السيسي وبن زايد في حفل تدشين قاعدة "3 يوليو" العسكرية البحرية بجربوب شمال غربي مصر (Reuters) (Handout/Reuters)

أثارت مواقف الإمارات الأخيرة تجاه قضية سد "النهضة" قلقاً وتحفظات واسعة داخل الدولة المصرية. فمع ظهور دلالات على تقارب بين أبو ظبي وأديس أبابا في عدة ملفات حيوية تجارية واقتصادية، أطمأنت الأخيرة أن أزمتها الحالية مع مصر والسودان لم تنعكس سلباً على علاقاتها بالدول العربية والإقليمية، وهو تحديداً ما أثار حنق المصريين، إذ تعتبره القاهرة تخاذلاً وتخلياً من حليفتها القديمة، وعن قضيتها الإقليمية الأكثر بروزاً منذ عقود.

على الرغم من تعهد الإمارات بالتزامها تبني مواقف داعمة للمصالح المصرية والسودانية بحق أزمة السد الإثيوبي، فإن أبو ظبي خالفت العهود ولبثت تتقارب مع أديس أبابا وتقدم لها يدَ العون لتستكمل طريقها نحو تشييد السد، ومن ثم ملئه وتشغيله دون تنسيق مع القاهرة والخرطوم.

تحفظات مصرية

نشر موقع "العربي الجديد" تصريحات على لسان من أسماهم "مصادر حكومية مصرية"، تفيد بأن "المسؤولين الإماراتيين وعدوا نظراءهم المصريين بأن يشهدوا مواقف أكثر إيجابية (تجاه أزمة سد النهضة)، وأشاروا إلى أنهم سينتهجون أسلوباً دعائياً وسياسياً للضغط على إثيوبيا".

ووفقاً للمصادر المذكورة، تعهدت أبو ظبي خلال شهر يونيو/حزيران المنصرم أن تُؤجّل أو تلغي تماماً بعض المناسبات واللقاءات المخططة سلفاً بينها وبين أديس أبابا، مراعاةً لمخاوف مصر والسودان المتصاعدة بحق تأزم قضية السد واستكمال إثيوبيا لعملية ملء السد. وعلى أن يتم ذلك من خلال "تكثيف الاتصالات بشأن قضية السد، انطلاقاً من المبادرة السابقة التي طرحتها الإمارات في أبريل/نيسان الماضي".

وأتت تلك الوعود الإماراتية إضافة إلى تعهد أبو ظبي أن تسعى إلى أن تحصل مصر على "منح وقروض مالية دولية جديدة" لكي تساهم في تجاوز التأثيرات السلبية المترتبة على عمليات ملء خزانات السد.

وجاءت زيارة محمد بن زايد آل نهيان الأخيرة إلى مصر، وحضوره برفقة الرئيس السيسي لحفل افتتاح قاعدة "3 يوليو" العسكرية البحرية بمنطقة جربوب شمال غربي البلاد، مؤشراً على "عودة المياه إلى مجاريها"، خصوصاً مع انتشار مقاطع تبرز حفاوة السيسي في أثناء استقباله لبن زايد.

السيسي وبن زايد في أثناء تفقدهما قاعدة "3 يوليو" البحرية (Reuters) (Reuters)

وأشارت المصادر الحكومية المصرية إلى أن ما عكّر صفو سير العلاقة الثنائية بين القاهرة وأبو ظبي نحو التحسن، هو علم مصر بوصول سفينة الشحن الإثيوبية "فيبي" إلى ميناء بربرة في "جمهورية صوماليلاند"، أو أرض الصومال الانفصالية المعلنة من طرف واحد، والذي تديره لوجستياً شركة موانئ دبي العالمية. حيث يشكل ذلك مؤشراً على بداية تشغيل خط إمداد شحن البضائع الإماراتية لإثيوبيا، التي كانت قد تعاقدت في طياته وزارة النقل الإثيوبية، في مارس/آذار 2018، مع الشركة الإماراتية وحكومة "صوماليلاند" على امتلاك 19% من أسهم مشروع تطوير ميناء بربرة.

مواقف إماراتية مُخذِلة على مدار أزمة السد

تباعدت مصالح ومسارات القاهرة وأبو ظبي تدريجياً خلال الأشهر القليلة الماضية، من القضية الفلسطينية إلى ليبيا وقطر، ومن السد الإثيوبي والقرن الإفريقي إلى قناة السويس والبحر الأحمر، لينتج عن ذلك تناحر وتصدع بين بلدين كان يجمعهما يوماً ما "علاقة متينة".

وعلى هذه الوتيرة، تعاظم الدور الإماراتي في دعمه لإثيوبيا خلال الفترة الأخيرة، حيث جاءت أبو ظبي إلى جانب الرياض كأكثر داعمي أديس أبابا من خلال استثمارات ومساعدات ومعونات أسهمت في تمكين الأخيرة من تشييدها وإتمامها للسد. فقد قُدِر مجموع استثمارات الإمارات والسعودية معاً في إثيوبيا بـ8.2 مليارات دولار.

ويأتي هذا علاوة على مساعدات إنسانية أرسلتها أبو ظبي إلى إقليم "تيغراي" الإثيوبي، تضمنت 46 طناً من المواد الغذائية والمستلزمات الصحية. وتسبب تصريح محمد سالم الراشدي سفير الإمارات لدى إثيوبيا في ما وُصِف بالرسالة السلبية والمستفزة للمصريين، حيث قال نصاً: "هذه المساعدات تأتي في إطار توجيهات قيادة الدولة، بتقديم المساعدات الإنسانية والتنموية للشعوب الشقيقة والصديقة".

يذكر أن مواقف الإمارات المتباينة، والمناهضة بشكل كبير لمصالح مصر الإقليمية والاستراتيجية، قد أسفرت عن جدل كبير خلال الأشهر الماضية. فعلى غرار موقفها المحبط لمصر في ملف السد الإثيوبي، كذا لم تراع أبو ظبي مصالح القاهرة عند توقيعها لاتفاقية تعاون استراتيجي مع إسرائيل لنقل النفط في سبتمبر/أيلول 2020، والتي تمثل خطراً حقيقياً على مصالح مصر الجيوسياسية والاقتصادية لمحاولتها إيجاد بديل لقناة السويس.

تصريحات من القاهرة والخرطوم

بالتزامن مع تحفظات القاهرة المتزايدة من موقف أبو ظبي الأخير بشأن سد "النهضة الإثيوبي"، أدلى وزير الخارجية المصري سامح شكري، ومجلس الدفاع والأمن السوداني، الاثنين، بتصريحات جديدة حول مسار المفاوضات مع إثيوبيا بعد جلسة مجلس الأمن.

حيث أفاد شكري أن مصر تترقب مقترحات الاتحاد الإفريقي بشأن السد الإثيوبي وستقيّمها مع السودان. حيث أردف بأن "من يتقدّم هو رئاسة الاتحاد الإفريقي، في ظل تأكيدها بمجلس الأمن (الخميس) على اعتزامها الاهتمام بحل الأزمة وتقديم أفكار جديدة للدفع قدماً بالعملية التفاوضية".

كما أكد شكري أهمية عملية المفاوضات قائلاً: "بالطبع سيكون الأمر (العودة إلى المفاوضات) بالتنسيق مع الجانب السوداني في ظل اهتمامنا بأن يكون موقفنا متجانساً، وفي انتظار ما قد يتقدّم به الاتحاد الإفريقي من مقترحات ليجرى تقييمها".

ومن جانبه أعلن مجلس الدفاع والأمن السوداني، الاثنين، خلال اجتماع طارئ لمجلس الدفاع (أعلى هيئة أمنية بالسودان) حول السلم والأمن المحلي والإقليمي، عن "إرسال تعزيزات عسكرية لحفظ الأمن المجتمعي في البحر الأحمر وجنوب كردفان". وذلك في إطار "استكمال جهود السودان لحفظ الحقوق والضمانات القانونية الملزمة لكل الأطراف".

وفي 5 يوليو/تموز الماضي أخطرت إثيوبيا دولتَي مصب نهر النيل، مصر والسودان، ببدء عملية ملء ثانٍ للسد بالمياه، من دون التوصل إلى اتفاق ثلاثي، وهو ما رفضته القاهرة والخرطوم باعتباره إجراءً أحادي الجانب.

والخميس عقد مجلس الأمن الدولي جلسة بشأن نزاع سد "النهضة" هي الثانية من نوعها بعد جلسة عقدها العام الماضي، وشهدت دعوات لضرورة استئناف المفاوضات برعاية الاتحاد الإفريقي، والمتعثرة منذ أشهر بسبب خلافات حول قواعد الملء والتشغيل وتوسيع دائرة الوساطة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً