بينما كان العالم يراقب بتخوُّف كبير سقوط صاروخ صيني ضخم متحلل ليضرب الأرض، طُرحَت أسئلة عديدة حول سياسات الدول الكبرى في الفضاء والمخاطر المتزايدة التي باتت تهدّد الأرض بعد تطوُّر طموحات هذه الدول وتطوُّر تقنيات التنافسية والمعارك بينها.

تقدمت البشرية في استكشاف الفضاء واستخدامه في عدة مجالات متنوعة بتنوع تقنياته، التي باتت اليوم تفوق تكنولوجيا الطاقة النووية والذكاء الصناعي. وكان استخدام تقنيات الفضاء في البداية لأغراض سلمية، أو كما يبدو على الأقلّ، كمراقبة المناخ والطقس والأرض والملاحة، وإدارة المياه وتطوير النقل والزراعة، وحفظ الأمن والسلام.

فتَمكَّن المجتمع الدولي بذلك من معالجة أكبر تحديات العصر ومجابهتها، فتطورت على أثر ذلك تقنيات وتطبيقات الفضاء بشكل متزايد. وإن كان عصر الفضاء بدأ في خمسينيات القرن الماضي مع دولتين نشطتين تتنافسان للوصول إلى القمر، فإنه اليوم توجد أكثر من 70 وكالة فضاء وطنية وإقليمية تعمل على توسيع تطبيق علوم وتكنولوجيا الفضاء.

هذا التطور الكبير والتعاون الدولي المشترك لتطويع التقنيات في توسيع المعرفة وتحقيق مكتسبات في التنمية البشرية، لا يخفي حقيقة التوجه الحالي اللافت لاستخدام الدول الكبرى الفضاء لأهداف عسكرية واستخباراتية، تفاقمت على أثرها المخاطر التي تهدِّد البشرية، وكان آخرها سقوط بقايا الصاروخ الصيني على الأرض.

الفضاء ساحة للتنافس والصراع

راقبت قيادات الفضاء ومسؤولون دوليون بشكل حذر سقوط بقايا صاروخ Long March-5B الصيني الذي يزن نحو 18 طنّاً وسط مخاوف من الارتطام بأماكن مأهولة وتحقيق كوارث على الأرض، إلا أنه هبط فوق المحيط الهندي.

وتعليقاً على حادثة الارتطام الأخيرة قال بيل نيلسون مدير وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا): "على الدول التي ترسل مهامَّ إلى الفضاء تقليل خطر دخول الأجسام التي أُرسلت إلى الفضاء مجدداً إلى الأرض على السكان والممتلكات الموجودة على سطح الكوكب، وأن تضاعف الشفافية المتعلقة بهذه العمليات".

لم تكن هي الحادثة الأولى للصين أو حتى لغيرها من الدول العظمى الرائدة في الفضاء، ففي سنة 2018 واجهت إدارة الفضاء الوطنية الصينية مشكلات في إعادة الدخول، إذ أعادت محطة الفضاء الصينية Tiangong 1 الدخول غير خاضعة للرقابة، إلا أن الهبوط كان في مكان ما في المحيط الهادئ.

كما أنه في العام الماضي أطلقت الصين نفس الصاروخ Long March-5B فسقط الحطام على قريتين على الأقلّ في ساحل العاج عندما عاد الصاروخ إلى الغلاف الجوي.

لذلك قال تيد مولهاوبت، المدير الرئيسي في شركة "إيروسبيس كوربوريشن"، إنه يوجد سبب للاعتقاد أن سقوط الصواريخ الصينية غير المنضبطة على الأرض سيظلّ يمثّل مشكلة، لأن بكين ستستمر في استخدام هذا الصاروخ في مهامّ الرفع الثقيل، بما في ذلك بناء محطتها الفضائية الجديدة.

ولم تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحادثة لمحاولة ضرب الحطام رغم أنه كان هناك سابقة في ذلك من قبل، إذ أطلقت البحرية الأمريكية في عام 2008 صاروخاً لضرب قمر تجسس صناعي معطل يسقط من المدار. وكان قد توقف هذا القمر الصناعي عن العمل في وقت مبكر من مهمته، وما زال لديه كثير من الوقود على متنه، وكان من الممكن أن ينشر الوقود السامّ عندما تَحطَّم.

ويُقدَّر عموماً عدد الأقمار الصناعية بنحو 3372 قمراً صناعياً تدور حاليّاً حول الأرض، تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية العدد الأكبر منها بنحو 1897 مقابل 412 للصين و176 لروسيا. وبالتالي فإن الحطام في الفضاء إن كان يهدّد بشكل كبير الأرض والبشرية فإنه يهدِّد كذلك سير عمل الأقمار الصناعية وبالتالي مصالح هذه الدول.

فالحطام الفضائي حسبما يراه خبراء يمكن أن يؤثر على عمل تلك الأقمار، كما أن إمكانية وقوع حادث كبير في الفضاء ستضرّ أيضًا بالاقتصاد العالمي، إذ تعتمد الكيانات الاقتصادية والسوقية الكبيرة على الأقمار الصناعية، ليس فقط للاتصال، بل أيضًا لإشارات التوقيت التي توجه عمليات تداول الأسهم وحتى معاملات أجهزة الصراف الآلي.

ومع تطور الاستحقاقات الدولية والصراع بين القوى العالمية، وأمام الأهمية الاستراتيجية للفضاء، أصبح التوجه هو استخدام الفضاء عسكرياً. وتَحوَّل الفضاء كمجال دوليّ جديد إلى ساحة صراع مختلفة الأبعاد، منها التكنولوجي والتجاري والعسكري والاستخباراتي والتخطيط لاستراتيجيات الأمن القومي وغيره من المجالات العديدة والمتنوعة.

وعلى غرار الولايات المتحدة الأمريكية والصين وسعيهم الحثيث في هذا المجال وما أحرزوه من مكتسبات، تسعى روسيا من جانبها وبشكل مستمر لتطوير واختبار الأنظمة الفضائية، ففي يوليو 2020 اختبرت روسيا سلاحاً مضادّاً للأقمار الصناعية، وقامت بإطلاق قذيفة من قمر صناعي في المدار.

وتعليقاً على ذلك قال الجنرال جون ريموند، الذي يقود قيادة الفضاء الأمريكية، إن "نظام الأقمار الصناعية الروسي المستخدم لإجراء اختبار الأسلحة هذا في المدار هو نفس نظام الأقمار الصناعية الذي أثار مخاوفنا بشأنه في وقت سابق، عندما ناورت روسيا بالقرب من قمر صناعي تابع للحكومة الأمريكية".

روسيا اختبرت سلاحا مضادا للأقمار الصناعية ، وأطلقت قذيفة من قمر صناعي في المدار (Others)

ورغم أن روسيا تدعو إلى الحدّ من أسلحة الفضاء الخارجي، فإن مسؤولين أمريكيين يرون الهدف من ذلك تقييد قدرات واشنطن، في حين أن موسكو لا تنوي وقف برنامجها الخاصّ بالفضاء المضادّ وتطوير القدرات الأرضية المضادة للأقمار الصناعية.

هل من قوانين تنظم سلوكات الدول في الفضاء؟

هذا التوسع في ساحة التنافس والصراع إلى الفضاء، يؤدِّي بالضرورة إلى طرح سؤال ملحّ عن المواثيق والمعاهدات والقوانين الدولية التي تنظم سلوكات هذه الدول في الفضاء.

ومن بين هذه القوانين، بعض القواعد المتفق عليها دوليّاً والتي صاغتها معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، وتنصّ على أن الدول لا يمكنها وضع أسلحة دمار شامل في الفضاء.

إلا أن المعاهدة لا تحظر وضع أسلحة أخرى في الفضاء، أو إطلاق النار على الأقمار الصناعية بصواريخ مضادة للأقمار الصناعية، أو إطلاق أجسام كبيرة ستعود إلى الأرض في كثير من القطع ذات المسارات غير المتوقعة. بالتالي فإن القواعد التي تنظم الفضاء ومساحات التحرك فيه قليلة، وقليلة جداً، وتفتح الباب على الكثير من التجاوزات التي يمكن أن تهدد البشرية، كما فعل الصاروخ الصيني الأخير.

وإن كانت أصوات المسؤولين وقيادات بعض الدول تدعو إلى التحلِّي بالمسؤولية أكثر، فإن ذلك وحده لا يكفي أمام تزايد الطموحات والأهداف الاستراتيجية للقوى العالمية، ليصبح وضع مزيد من القوانين والقواعد المتفق عليها أمراً أكيداً لتفادي وقوع كوارث في المستقبل، وربما بأوجه مختلفة.

وفي هذا الإطار ضغط المشرعون على مسؤولي إدارة بايدن يوم الأربعاء 05 مايو/آيار، بشأن ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لوضع بعض الحدود والقواعد الصارمة.

وإن كانت واشنطن تريد إلى جانب بقية الدول مزيداً من القواعد في الفضاء، فإنه لا يُتوقَّع أي شيء ملزم قانوناً في أي وقت قريب.

TRT عربي
الأكثر تداولاً