عند الحديث عن الوطن، فإن اليابسة هي أول ما يخطر بالبال، وتغيب بذلك المياه والبحار عن الأذهان، رغم أنها تعتبر امتداداً جغرافياً ومنطقة نفوذ.

اكتسبت فكرة ترسيم الحدود البحرية منذ القرن السابع عشر أهمية كبرى، بالتالي فإن حماية البلدان لمياهها الإقليمية والدولية تعتبر من دعائم حمايتها لمصالحها الوطنية.

عرف تاريخ البحرية انتصارات وبطولات عديدة سطّرتها الإمبراطورية العثمانية، التي طوّرت الأساطيل وابتكرت لذلك مختلف التقنيات على يد أبرز القادة والأباطرة، لبسط النفوذ والتوسع وحماية حدودها وصد الهجمات التي تهددها. فأحكمت قبضتهاعلىمياه المتوسط وبحار أوروبا وبعض الممرات المائية في إفريقيا وآسيا.

فمن قوة برية إلى قوة بحرية، أصبحت تركيا لاعباً مهماً في المسرح العالمي، ورغم الهجمات التي تعرضت لها وتسببت لها بعد ذلك في عدة هزائم، والقوانين التي استهدفتها وقلصت مياهها، إلا أن الملاحة البحرية التركية حافظت على نوع ما من الاتزان.

ومع التطور الذي تعرفه كل دولة في نظم سياساتها واستراتيجياتها، تتولد مفاهيم جديدة، حيث يعتبر مفهوم الوطن الأزرق Mavi Vatan أحدها، وهو مصطلح فوق سياسي ومفهوم جيوستراتيجي طورته أنقرة، ويعبر عن قيمة وطنية رمزية شكلت فيما بعد عقيدة بحرية للسفن التركية أثناء تحركاتها في امتداداتها وحدودها المائية.

ما الوطن الأزرق؟

"لا يمكننا أن نهمل البحر ثانية ولا يمكن أن يجري إقصاؤنا عن سياسات وعن حضارة البحر الأبيض المتوسط". بهذه الكلمات عبر الجنرال المتقاعد الأدميرال جيم غوردينيزفي لقاء صحفي له عن التمسك بما عبر عنه بتأمين حقوق تركيا.

ويعتبر غوردينيز الذي شغل في وقت سابق منصب رئيس الوحدة المسؤولة عن خطط وسياسات تركيا البحرية عام 2006، أول من استخدم مفهوم الوطن الأزرق وكان يعني به المناطق البحرية التي تمتلك فيها تركيا حقوق سيادة ونفوذ،وهي المياه الإقليمية المجاورة، والجرف القاري، أي شرق المتوسط، والبحر الأسود، وبحر إيجه، وتقدر مساحتها ب 462 ألف كيلومتر مربع.

وسرعان ما لقي هذا المفهوم أي الوطن الأزرق، رواجاً لدى المسؤولين الأتراك خلال حديثهم عن سياساتهم وتحركاتهم على غرار الخلافات البحرية الأخيرة.

خلفية النزاع على الحدود المائية

حرصت الحكومة التركية على توخي سياسة الصفر مشاكل مع جيرانها، إلا أن المواجهة البحرية مع بعض حلفائها في الناتو مثل: اليونان وفرنسا أدت إلى توتير العلاقات فيما بينها.

وكان لهذا الخلاف جذور تاريخية، ففي سبعينيات القرن الماضي غيّرت تركيا بتغيير خارطتها حسب ما وصف ذلك الأدميرال غوردينيز، وقسمت قبرص بين كل من تركيا واليونان، واستمر بذلك الخلاف إلى اليوم حول ترسيم الحدود المائية والمناطق الاقتصادية الخالصة، حتى وصل الأمر أواخر التسعينيات إلى مناوشات بين البلدين فكادت تندلع بينهما الحرب لولا وساطة دول حلف الناتو في المفاوضات آنذاك.

ومع اكتشاف احتياطي ضخم من الغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط، سارعت الدول المطلة على ضفافه في التنقيب عن الغاز فتزايد التنافس فيما بينها، وكانت أنقرة منافساً نشطاً في ذلك.

وسرعان ما عاد الخلاف بين كل من تركيا واليونان ليطفو على السطح من جديد، حيث تعترض أثينا على تنقيب القوات البحرية التركية على الغاز في ما اعتبرته منطقة الجرف القاري الخاص بها.

وكانت تركيا قد قامت آنذاك بإرسال سفينة Oruc Reis رفقة سفن حربية للقيام بالأبحاث جنوب جزيرة كاستيلوريزو (ميس)الأمر الذي أثار حفيظة اليونان واعتراضها.

وتبعد جزيرة كاستيلوريزو والتي تقدر مساحتها بحوالي 10 كيلومترات، مسافة كيلومترين عن تركيا و580 كيلومتراً عن اليونان، وبالتالي فإن ضمها لليونان تعتبره تركيا من غير الإنصاف والاستهداف الذي عمدت إليه معاهدات دولية في السابق.

ومحاولة منها لما اعتبره مراقبون إقصاء تركيا وإيقافها لمنعها من الاستفادة من الثروة الهائلة تحت الماء، سعت اليونان إلى توقيع اتفاقيات مع كل من لبنان ومصر وإسرائيل وإيطاليا، كما وقعت صفقات أخرى مع عدة شركات كبرى للطاقة لإجراء أعمال الحفر، وذلك خلال العامين الماضيين.

التحركات العسكرية والدبلوماسية التركية لاستعادة المياه الإقليمية

في السنة الماضية وبمناسبة الذكرى السنوية للنصر في معركة بروزة البحرية،قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "انطلاقاً من أهمية الدفاع عن وطننا الأزرق (مناطق الصلاحية البحرية)، نواصل حماية حقوقنا ومصالحنا في بحارنا بإرادة قوية، وإيمان لا يتزعزع".

وأكد الرئيس التركي تأهب واستعداد القوات البحرية لحفظ الأمن والسلام وردع الطامعين بحقوق تركيا.

وتسعى أنقرة جاهدة لتزويد البحرية التركية بقدرات جديدة ومعدات متطورة، كالغواصات ، وأنظمة طيران بحرية متقدمة مضادة للغواصات، وسفن استخبارات إلكترونية، وفرقاطات حربية مضادة للطائرات، وسفن هجوم برمائية، في وقت تزدهر فيه الصناعات الدفاعية في تركيا.

وكانت قد أعلنت موفى العام الماضي، شركتان تركيتان عن الانتهاء من صناعة النموذج الأولي لأول زورق مسلح غير مأهول مُسيّر عن بعد في سابقة من نوعها، وهو زورق سيدا الذي من المخطط أن يوكَل إليه عدد من مهام حماية الوطن الأزرق الممتد على طول المياه الإقليمية التركية.وبالفعل أجريت تجارب على الزورق سيدا في البحر الأسبوع الماضي.

ولضمان الجاهزية القتالية للقوات البحرية ولرفع درجة الاستعداد،نفذت تركيا خلال سنة 2019 مناورات عسكرية هي الأولى من نوعها وتعدّ الأكبر في تاريخ تركيا في كل من البحر الأسود وبحر إيجه وشرق البحر المتوسط، وذلك باستخدام 103 سفن، تحت مسمى "الوطن الأزرق 2019" وسبقتها أخرى قبل بضع أيام سميت بـ"الشتاء 2019 المشتركة".

وأشاد بهذه المناورات وزير الدفاع التركي خلوصي أقار، مشدداً على أن تركيا ترمي إلى إيجاد حلول بالسبل السلمية لمشكلات المنطقة.

ورغم ما أبدته تركيا من استعداد للحوار للوصول إلى اتفاق يرضي جميع البلدان المتجاورة على ضفاف المتوسط، قامت بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بدعم موقف أثينا،التي تمسكت برفض المفاوضات مع تركيا، وارتكبت عدة انتهاكات للمواثيق الدولية وذلك عبر تسليح الجزر في بحر إيجه.

ولكن ذلك لم يمنع واشنطن من إلغاء القرار الذي ينص على حظر بيع السلاح إلى جنوب قبرص (التابع لليونان) وذلك لأول مرة منذ 30 عاماً.

واصلت أنقرة جهودها في التنقيب عن الغاز، ووقعت لذلك في نوفمبر/تشرين الثاني سنة 2019 اتفاقاً مع حكومة السراج في ليبيا والمعترف بها دولياً، اتفاق يؤسس لمنطقة اقتصادية خالصة تمتد من الساحل الجنوبي لتركيا حتى شمال شرق ليبيا.الأمر الذي قوبل بالاستنكار والرفض من أثينا والقاهرة متعللين بعدم قانونية الاتفاق الذي يتجاهل وجود جزيرة كريت اليونانية بين ساحلي تركيا وليبيا.

ورداً على ذلك صرح حينها فؤاد أوقطاي نائب الرئيس التركي أنه "على الجميع أن يتقبل أن تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية لا يمكن إقصاؤهما عن معادلة الطاقة في المنطقة".

لم تكن تركيا حسب ما أفاد مسؤولوها تستهدف مصر، بالاتفاق الذي أبرمته مع ليبيا، إلا أن القاهرة قامت بتوقيع اتفاقية لترسيم الحدود مع اليونانوالتي تنتهكالجرف القاري لتركيا وليبيا. وفي هذا السياق قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن"اليونان ليست لها حدود مع ليبيا ولا مع مصر، ولا يحقّ لها توقيع هذه الاتفاقية".

فيما اعتبر خبراء ومحللون أن مصر خسرت مساحات كبيرة مستحقة لها بتوقيعها الاتفاق مع اليونان وذلك فقط من باب المناكفة مع تركيا.

وأعربت مصر وقبرص الخميس 11 فبراير/شباط 2021عن ارتياحهما لتصديق الدول الأعضاء في "منتدى غاز شرق المتوسط" على ميثاقه التأسيسي، والاتفاق على دخوله حيز التنفيذ اعتباراً من مارس المقبل. ويضم المنتدى 7 دول(مصر والأردن و"إسرائيل" وقبرص (الرومية) واليونان وإيطاليا وفلسطين)، إلى جانب وزير الطاقة الأمريكي وممثل المفوضية الأوروبية لشؤون الطاقة وممثل للبنك الدولي، مستثنياً بذلك من عضويته تركيا وقبرص التركية رغم أنهما تطلان على المتوسط ولهما حقوق في المناطق المتنازع عليها، وتحاول بهذا أثينا والقاهرة عزل أنقرة دبلوماسياً ومنعها مما تعتبره حقاً لها في هذه المياه.

ووفق الإعلان الصادر عن الدول المشاركة، فإن المنتدى الذي مقره القاهرة "سيعمل كمنصة تجمع منتجي الغاز والمستهلكين ودول المرور، لوضع رؤية مشتركة وإقامة حوار منهجي منظم حول سياسات الغاز الطبيعي، والتي ستؤدي لتطوير سوق إقليمية مستدامة للغاز، للاستفادة القصوى من موارد المنطقة لصالح ورفاهية شعوبها".

وبالتالي بالوقوف على هذه التفاصيل وتداعيات الخلاف بين البلدان المتنازعة، يجدر القول بأن تعدد الأصول البحرية في منطقة ضيقة سيقود بالضرورة إلى المواجهة والصراع بين مختلف هذه الأطراف.

كما أن هذه التحالفات والتكتلات الدولية التي تستهدف القوات التركية في شرق المتوسط، تدفع أنقرة للتشديد على ضرورة إجراء مفاوضات حول الجزر التي تدعي اليونان أنها تمتلكها، في وقت لا تدخر فيه حكومة أثينا الجهد في فرض هذه الحدود على أنقرة، ليزداد كل شيء تعقيداً.

لكن في الوقت الحالي لا يعتبر خيار الحرب وارداً، حيث إن وزير الدفاع التركي خلوصي أقار كان قد صرح في وقت سابق أن اليونان لن تكون مستعدة لمواجهة القوات التركية، لافتاً الانتباه إلى قوة الأساطيل البحرية التركية وجاهزيتها من حيث المعدات والتدريبات، كما أن أنقرة مُصرة على الحوار والوصول إلى اتفاق يرضي الجميع ويضمن الحقوق للجميع.

TRT عربي