ له، لكون غياب الضوء هو المشكلة الأساسية. مِن ثَمَّ فإنّ تعريض الجسم لكميات محددة من الضوء الساطع يمكن أنْ يُحدِث تغييراً في الموادّ الكيمائية بالدماغ، المرتبطة بالحالة المزاجية، لهذا السبب يركّز عديد من الدول التي تفتقر إلى طول ساعات النهار شِدَّةَ الضوء في الأماكن العامَّة، كوسيلة للحدّ من أعراض الاكتئاب الموسميّ المنتشرة بكثرة.

من جهةٍ أخرى حاول علم النفس في الآونة الأخيرة العثور على بدائل للعلاج بالضوء من خلال دراسة المدن والمناطق البعيدة عن خطّ الاستواء التي تفتقر بشكلٍ جدّي وحقيقي لأشعة الشمس معظم أيام الشتاء، مثل بعض المناطق في الدول الإسكندنافية.

يمكن أنْ نأخذ هنا مدينة ترومسو في النرويج كمثال، فقد أظهر عديد من الدراسات أنّ سكان المدينة لا يعانون الاكتئاب الموسمي والاضطراب العقلي في فصل الشتاء كما قد يتوقع الكثيرون، ويرجع ذلك إلى العقلية والثقافة التي يتعامل بها الناس وينظرون من خلال مرآتها إلى الشتاء وما يصاحبه من ظلامٍ وبردٍ قارس.

في الواقع، بالنسبة إلى عديد من السكان المحليين للمدينة، فإنّ سؤال "لماذا لا يشعر الناس في ترومسو بالاكتئاب خلال فصل الشتاء؟" ليس له معنى، نظراً إلى الثقافة التي تتعامل بعقلية إيجابية مع هذا الفصل ومِن ثَمَّ تقلّل خطر الإصابة بالاكتئاب أو أيٍّ من المشاعر والسلوكيات السلبية الأخرى.

يعني ذلك أنه من خلال تغيير فكرتك عن الشتاء يمكنك الحدّ من أعراض الاكتئاب التي تتزامن معه، مثل التركيز على الفاعليات الاجتماعية الدافئة والأطعمة الصحية الغنية بالطاقة لا تلك الضارة التي قد تؤدِّي إلى زيادة الوزن، ومِن ثَمَّ تزيد حدَّة المزاج السلبي والاكتئاب على مدىً أبعد.

إضافةً إلى ذلك، ينصح الأطباء والخبراء النفسيُّون بالتركيز على نمطٍ حياتيّ صحّي خلال الشتاء يتضمّن الاستيقاظ المبكّر للحصول على قدرٍ أكبر من الضوء قبل بدئك ليومك وعملك، واعتماد نظامٍ غذائيّ متوازن لا يحتوي على كثيرٍ من النشويات والسكريات، وممارسة الرياضة بانتظام لزيادة مستويات هرمون السيروتونين في الجسم.

المصدر: TRT عربي